تخيل السهولة التي نمسك بها أنا وأنت كوبًا من القهوة ونرفعه إلى شفاهنا. ذلك شيء يبدو أنه لا يتطلب جهدًا واعيًا على الإطلاق، باستثناء الحد الأدنى من الدافع لاحتساء رشفة من القهوة. ومع ذلك، غير أننا حين نفكك ما تنطوي عليه هذه العملية من إجراءات، ا نرى أن ما يحدث بالفعل بعيد كل البعد عن البساطة. ففي البداية، تمدُّ يدك إلى الكوب: وهو إجراء يتضمن بالطبع تحريك مفصلي الكتف والمرفق. لكن هذه العملية تنطوي على الإحساس أيضًا؛ لأن هذه الحركات تحتاج إلى أن تسترشد بمعرفتك بمكان الكأس؛ أؤكد مرةً أخرى على أنَّ هذه العملية لا شعورية، وأنت لا تحتاج حتى إلى النظر مباشرةً إلى الكأس لكي تنجح في التقاطه وفور أن تصل يدك إلى مقبض الكوب، تخضع مفاصل أصابعك لمجموعة معقدة من الحركات حتى تتمكن من الإمساك بالمقبض. وحتى إذا كنت لم تصادف هذا النوع المحدد من المقابض قبل ذلك، فسيظل بإمكانك تكييف أصابعك تلقائيا، ودون بذل جهد واع، لتتناسب مع هذا الشكل.
بعد ذلك تبدأ في رفع الكوب. في هذه المرحلة، يحدث شيء آخر رائع: تشعر تلقائيا (ومرةً أخرى دون إدراك واع) بوزن الكوب والسائل الموجود فيه، وتستعمل القدر المناسب من القوة في مفاصل الكتف والكوع والرسغ. ذلك أنك إذا استعملت قدرًا قليلا من القوة، فلن ترفع الكأس على الإطلاق، وإذا استعملت قدرًا كبيرًا، فستنسكب القهوة. وعندما تضع الكوب أمام شفتيك، تعدل رسغك بسلاسة بحيث يظل الكوب – والقهوة الموجودة فيه مستويًا مع انثناء كوعك. وهذا الإجراء مرةً أخرى، دون تفكير واع، يسترشد بعينيك ورد فعل ذراعك وضغط أصابعك. وأخيرًا، عندما يلامس الكوب شفتيك، ربما بحذر لأنك تشعر بأن القهوة ساخنة، فإن تحديد موضع الكوب بدقة وإمالته بعناية للشرب سيعتمد أيضًا على حاسة اللمس في شفتيك.
يُظهر هذا المثال التوضيحي لعمل بشري يبدو عاديًا للغاية أن هذا العمل يستلزم قدرًا كبيرًا من التنسيق بين الاستشعار والتحكم في مفاصل عديدة. لقد تعلمنا «البرمجة» العصبية التي تمنحنا هذه المهارة في مرحلة مبكرة للغاية من النمو. لكن الأذرع الروبوتية من النوع الذي نراه في خطوط التجميع، ليست لديها هذه العملية لتعلم مهارة جديدة. ما تحتاج إليه أذرع الروبوت هو إما أن تكون مبرمجة بدقة شديدة، بحيث تصمم الحركة الدقيقة المطلوبة لكل مفصل وتُشفّر في مجموعة من التعليمات لذراع الروبوت، أو أن «يعلمها الإنسان باستخدام لوحة تحكم لتحريك المستجيب الطرفي (اليد) إلى المواضع المطلوبة في بيئة عمل الروبوت، وهو ما يحدث في كثير من الأحيان وبمزيد من السهولة). بعد ذلك يحفظ الروبوت مجموعة حركات المفاصل بحيث يمكن إعادة تشغيلها (مرارًا وتكرارًا). يتحكم المشغل البشري الذي يعلّم الروبوت في المسار، أي الطريق الذي يتبعه المستجيب الطرفي لذراع الروبوت في أثناء تحركه عبر بيئة عمله الثلاثية الأبعاد، وتعمل مجموعة من المعادلات الرياضية تُسمى علم الكينماتيكا العكسية» على تحويل المسار إلى مجموعة من الحركات الفردية للمفصل.
باستخدام هذا النهج من السهل نسبيا تعليم ذراع الروبوت التقاط جسم ما ونقله بسلاسة إلى مكان آخر في بيئة عمله مع الحفاظ عليه مستويًا (مثل كوب القهوة في مثالنا البشري). بالرغم من ذلك، فعلى عكس مثالنا، لا تستطيع معظم أذرع الروبوتات الحالية استشعار وزن الجسم الذي تحمله والتكيف تلقائياً وفقًا لذلك. ذلك أنها مصممة ببساطة بمفاصل صلبة ومحركات قوية بما فيه الكفاية لأن تسمح لها برفع أي جسم ونقله ووضعه بالدقة نفسها بصرف النظر عن وزنه ما دام في ضمن الحدود التي يسمح بها تصميم الروبوت.
وبالمثل أيضًا، فإن صلابة الحركة ودقتها في ظل التحكم المبرمج تعني أن الذراع الروبوتي يمكن أن يحافظ على الجسم مستويًا دون الحاجة إلى العمليات التكيفية من الاستشعار المستمر والتحكم والتي يحتاج البشر إليها للحفاظ على استواء الجسم في أثناء تحريكه فصلابة مفاصل الروبوت هي التي تجعل من السهل نسبيا برمجتها والتحكم فيها بدقة وبشكل متكرر. وفي هذا الصدد، فإنَّ الأذرع الروبوتية التقليدية مختلفة أشد الاختلاف عن أذرع البشر أو أطراف الحيوانات.
تعد الأذرع الروبوتية والمقابض تقنية أساسية في علم الروبوتات. إنَّ أهميتها الشديدة لا تقتصر على استخدامها في روبوتات خطوط التجميع الصناعية، بل أصبحت «عنصرًا» أساسيًّا في العديد من مجالات علم الروبوتات. توجد تنويعات مختلفة من الأذرع الروبوتية متصلة بمنصات متحركة مثل المركبات الغواصة المشغلة عن بعد أو روبوتات إبطال مفعول القنابل أو مركبات المريخ الجوالة. وتُعتبر الأذرع الروبوتية، التي تتمتع بدرجات شديدة التباين من التطور من السمات الأساسية في الروبوتات التي تشبه البشر، وسأتطرق لموضوع الأذرع الروبوتية التي تشبه البشر، بما في ذلك الأذرع الروبوتية المطواعة في الفصل الرابع.