
تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء


الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية


الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية


علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت


الفيزياء الحديثة


النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية


الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي


فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد


الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر


علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء


المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة


الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات


الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء والفلسفة

الفيزياء العامة


مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى
أمواج الاحتمال
المؤلف:
البرت أينشتاين و ليويولد إنفلد
المصدر:
تطور الأفكار في الفيزياء
الجزء والصفحة:
ص212
2026-03-03
5
يقول الميكانيك التقليدي بأننا لو عرفنا، في لحظة واحدة، مكان الجسيم المادي وسرعته وكذلك القوى المتسلطة عليه، لاستطعنا التنبؤ بكل مساره المستقبلي. فالمقولة: «إن للنقطة المادية، في اللحظة الفلانية، المكان الفلاني والسرعة الفلانية» ذات معنى محدد في عرف الميكانيك التقليدي. ولو فقدت هذه المقولة معناها فإن المحاكمة التي أجريناها، في الفصل الأول من هذا الكتاب بخصوص التنبؤ بالمسار المستقبلي، تصبح عديمة القيمة.
ففي أوائل القرن التاسع عشر أراد العلماء إيجاز الفيزياء في صورة قوى بسيطة تؤثر في جسيمات مادية تحتل أمكنة معينة وتتمتع بسرعات معينة في لحظات معينة. لنتذكر كيف وصفنا الحركة في أوائل مراحل سفرنا في عالم المسائل الفيزيائية. لقد وضعنا نقاطاً متوالية على طول مسار معين؛ وهذه النقاط تشير إلى المواضع الدقيقة التي يحتلها الجسيم لحظة بعد لحظة؛ ورسمنا الأشعة المماسية التي تدل على جهة السرعة وقيمتها. لقد كانت هذه العملية بسيطة ومقنعة. لكن إجراءها على الكموم العنصرية للمادة، أي الالكترونات، وعلى الكموم العنصرية للضوء، أي الفوتونات، غير ممكن. فنحن لا نستطيع تمثيل مسار الفوتون، أو مسار الالكترون، بالأسلوب الذي مثلنا به الحركة في الميكانيك التقليدي. إن هذا واضح في تجربة الثقبين، لأن الالكترون والفوتون يظهران وكأنهما يمران من كلا الثقبين في وقت واحد، فمن المستحيل إذن أن نشرح هذا الواقع بتمثيل مسار الالكترون أو الفوتون بالطريقة التقليدية.
يجب بالطبع أن نفترض وجود عمليات إفرادية كمرور الالكترونات والفوتونات من الثقوب الصغيرة. كما أننا لا نستطيع الشك بوجود الكموم العنصرية للمادة وللطاقة. لكن القوانين الأساسية لا يمكن بالتأكيد صوغها بالطريقة المستخدمة في الميكانيك التقليدي لتعيين أماكن هذه الكموم وسرعتها في لحظة معينة.نريد إذن أن نحاول طريقة أخرى. لنكرر باستمرار العملية الإفرادية.
إن تجربتنا تتكرر دوماً بالأسلوب ذاته، أي أن كل الالكترونات تتحرك بسرعة واحدة نحو الثقبين. وقد لاي كون من الضروري أن نذكر أننا نقوم هنا بتجربة مثالية لا يمكن إجراؤها عملياً ولكن يمكن تصورها؛ فنحن لا نستطيع أن نقذف الفوتونات والالكترونات إفرادياً في لحظات مختارة كما نطلق رصاصات من بندقية. إن الالكترونات تنطلق، واحداً بعد واحد، نحو الثقبين. إن كلمة(الكترون) مستخدمة هنا لتركيز الأفكار إذ إن محاكمتنا الراهنة تنطبق أيضاً على الفوتون.
إن النتيجة النهائية لمجموع العمليات المكررة إفرادياً لابد أن تكون حلقات مظلمة ومضيئة في حالة ثقب وحيد، وعصابات مظلمة ومضيئة في حالة ثقبين. لكن يوجد فرق جوهري. ففي حالة الالكترون المفرد لا يمكن أن نفهم ما ستعطيه التجربة؛ لكننا نفهمها بسهولة أكبر عندما نكرر العملية مرات كثيرة. إذ نستطيع في هذه الحالة التكرارية أن نقول: إن العصابات المضيئة تظهر في الأماكن التي تستقبل عدداً كبيراً من الالكترونات؛ لكنها تصبح أكثر ظلاماً في المناطق التي تستقبل عدداً صغيراً من الالكترونات؛ أما المناطق المظلمة فهي تلك التي لا تستقبل أي الكترون. وليس من المباح لنا بالطبع أن نفترض أن كل الالكترونات تمر من واحد فقط من الثقبين؛ إذ لو كان الأمر كذلك لما حدث أي فرق عندما نغلق الثقب الآخر، ذلك أننا أن وجود نعلم جيداً أن الثقب الآخر يحول صورة الانعراج من حلقات إلى عصابات. وبما أن الجسيم جزء لا يتجزأ فلا مبرر لأن نتوهم أنه يمر من الثقبين في وقت واحد. لكن تصور أن التجربة بكاملها قد نجمت عن تكرار التجربة الإفرادية عدداً كبيراً من المرات يفتح لنا باباً آخر للتفسير. إن بعض الالكترونات تمر من الثقب الأول وبعضها الآخر يمر من الثقب الثاني. ونحن لا نعلم لماذا تقوم الالكترونات إفرادياً بعملية اختيار بين الثقبين، لكن الذي نعرفه هو أن خلاصة التجارب الإفرادية المكررة هي أن الثقبين يخدمان كممرين لانتقال الالكترونات من منبعها إلى لوح التصوير. فإذا استطعنا فقط أن نعرف ما يحدث الجمهور الالكترونات التي تعمل في التجارب المكررة، دون الاهتمام بسلوك كل منها على حدة، فإن سبب الفرق بين الحلقات والعصابات يصبح. مفهوماً. ذلك أن مناقشة نتيجة سلسلة من التجارب المكررة توحي بفكرة جديدة، فكرة جمهور من الأفراد يتصرف كل منهم تصرفاً غير متوقع. فلئن كنا عاجزين عن توقع سلوك كل الكترون على حدة فإن النتيجة النهائية لجمهور الالكترونات كلها هي عصابات مضيئة ومظلمة تظهر على لوح التصوير، أو على الشاشة في حالة فوتونات.
لنترك مؤقتاً الفيزياء الكمومية.
لقد رأينا في الفيزياء التقليدية أن معرفة مكان النقطة المادية وسرعتها في لحظة ما ومعرفة القوى الفاعلة فيها تتيحان التنبؤ بمسارها المستقبلي. وقد رأينا أيضاً كيفية تطبيق الصورة الميكانيكية على النظرية الحركية للمادة. لكن المحاكمات التي كنا أجريناها بمناسبة هذه النظرية قد ولدت فكرة جديدة: ولابد من استيعاب هذه الفكرة جيداً لأنها ستساعدنا على فهم الحجج التي سنفصلها فيما بعد.
نحن أمام وعاء يحوي غازاً. فأثناء محاولة وصف حركة كل جسيم لابد أولاً من معرفة الحالة البدئية، أي الأمكنة والسرعات البدئية لكل الجسيمات. لكننا حتى لو قبلنا إمكانية ذلك فإن عمر المرء لا يكفي للقيام بهذه المهمة؛ ثم لو حاولنا بعدئذ استخدام طرائق الميكانيك التقليدي المعروفة الحساب الأمكنة والسرعات النهائية للجسيمات للقينا مصاعب لا يمكن تذليلها. فنحن نستطيع مبدئياً استخدام الطريقة المستعملة في حساب حركات الكواكب، لكنها عملياً ستكون عديمة الجدوى وسنفضل عليها الطريقة الإحصائية التي تغنينا عن معرفة الحالات البدئية. فنحن لن نعرف عن الجملة في كل لحظة إلا القليل وسنكون جاهلين كل شيء عن ماضيها وعن مستقبلها. ولن نهتم بمصير كل جسيم من الغاز على حدة. إن مسألتنا ستكون من طبيعة أخرى؛ فلن نسأل مثلاً عن سرعة كل جسيم في اللحظة الراهنة)، بل سنسأل: (كم جسيماً له سرعة محصورة بين 300 و400 متر في الثانية؟ ) فنحن لن نهتم بالأفراد؛ بل إن ما ننشده هو معرفة القيم الوسطية التي تميز المجموعة كلها. ومن الواضح أن المحاكمات التي تستخدم الطريقة الإحصائية لا يمكن أن تصح إلا إذا كان عدد الأفراد التي تتناولها الطريقة كبيراً.
فتطبيق الطريقة الإحصائية لن يتيح لنا أن نتنبأ عن سلوك فرد في جمهور. والذي نستطيع أن نتنباً به هو احتمال أن يتصرف تصرفاً معيناً. فإذا كانت قوانيننا الإحصائية تفيد بأن ثلث عدد الجسيمات ذو سرعة محصورة بين 300 و400 متر في الثانية فهذا يعني أننا لو كررنا قياساتنا عدة مرات على عدد كبير من الجسيمات لحصلنا بالفعل على هذا الوسطي، أو بتعبير آخر، لكان احتمال وجود جسيم ذي سرعة محصورة في ذلك المجال مساوياً الثلث.
فمعرفة نسبة المواليد إلى عدد السكان في بلد كبير لا تعني أننا سنعلم إذا كانت هذه العائلة بالذات ستسعد بولد هذه السنة؛ بل تعني أننا نملك نتائج إحصائية لا يلعب فيها الفرد أي دور.
لنفترض، كمثال آخر، أننا راقبنا لوحات عدد كبير من السيارات فاكتشفنا أن ثلث هذا العدد يحمل أرقاماً تقبل القسمة على 3. وعندئذ لا نستطيع أن نؤكد أن السيارة التي ستمر بعد قليل تتمتع بهذه الصفة بل أن نقول إن احتمال أن تتمتع بها يساوي الثلث. فالقوانين الإحصائية لا يمكن أن تنطبق إلا على التجمعات الكبيرة وليس على الأفراد التي تتألف منها هذه التجمعات. والآن يمكننا العودة إلى مسألتنا الكمومية. إن قوانين الفيزياء الكمومية ذات خاصية إحصائية. وهذا يعني أنها تنطبق، لا على جملة منفردة، بل على جمهرة جمل متماثلة تماماً؛ ولا يمكن التحقق من صحتها بقياس واحد في الجملة بل بسلسلة من القياسات المكررة.
إن التفكك الإشعاعي لبعض المواد هو واحد من الحوادث العديدة التي تحاول الفيزياء الكمومية أن تصوغ لها قوانين تنبىء عن التحول التلقائي لعنصر كيميائي إلى عنصر آخر. فنحن تعلم مثلاً أن غراماً واحداً من الراديوم يتفكك نصفه خلال 1600 سنة ويبقى النصف الآخر كما هو عليه. وبذلك يمكن أن نعرف، على وجه التقريب، كم ذرة تتفكك خلال نصف الساعة القادمة، ولكننا لا نستطيع أن نقول، حتى في التوصيف النظري لهذه الظاهرة، لماذا كانت هذه الذرات بعينها هي التي تفككت وليس سواها. فبموجب معلوماتنا الحالية نعجز تماماً. عن معرفة الذرات الإفرادية المحكوم عليها بالذات أن تتفكك. فمصير إحدى الذرات بعينها لا يتعلق بعمرها. ونحن لا نملك أي أثر لقانون يتحكم بسلوك الذرة المنفردة. وعلى هذا لا يمكننا أن نصوغ سوى قوانين إحصائية، قوانين تتحكم بجمهرة كبيرة من الذرات.
لنضرب مثلاً آخر. إن عنصراً غازياً مضيئاً موضوعاً في المطياف لا يصدر خطوطاً طيفية ذات طول موجة محدد. فظهور سلسلة متقطعة من الأطوال الموجية المعينة هو خاصية للظواهر الذرية تنبىء عن وجود سلسلة من الكموم العنصرية. لكن هذه الظاهرة لها خاصة أخرى: إن بعض هذه الخطوط الطيفية شديدة النور جداً وبعضها الآخر ضعيف هزيل. فالخط القوي يعني أنه قد صدر عدد كبير نسبياً من الفوتونات المنتمية إلى طول الموجة الخاص بهذا الخط. أما الخط الضعيف فيعني أنه قد صدر عدد صغير نسبياً من الفوتونات المنتمية إلى طول الموجة الخاص بهذا الخط. وهنا أيضاً تقدم نظرية الكموم نصوصاً ذات صيغة إحصائية فحسب. فالخط الطيفي ناجم عن انتقال الذرة من مستوى طاقي إلى مستوى طاقي آخر أخفض منه. فالنظرية تتكلم فقط عن احتمال حدوث كل من هذه الانتقالات الممكنة، لكنها لا تقول شيئاً عن الانتقال الواقعي لذرة مفردة. إنها تعمل بنجاح رائع لأنها تتناول ظاهرة تحدث في جمهرة كبيرة من الذرات، لا في ذرة واحدة منفردة.
قد نتوهم للوهلة الأولى أن الفيزياء الكمومية الجديدة تشبه النظرية الحركية للمادة، لأن كلتيهما ذات صبغة إحصائية ولأن كلاً منهما تتناول جملاً تتألف من جمهرة كبيرة من الأفراد. لكن الأمر ليس كذلك. فليس من المهم، في هذا التشبيه، أن نعرف نقاط اللقاء فقط، بل أن نعرف نقاط الاختلاف أيضاً. إن نقاط اللقاء، بين النظرية الحركية للمادة ونظرية الكموم، تنحصر مبدئياً في السمة الإحصائية لكل منهما. أما الفروق فنشرحها فيما يلي.
إذا رغبنا في أن نعلم عدد الرجال والنساء الذين تزيد أعمارهم عن عشرين سنة في مدينة ما، نطلب من كل مواطن أن يملأ جدولاً يحمل الحقول الثلاثة: «ذكر»، «أنثى»، «العمر». وبعد تجميع هذه المعلومات التي نفترضها صحيحة، نحصل بالعد والتصنيف على نتيجة ذات صبغة إحصائية. ولن نهتم بالأسماء والعناوين التي ترد في الجدول. فمعلوماتنا الإحصائية هنا قد حصلنا عليها بعد فحص كل حالة شخصية مفردة. وكذلك الأمر في النظرية الحركية للمادة، فنحن نحصل فيها على قوانين إحصائية تتحكم بجمهور الذرات ولكنها تنجم عن قوانين تتحكم في سلوك الأفراد.
أما في الفيزياء الكمومية فالأمر مختلف تماماً. فالقوانين الإحصائية هنا معطاة سلفاً؛ أما الأفراد فمهملة. ففي نموذج الفوتون، أو الالكترون، والثقبين رأينا أننا لا نستطيع أن نعمل كما كنا نعمل في الفيزياء التقليدية بخصوص حركة الجسيمات في المكان وفي الزمان. إن الفيزياء الكمومية لا تحسب حساب القوانين التي تتحكم في سلوك الجسيم الفرد، بل تضع، مباشرة، القوانين الإحصائية التي تنبئ عن سلوك الجماهير. فمن المستحيل، حسب الفيزياء الكمومية، أن نعلم في لحظة واحدة مكان الجسيم وسرعته وأن نتنبأ بمساره المستقبلي بالشكل الذي كنا نفعله في الفيزياء التقليدية. إن الفيزياء الكمومية تتناول مجموعات الجسيمات، فهي علم يهتم بالجماهير ولا يحسب حساب الأفراد.
إن أحكام الضرورة، لا النزوة ولا الرغبة في التجديد، هي التي تجبرنا على هجر الصورة التقليدية، لأن المصاعب التي نعانيها فيها لا تقتصر على مجال ظاهرة الانعراج من خلال الثقبين أو من خلال الفجوات في البلورة فحسب، بل إننا نعانيها أيضاً في ظواهر أخرى عديدة لا مجال لذكرها هنا. إن تغيير الرؤية يفرض علينا نفسه باستمرار كلما حاولنا التعمق في معرفة الواقع. لكن الأمر يظل متروكاً للمستقبل، فهو الذي سيحكم وسيكشف فيا إذا كنا قد اخترنا الطريق الممكن الوحيد، أو أن ثمة طريقاً آخر يقدم حلاً لهذه المصاعب. لقد اضطررنا إلى هجر توصيف الحالات المنفردة على أساس أنها حوادث موضوعية في المكان وفي الزمان وإلى إدخال قوانين إحصائية. تلك هي الخصائص الرئيسية للفيزياء الكمومية الحديثة.
هذا وقد كنا ، أثناء رسم صورة جديدة للواقع كصورتي الحقل الكهرطيسي والحقل التثاقلي : نجتهد في أن نشير بنصوص عامة إلى السمات الأساسية للمعادلات التي تشكل صيغاً رياضية لتلك الصور والأفكار . ونريد الآن أن نفعل الشيء ذاته في نظرية الكم ، وذلك بالاعتماد على أفكار بور
ودبروي وشرود نغر Schrodinger وهايزنبرغ Heisenberg وديراك Dirac وبورن Born . لنعتبر حالة الكترون واحد . قد يكون تحت تأثير حقل كهرطيسي خارجي أو حراً من كل تأثير خارجي . وقد يتحرك في حقل نواة ذرية مثلاً ، أو ينعرج بواسطة بلورة . إن فيزياء الكموم. تعلمنا كيف نصوغ المعادلات الرياضية لأية مسألة من هذه المسائل .
لقد شرحنا التشابه الموجود بين الوتر المهتز وغشاء الطبل والآلة النفخية وبقية الآلات الصوتية، من جهة، والذرة المشعة للضوء من جهة أخرى. ويوجد أيضاً شيء من التشابه بين المعادلات الرياضية التي تحكم الظواهر الصوتية والمعادلات الرياضية التي تحكم مسائل الفيزياء الكمومية. بيد أن التفسير الفيزيائي لما يحدث فيهما هو هنا أيضاً، مختلف من مجال لآخر فالمقادير الفيزيائية التي تصف الوتر المهتز تختلف عن تلك التي تصف الذرة المشعة، رغم وجود بعض أوجه التشابه بين المعادلتين الرياضيتين. ففي حالة الوتر المهتز نسعى لمعرفة انحراف نقطة من الوتر عن مكانها المعتاد في لحظة ما. فإذا علمنا شكل الوتر المهتز في لحظة ما نستطيع معرفة كل ما نود معرفته؛ فالانحراف عن الوضع النظامي يمكن أن يحسب، في أية لحظة، بواسطة المعادلات الرياضية للوتر المهتز. إن علاقة انحراف النقطة، عن وضعها النظامي، بمكان هذه النقطة من الوتر يمكن أن نعبر عنها بدقة كما يلي: إن الانحراف، في لحظة معينة، عن القيمة النظامية هو تابع
لإحداثيات نقطة الوتر؛ وكل نقاط الوتر تشكل متصلاً ذا بعد واحد، والانحراف معين في هذا المتصل وهو يحسب بواسطة المعادلات الرياضية للموتر المهتز
وبطريقة مماثلة نعرف، في حالة الالكترون، تابعاً لنقطة من الفضاء في لحظة ما، نسمي هذا التابع موجة الاحتمال. وموجة الاحتمال هنا تقابل الانحراف عن الوضع النظامي في حالة الوتر؛ بينما هي هناك وفي لحظة معينة تابع في متصل ذي بعد واحد. إن موجة الاحتمال هي كراس يحوي كل المعلومات عن الجملة الكمومية المدروسة. وتجعلنا قادرين على الإجابة عن كل الأسئلة المعقولة التي تخص هذه الجملة: لكنها لا تعطي، في لحظة معينة، مكان الالكترون وسرعته لأن هذه المسألة عديمة المعنى في الفيزياء الكمومية. بل إنها تعطي احتمال العثور على الالكترون في مكان معين، أو هي تدل على المكان الذي تملك أكبر حظ للعثور عليه فيه. وهذا يعني أننا لو قمنا بعدد كبير من عمليات البحث عن الالكترون في النقطة المختارة لكانت نسبة عدد المرات التي نعثر عليه فيها على عدد المحاولات الكلي مساوية الاحتمال المحسوب من موجة الاحتمال. فمعادلات الفيزياء الكمومية تعين موجة الاحتمال، تماماً، كما تعين معادلات مكسويل الحقل الكهرطيسي وكما تعين معادلات التثاقل حقل التثاقل في نقطة، فقوانين فيزياء الكم هي أيضاً قوانين بنية. لكن معاني المفاهيم الفيزيائية الواردة في معادلات الكموم هي أكثر تجريداً من معاني المفاهيم الواردة في معادلات الحقول. فهي لا تقدم سوى الوسائل الرياضية للإجابة عن أسئلة ذات صبغة إحصائية. لقد فحصنا حتى الآن حالة الكترون واحد في حقل خارجي. لكننا، بدلاً من ذلك، لو كنا إزاء شحنة كبيرة من مليارات الالكترونات الجاز لنا أن نهمل نظرية الكم برمتها وأن نحل المسألة خارج نطاق النظرية. فعندما نكون إزاء تيار في سلك، أو نواقل مشحونة أو أمواج كهرطيسية، نستطيع تطبيق فيزياء ما قبل الكم المحتواة في معادلات مكسويل. ولكننا لا يحق لنا ذلك في المفعول الفوتوكهربائي ولا في حساب شدة الخطوط الطيفية ولا في النشاط الإشعاعي ولا في انعراج الأمواج الكهرطيسية ولا في ظواهر عديدة أخرى تتجلى فيها الخواص الكمومية للمادة وللطاقة. بل علينا عندئذٍ أن نصعد إلى طابق أعلى، إن صح هذا التعبير. فبينما كنا نتكلم، في الفيزياء التقليدية، عن أماكن الجسيم وسرعته أصبحنا الآن ملزمين بأن نأخذ بعين الاعتبار أمواج الاحتمال في متصل ثلاثي الأبعاد: يوجد فيه الجسيم.
إن الفيزياء الكمومية تقدم وصفتها الخاصة في معالجة المسألة الكمومية عندما نعرف كيف نعالج مسألة مماثلة في إطار الفيزياء التقليدية. فمن أجل جسيم عنصري كالالكترون والفوتون، لدينا أمواج احتمال في متصل ثلاثي الأبعاد؛ وهذه الأمواج صفة مميزة لسلوك الحملة الإحصائي، لو كررنا التجربة عدة مرات. ولكن ماذا يحدث عندما تكون إزاء جسيمين، بدلاً من جسيم واحد، متفاعلين فيما بينهما، الكترونين، أو الكترون وفوتون، أو الكترون ونواة؟ فنحن لا يحق لنا أن نعالج كلاً من الجسمين على حدة وأن نمثل كلاً منهما بموجة احتمال ذات ثلاثة أبعاد، وذلك بسبب التفاعل المتبادل بينهما. على أنه ليس من الصعب أن نتكهن بطريقة تمثيل جملة من الجسيمات المتفاعلة فيما بينها في الفيزياء الكمومية. فعلينا في البدء أن ننزل إلى الطابق الأخفض أي أن نعود إلى الفيزياء التقليدية. فمكان الجسيمين الماديين، في الفضاء وفي لحظة معينة، يتعين بستة أعداد: ثلاث إحداثيات لكل منهما. فمجموعة الأوضاع الممكنة للجسيمين تشكل متصلاً ذا ستة أبعاد، وليس ثلاثة كما في حالة - وإذا عدنا فصعدنا إلى الطابق الأعلى، إلى فيزياء الكم، نجد موجة احتمال في متصل ذي ستة أبعاد، لا ثلاثة. وهكذا، فمن أجل ثلاث جسيمات أو أربعة أو أكثر نجد أمواج احتمال هي توابع في متصل ذي تسعة أبعاد أو اثني عشر أو أكثر.
إن هذا يُظهر بشكل واضح أن أمواج الاحتمال مفاهيم أكثر تجريداً من الحقلين الكهرطيسي والتثاقلي اللذين يتمتعان بوجود محسوس وينتشران في فضاء ذي ثلاثة أبعاد. أما المتصل ذو الأبعاد العديدة فهو أرضية أمواج الاحتمال، وهذه الأرضية لا يمكن أن تنطبق على الفضاء الثلاثي الأبعاد المألوف إلا في حالة جسيم واحد. لكن المغزى الفيزيائي الوحيد لموجة الاحتمال هو أ وأنها تتيح الإجابة عن أسئلة إحصائية معقولة تتناول عدة جسيمات أو جسيماً واحداً على حد سواء. ففي. حالة جسیم واحد مثلاً يمكن أن نسأل: ما هو احتمال العثور على الجسيم في مكان محدد؟ وفي حالة جسيمين يمكن أن نسأل: ما هو احتمال العثور على الجسيمين في مكانين محددين وفي لحظة محددة؟
إن الخطوة الأولى التي خطوناها لنبتعد عن الفيزياء التقليدية هي هجر وصف الحالات المفردة بأنها حوادث موضوعية في المكان وفي الزمان. وقد اضطررنا إلى استخدام الطريقة الإحصائية التي تقدمها أمواج الاحتمال. وبمجرد أن بدأنا سلوك هذا الدرب اضطررنا للذهاب إلى مدى بعيد على طريق التجريد، وقد استوجب ذلك أن ندخل أمواج احتمال ذات أبعاد عديدة تتعلق بعدة جسيمات.
وبهدف اختصار الكلام سنعمد بعد الآن إلى إطلاق اسم الفيزياء التقليدية على كل ما هو غير كمومي. فالفيزياء التقليدية والفيزياء الكمومية مختلفتان جذرياً. الفيزياء التقليدية تهدف إلى توصيف الأشياء الموجودة في المكان والزمان وإلى صوغ قوانين تنبىء عن تغيرها بمرور الزمن. لكن الظواهر التي كشفت لنا أن المادة والإشعاع مؤلفان من جسيمات وأمواج وأن الحوادث العنصرية، كالنشاط الإشعاعي والانعراج وإصدار الخطوط الطيفية وسواها من الظواهر، قد دعتنا إلى التخلي عن هذه الصورة. والفيزياء الكمومية لا تهدف إلى وصف الأشياء منفردة في المكان ولا إلى تغيرها في الزمان، وليس فيها مكان للمقولات التي مثل: (إن هذا الشيء كيت كيت وله الخاصة كيت وكيت)، لكنها تضع في مكانها مقولات مثل: (إن احتمال أن يكون هذا الشيء كيت وكيت وأن تكون له الخاصة كيت وكيت يساوي كذا وكذا). لا يوجد في الفيزياء الكمومية مكان لقوانين تنبىء عن تغيرات الشيء الفرد في الزمان، بل يوجد في مكانها قوانين تنبىء عن تغيرات الاحتمال بمرور الزمن. إن هذه الطفرة الجوهرية، التي أحدثتها نظرية الكموم في الفيزياء، قد مكنت من إيجاد تفسير مقبول للخاصية التقطيعة والإحصائية التي تتسم بها الحوادث المنتمية إلى مجال الظواهر التي تكشف عن وجود كموم عنصرية للمادة وللإشعاع.
لكننا نصادف على هذا الطريق مصاعب جديدة أشد هولاً؛ ولم نتمكن حتى الآن من تذليلها بشكل نهائي. ونود الآن أن نذكر بعضاً منها فقط. فالعلم لم يكن قط ولن يكون أبداً كتاباً منجزاً. وكل تقدم مهم يقود إلى اكتشاف مشاكل جديدة. وكل تطور انقلابي سيصادف، عاجلاً أو آجلاً، عقبات جديدة أصعب فأصعب.
لقد عرفنا، في حالة جسيم واحد أو عدة جسيمات، أننا نستطيع المرور من التوصيف التقليدي إلى التوصيف الكمومي، من التوصيف الموضوعي للحوادث في المكان وفي الزمان إلى أمواج الاحتمال. لكن القارئ يتذكر الأهمية العظيمة لمفهوم الحقل في الفيزياء التقليدية. فكيف نستطيع شرح التفاعل بين كموم المادة والحقل؟ فإذا كنا نحتاج، في التوصيف الكمومي لسلوك عشرة جسيمات، إلى موجة احتمال ذات ثلاثين بعداً فإننا سنحتاج في التوصيف الكمومي للحقل، إلى موجة احتمال ذات عدد لا منته من الأبعاد. وعلى هذا فإن الانتقال من المفهوم التقليدي للحقل إلى المسألة المقابلة له في الفيزياء الكمومية عملية على جانب كبير من الصعوبة. فالصعود إلى الطابق الأعلى هنا مهمة شاقة جداً. ولم نقع، حتى الآن وفي كل محاولاتنا، على حل مرض لهذه المسألة. وثمة أيضاً مسألة هامة أخرى. لقد كنا في محاكماتنا السابقة، بخصوص المرور من الفيزياء التقليدية إلى الفيزياء الكمومية، نستخدم فيزياء ما قبل النسبية حيث يعالج كل من المكان والزمان على حدة، بيد أننا لو حاولنا أن نبدأ التوصيف التقليدي بما توجبه نظرية النسبية فإن الصعود إلى الفيزياء الكمومية يصبح أكثر تعة يداً بكثير وهذه مسألة أخرى تناولتها الفيزياء الحديثة ولكنها ما تزال بعيدة عن إيجاد حل كامل مرض لها. وهناك فوق ذلك صعوبة تشكيل فيزياء متماسكة للجسيمات الثقيلة داخل نواة الذرة؛ فرغم تراكم العديد من المعطيات التجريبية ورغم كل محاولات إلقاء الضوء على المسألة النووية فإننا ما نزال في الظلام بخصوص السائل الأساسية في هذا المجال.
على أن مما لاريب فيه أن الفيزياء الكمومية قد فسرت تشكيلة غنية من الوقائع وأنها توصلت. في غالبيتها، إلى اتفاق رائع مع التجربة وبذلك تكون قد زادت في ابتعادنا عن الصورة الميكانيكية القديمة لدرجة يكاد يتعذر علينا بعد الآن الرجوع منها إلى الوراء. بيد أن مما لاريب فيه أيضاً أن الفيزياء الكمومية ما تزال تعتمد على مفهومي المادة والحقل، فهي بهذا المعنى نظرية مثنوية لا تقربنا خطوة واحدة من حل مسألتنا القديمة في إرجاع كل شيء إلى مفهوم الحقل.
هل تستمر الفيزياء في السير على الخط الذي اعتمدته الفيزياء الكمومية أم أنها ما تزال تملك حظاً كبيراً في اكتشاف أفكار جديدة ثورية؟ هل سنصادف على طريق التقدم انعطافاً حاداً جديداً، كما حدث مراراً في تاريخ هذا العلم؟
إن كل المصاعب التي تلاقيها النظرية الكمومية قد تركزت، في السنين الأخيرة، حول عدد قليل من النقاط الجوهرية. والفيزياء تنتظر حلها على أحر من الحمر. لكننا لا نستطيع أن نتنبأ متى وكيف سيحدث ذلك.
الاكثر قراءة في ميكانيكا الكم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)