

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
مصر من 1848م إلى 1863م (محاولات تقوية مسند الباشوية)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 36 ــ 44
2026-03-24
23
بعد تسوية مسألة التنظيمات العثمانية في مصلحة عباس الأول بحوالي عام كتب من القاهرة «ساباتيه» (Sabatier) القنصل الفرنسي إلى حكومته في 31 مارس 1853م: «إن مركز عباس لم يكن يومًا من الأيام في مثل القوة والمتانة التي له الآن.» وكان من بين ما ذكره «ساباتيه» للتدليل على صحة قوله هذا أن الباب العالي قد وافق على أن يكون لعباس حق القصاص (أي إصدار أحكام الإعدام) مدى الحياة؛ أي بدلًا من تحديد ممارسة هذا الحق لمدة سبع سنوات فقط حسب اتفاق أبريل 1852م، وأن الباب العالي قد منح عباسًا لقب «خديوي مصر». وقال «ساباتيه» إن اغتباط عباس جِدُّ عظيم؛ «لأنه ما كان يريد شيئًا قدر اتساع سلطته». وزيادة على ذلك فقد قضت الصلات الوثيقة التي نشأت بينه وبين الباب العالي على مكايد أعدائه من أعضاء الأسرة المناوئين له في الآستانة. وفي الشهور التالية قوي مركزه إزاء الباب العالي لدرجة أن كتب القنصل الأمريكي «أدوين دي ليون» إلى حكومته في 2 فبراير 1854م، أن عباسًا صارت لا تربطه بالباب العالي سوى رابطة السيادة الاسمية فحسب.
وهكذا عند وفاة عباس كانت مصر قد استطاعت الاحتفاظ «بالوضع» الذي نالته بمقتضى تسوية 1840-1841م، والذي جعل لباشوية مصر مركزًا ممتازًا بين ولايات الدولة، على أساس قيام الحكم الوراثي بها وتوسيع سلطات الحكومة الداخلية أو الاستقلال الداخلي، ولكن لم يكن ميسورًا الاطمئنان إلى تسوية هذا الوضع «الممتاز» لعدة أسباب: أهمها أن الباب العالي الذي يتحين فرصة انتهاء عهد محمد علي ليعمل على إلغاء امتيازات الفرمانات، ولم يمنعه من تنفيذ مأربه سوى دبلوماسية عباس التي اعتمدت على الاستعانة بنفوذ دولة أجنبية (إنجلترا) من جهة، وإنشاء الصلات الطيبة مع الباب العالي من جهة أخرى. نقول: إن الباب العالي لم يكن قد تنازل عن خطته نحو الباشوية المصرية، بل ظل يترقب الفرصة السانحة لاسترداد سلطانه الكامل على هذه الباشوية، ثم كان من الأخطار التي تهددت الباشوية المصرية، استمرار حرب القرم، وبقاء الخوف تبعًا لذلك من انهيار الدولة العثمانية ومبادرة الإنجليز باحتلال مصر الأمر الذي — كما ذكرنا — كان يخشاه عباس في حياته.
ولذلك فقد بدت عناصر الموقف السياسي في مصر عند تولية محمد سعيد في سنة 1854م مشابهة لعناصر الموقف عند تولية عباس في سنة 1848م، فكان من المتوقع أن تعمل الحكومة الجديدة بالقاهرة لتحقيق نفس الأغراض التي عملت الحكومة السابقة لتحقيقها، من حيث تقوية مسند الباشوية عن نفس الطريقين المعهودين: تعديل نظام الوراثة بجعل الوراثة صُلبية، وتوسيع نطاق الاستقلال الداخلي. ثم إنه كان من المتوقع كذلك أن تسلك حكومة محمد سعيد نفس المسلك الذي سلكته حكومة سلفه في علاقاتها مع تركيا ومع الدول، وذلك من جهة بأن يستمر إرسال النجدات إلى تركيا لمعاونتها في حربها؛ لأن محمد سعيد كان كذلك يخشى ضياع الباشوية المصرية عند انهيار الإمبراطورية العثمانية وتوزيع تركة رجل أوروبا المريض بين الدول؛ ومن جهة ثانية بأن يستمر الاعتماد على مساعدة دولة أجنبية.
وقد جعل الاعتماد على مؤازرة دولة أجنبية ضروريًّا أن تركيا كما سبق القول لم تشأ التخلي عن خطتها نحو مصر؛ أي إرجاع مصر إلى مجرد إيالة عادية، وذلك بالرغم من النجدات التي أرسلتها هذه لها؛ فبدأت بمحاولة فرض إشرافها الدقيق على شئون الحكم الداخلية، ولما يمضِ سوى شهرين فقط على بداية الحكم الجديد، فكتب «إدوين دي ليون» في 18 سبتمبر 1854م: أن القسطنطينية قد أرسلت «دفتردارًا» للإشراف على الأعمال في مصر، تكون مهمته التجسس في الحقيقة على الباشا نفسه. واستطرد «إدوين دي ليون» يقول: لقد كان الباب العالي يرسل هؤلاء الدفتر دارين أيام محمد علي، ولكنهم كانوا «يموتون بسرعة»، ثم انقطع إرسالهم حتى حدث إرسال هذا الأخير، والغرض من إرساله أن يكون «ضابطًا على أعمال الباشا».
وأما سياسة سعيد — كما اتضحت معالمها — وصار يعمل لتنفيذها من بداية الحكم إلى نهايته، فتتلخص في محاولته تقوية مركزه بالطرق التي أسلفنا ذكرها؛ وأولها: تغيير نظام الوراثة. وثانيها: تخليص مصر نهائيًّا من قيود الرقابة أو الإشراف العثماني وتدخل الباب العالي في شئونها؛ على أن يحدث ذلك: إما بالاستقلال والانفصال النهائي عن تركيا، وإما بالتمتع بأوفى قسط من السلطة الداخلية، مع قدر كبير من الحرية في علاقات مصر مع الدول الأجنبية، وذلك إذا اتضح أن نيل الاستقلال متعذر، وفي كل الأحوال كان لا يمكن — بحكم تسوية 1840-1841م — إجراء أي تعديل أو تغيير في «الوضع» القائم من غير موافقة الدول؛ ولهذا صار ضروريًّا أن يستعين سعيد بمؤازرة دولة أجنبية على نحو ما سعى سلفه. وكان من المنتظر أن يتجه سعيد صوب فرنسا؛ لأن فرنسا هي الدولة التي أَيَّدت (لمصلحته) المؤامرات ضد عباس في مصر وتركيا، والتي بدأت تكسب سمعة طيبة في الميدان الدولي في عهد إمبراطوريتها الثانية: إمبراطورية نابليون الثالث.
وكما دفع عباس الثمن لكسب التأييد الإنجليزي في شكل موافقته على مد الخط الحديدي من الإسكندرية إلى القاهرة، دفع سعيد الثمن لكسب التأييد الفرنسي، وذلك في شكل إعطاء امتياز حفر قناة السويس إلى فرنسي هو «فردنند دلسبس»؛ وإرسال أورطة سودانية إلى المكسيك لمساعدة الفرنسيين في حربهم هناك؛ من أجل تأسيس إمبراطورية في المكسيك تحت نفوذهم، وفتح أبواب البلاد على مصاريعها في مصر والسودان للنفوذ القنصلي والاستغلال الأجنبي.
والأسباب التي جعلت سعيدًا يعطي «فردنند دلسبس» امتياز قناة السويس (وعقد الامتياز الأول كان في 30 نوفمبر 1854م، والعقد الثاني في 5 يناير 1856م) لم تكن لأن «دلسبس» كان صديقًا له، أو لمجرد كسب مؤازرة فرنسا له فحسب. بل كانت هناك إلى جانب هذا عوامل أخرى؛ منها اعتقاده — كما كتب «إدوين دي ليون» إلى حكومته في 9 مايو 1855م — «أن عملًا مثل إنشاء قناة السويس من شأنه أن يضعه تحت حماية جميع الدول العظمى في العالم؛ الأمر الذي سوف يكون بمثابة الضمان الذي يحفظ له ولذريته عرش البلاد المصرية». وزيادة على ذلك فإن سعيدًا — لخوفه من النتائج السيئة التي تعود على البلاد من انحلال الإمبراطورية العثمانية — كان يرى في الاستقلال عن هذه الدولة خير الوسائل بمنع سقوط مصر في قبضة إحدى الدول الأوروبية الكبيرة الطامعة في امتلاكها. ولذلك صار يجد في شق قناة السويس ما يساعده على تحقيق أغراضه؛ لأن نجاح المشروع يستتبع تأييد مصلحة فرنسا في مؤازرة مسند الباشوية محافظة منها على نفوذها وعلى مصالحها المتزايدة في البلاد، فتقبل فرنسا حينئذٍ على تأييد مساعيه من أجل تغيير الوراثة، وتعمل لمنع تدخل الباب العالي في شئونه وتعاونه على الاستقلال في النهاية، يؤخذ هذا مما بعث به القنصل الإنجليزي في مصر «كوهون» (Colquhoun) إلى حكومته من الإسكندرية بتاريخ 3 و4 يونيو 1860م، وإلى السفير الإنجليزي في القسطنطينية السير «هنري بلور» (Bulwer) في 23 يوليو 1861م، وثمة سبب آخر: هو أن الانتعاش المنتظر من فتح هذا الطريق الجديد بين الشرق والغرب سوف يفيد في تقوية البلاد بتنمية مواردها وزيادة ثروتها؛ الأمر الذي توقع سعيد أن يساعده على المضي في جهوده السياسية؛ وكذلك لأن شق قناة في برزخ السويس يفصل البلاد، عند حدودها الشرقية، عن بقية ممتلكات الدولة العثمانية الآسيوية، ويقيها شر الغزو «الأجنبي» من هذه الناحية. وأخيرًا لأن ضمان الدول لحياد القناة عند شقها سوف يستتبعه حتمًا ضمان الدول (كما اعتقد) لحياد مصر ذاتها.
واستهدف سعيد بسبب امتياز قناة السويس لغضب إنجلترا، التي قاومت المشروع في القسطنطينية بواسطة سفيرها «لورد ستراتفورد كانينج دي ردكليف» (Redcliffe)، وكان — كما سبق أن ذكرنا — صاحب نفوذ عظيم في العاصمة العثمانية، حتى إنه كان يقال: «عبد الكاننج» والسلطان ستراتفورد (1)؛ وكذلك استهدف سعيد لغضب تركيا التي عارضت المشروع، على أساس أن الدول الكبرى لم تتفق كلمتها على قبوله، ولأن المشروع إذا تحقق فسوف يؤدي إلى تأسيس مستعمرة فرنسية على جانبَي القناة تهدد ببسط الحماية الفرنسية على مصر في آخر الأمر؛ ولأن شق القناة معناه إنشاء بوغاز «مضيق» ثالث إلى جانب البوغازين الآخرين «الدردنيل والبسفور»، وليس من الحكمة إطلاقًا ترك مثل هذا «المفتاح» البحري الهام في يد فرد من رعايا الدولة مهما علت مرتبته. ولما كان سعيد بعد حرب القرم قد زاد عدد جيشه، وتردد ذكر عبارة الاستقلال و«انفصال مصر» في رسائل السياسيين الإنجليز كلما تناول هؤلاء موضوع القناة؛ فقد خشي الباب العالي أن «ينتهز سعيد الفرصة عند سنوحها للقيام بالدور الذي قام به من قبل». ثم إن الباب العالي أزعجه ازدياد النفوذ الفرنسي في الباشوية المصرية التي هي «ولاية» عثمانية.
وعلى ذلك فإن سعيدًا لم يلبث أن وجد نفسه مهددًا بالعزل، تمامًا كما كان موقف عباس عندما اتفق مع السير «روبرت ستفنسون» على مد السكة الحديد من غير استئذان الباب العالي أو موافقته، ولكن — كما زاد اعتماد عباس على إنجلترا وقتذاك — زاد اعتماد سعيد على فرنسا الآن، واستنادًا على المعاونة الفرنسية المنتظرة إذن طفق سعيد يعمل لتحقيق مشروعاته السياسية.
فقد بدأ بأن أراد انتهاز فرصة حرب التحرير الإيطالية في سنة 1859م؛ لإعلان استقلاله، وكان السياسي الإيطالي «كافور» (Cavour) قد أثار هذه الحرب لطرد النمسا من إيطاليا بمعاونة فرنسا: الإمبراطور نابليون الثالث. ومن المعروف أن الجيوش الفرنسية انتصرت على النمسويين في معركتَي «ماجنتا» (Magenta) و«سلفرينو» (Solferino) في 4 و24 يونيو 1859م، فأراد سعيد انتهاز هذا الاضطراب الدولي للانفصال عن تركيا، وكان وقتئذٍ أن ألقى سعيد خطابه المشهور بقصر النيل بين كبار رجال الحكومة من عسكريين وملكيين في 19 نوفمبر 1859م، وهو الخطاب الذي أثبته أحمد عرابي (قائد الثورة العرابية فيما بعد) في مذكراته: «كشف الستار عن سر الأسرار»، وقد تحدث سعيد في هذه الخطبة عن تصميمه على تحرير البلاد، وذلك بتربية الشعب وتهذيبه تهذيبًا يجعله صالحًا لأن يخدم بلاده خدمة صحيحة نافعة ويستغني بنفسه عن الأجانب، وقد علق أحمد عرابي على هذا الكلام بقوله إنه اعتبر «هذه الخطبة أول حجر في أساس نظام «مصر للمصريين» …»
وفي 4 يونيو 1860م تحدث القنصل الإنجليزي «كوهون» في رسالة مطولة إلى حكومته عن مشروعات سعيد وجهوده السياسية، فقال: إنه (أي سعيد) يتوقع أن يستمر اضطراب الأمور في أوروبا مدة العامين المقبلين، وعلى الأخص مدة السبعة الأشهر التالية، مما يرى فيه سعيد أنسب الظروف لإحياء أمله مرة أخرى في الظفر بالاستقلال في أثناء مشغولية الدول بالاصطدام أو الحرب المنتظر وقوعها، وأما إذا لم تَقُم الحرب لحرص الدول الكبرى على المحافظة على السلام، فقد عقد سعيد آمالًا كبارًا على معاونة فرنسا له في موضوع تغيير نظام الوراثة لجعلها صُلبية، وذلك في نظير ما فعله لفرنسا، أو كما قال «كوهون»: «عن طريق علاقاته مع شركة القناة من حيث إنه قد وضع بلاده مصفدة اليدين والقدمين تحت سيطرة فرنسا.»
وفي 21 يونيو من السنة نفسها (1860م) كتب «كوهون» إلى السفير الإنجليزي بالقسطنطينية وقتئذٍ، السير «هنري بلور» (Bulwer): «أن سعيدًا باختياره الوقت الذي تواجه فيه تركيا صعوبات كثيرة لإخراج مشروع قناة السويس إلى حيز الوجود، لا يدل على أنه من رعايا السلطان المخلصين، ولكنه بفعله هذا إنما يقوي التهم الموَجَّهة ضده بشأن محاولاته الاستقلالية». وفي هذه الرسالة كذلك أشار «كوهون» إلى ضرورة إجبار سعيد على وقف نشاطه بدلًا وخيرًا من تركه يتمادى فيه؛ وذلك لأن الدول — كما قال «كوهون»: «لن تسمح بهدم التزاماتها التي ارتبطت بها في سنة 1841م.» والالتزامات التي يشير إليها القنصل «كوهون»، يقصد بها الالتزامات المترتبة على تسوية المسألة المصرية في 1840-1841م، والذي كان ظاهرًا، وكما ذكر «كوهون» في رسالته أيضًا، أنها بقدر ما كانت لا تجيز إضعاف سلطة الباشوية في ممارسة شئونها الداخلية، كانت لا تجيز أي عمل من جانب الباشوية يقصد به تسديد ضربة — مهما كانت ضئيلة وطفيفة الأثر — إلى السلطان صاحب السيادة الشرعية على الباشوية المصرية.
ولكن سعيدًا لم يبطل محاولاته ومساعيه، وظل يصف علاقاته مع الآستانة بأنها المصدر الذي يأتيه منه القلق والانزعاج وعدم الراحة. وعندما تولى السلطان عبد العزيز، بعد وفاة عبد المجيد في يونيو 1861م، راح سعيد يشكو من أن السلطان الجديد لا يحمل شعورًا طيبًا نحو بيت محمد علي، وأنه (أي سعيدًا) لا يتوقع لذلك شيئًا غير ما يمكن أن يفعله دائمًا وجود مثل هذا الشعور غير الطيب، وقال: «إن الآستانة لا تتردد في إيلامه وجرحه أو النيل منه كلما وجدت الفرصة سانحة لفعل ذلك.»
وفي صيف 1862م قرر سعيد السفر إلى أوروبا بعد أن أُجريت له عملية جراحية في أبريل (وكان يشكو من علة الناصور) للنزهة والسياحة وتبديل الهواء، فغادر الإسكندرية في 26 أبريل، وعاد إليها في أول أكتوبر 1862م، بعد أن زار على وجه الخصوص باريس ولندن والقسطنطينية، وتتضح أغراض سعيد الحقيقية من هذه الرحلة مما كتبه «كوهون» إلى حكومته من الإسكندرية في 10 مايو 1862م، فقال: «إن الشائعات الكثيرة في هذا المكان تعزو الغرض الأساسي من زيارة سعيد لأوروبا إلى محاولته استمالة الدول الأوروبية للموافقة على إعطاء توصيتها لتركيا من أجل تغيير نظام الوراثة وجعل الباشوية المصرية وراثية في صلبه»؛ وأضاف «كوهون»: «وقد أُفهمت أن الممثل الفرنسي شَجَّع في ذهن الباشا احتمال مقابلة هذا الطلب بقدر من الترحيب في باريس. كما أن سعيدًا نفسه قد ذكر — دون تدبر أو تمعن — أنه متأكد من نيل الصوت الفرنسي إلى جانبه، ولكنه يخشى أن تأتيه المعارضة من ناحية إنجلترا.»
وبقدر ما كان سعيد غير موفَّق في مسعاه في لندن، بقدر ما نجح مسعاه في باريس، فقد سجل ما حدث في هذه الأخيرة أحد الذين اشتركوا في ترتيب زيارة سعيد إلى باريس، وهو «مارييت بك» (Mariette) (باشا فيما بعد) عالم الآثار المصرية المشهور، ولو أنه أراد أن يكون «متحفظًا» فيما يكتب؛ لأنه لم يشترك شخصيًّا (كما قال) في المحادثات أو المفاوضات التي جرت، فقال: «إنه قد دُرست في هذه المحادثات الفرمانات التي سوف يُطلب من الباب العالي استصدارها في مصلحة سعيد، وأن الاتفاق قد تم على المبادئ التي سوف تتضمنها هذه الفرمانات الجديدة على قاعدتَي توسيع الاستقلال الداخلي، فيما يتعلق بمصر، وتعديل نظام الوراثة تعديلًا جوهريًّا، بجعلها صُلبية، وذلك فيما يتعلق بالوالي المصري.»
وواضح مما حدث في باريس أن سعيدًا في هذه المرحلة كان قد نزل نهائيًّا عن مشروع الاستقلال الكامل والانفصال عن الدولة العثمانية.
وأما آثار هذا التفاهم المصري-الفرنسي، الذي تدعمت قواعده من جديد فقد ظهرت عقب عودة سعيد إلى مصر من رحلته مباشرة، وذلك فيما جرى من استعدادات كبيرة لتهيئة الأورطة السودانية المشهورة التي أُرسلت إلى المكسيك للاشتراك في الحرب الدائرة هناك إلى جانب فرنسا.
فقد كانت فرنسا — على أيام نابليون الثالث — تريد إنشاء إمبراطورية بالمكسيك تحت النفوذ الفرنسي، على أنقاض حكومة المكسيك الوطنية «الحرة»، فتصدى الوطنيون لمقاومة الفرنسيين الذين نَصَّبُوا «الأرشيدوق مكسمليان» النمسوي إمبراطورًا على البلاد؛ وقاد المقاومة الوطنية في الشمال «بنيتو جوارز» (Benito Juarès) وفي الجنوب «بورفيريو دياز» (Porfirio Diaz)، وتكبد الفرنسيون خسائر فادحة بسبب حرارة الشمس المحرقة وانتشار الحميات، فأراد نابليون الثالث الاستعانة بفرقة سودانية يتحمل رجالها قسوة المناخ في المكسيك؛ وطلب من الحكومة المصرية إعارته فرقة كاملة (1200 من جنود وضباط إلخ) لهذه الغاية، ووافق سعيد على ذلك، وكان هذا أثناء وجوده بباريس. وفي 8 يناير 1863م غادرت «الأورطة السودانية» (وقوامها 453 جنديًّا) الإسكندرية على ظهر النقالة الفرنسية «لاسين» (La Seine)، فوصلت فيراكروز بالمكسيك في 23 فبراير. ومن المعروف أن هذه الأورطة السودانية اشتركت في الحرب هناك من سنة 1863م إلى 1867م.
ولكن إرسال الأورطة السودانية إلى المكسيك أثار دهشة الدوائر السياسية الأجنبية في مصر، وراح قناصل الدول ينقبون عن أسباب إرسالها؛ وبادروا بإرسال تفصيلات كثيرة عن هذه الأورطة وسفرها. وفي 10 يناير سنة 1863م كتب «سوندرس» (Saunders)، من رجال القنصلية الإنجليزية بالإسكندرية إلى حكومته: أنه وزميله القنصل النمسوي «شراينر» (Schriener) قد اهتما بهذا الأمر «على اعتبار أن هذا العمل إنما هو خرق لاشتراطات أو التزامات سنة 1840م التي تقوم بموجبها الولاية أو الباشوية المصرية»، ويقصد «سوندرس» بقوله هذا أن سعيدًا كان لا يستطيع الاتفاق رأسًا مع دولة أجنبية: «فرنسا» في مسألة سياسية: «التدخل في حرب المكسيك» دون تصريح من الباب العالي أوَّلًا، ودون أن ينال مقدمًا موافقة الدول المشتركة في تسوية 1840-1841م ثانيًا، وشرح «سوندرس» موقف القنصل الأمريكي «وليام ثاير» (William Thayer) (ولم تكن دولته من الدول المشتركة في تسوية 1840-1841م) فقال: إن هذا القنصل «يتناول المسألة على اعتبار أنها خرق للحياد، وذات أثر على المصالح الأمريكية». ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت متمسكة بتطبيق «مبدأ مونرو» (Monroe Doctrine) الذي يمنع دول أوروبا من التدخل في شئون العالم الجديد؛ وبالفعل فإن القنصل الأمريكي لم يلبث أن راح يحتج لدى وزير الخارجية المصرية ذو الفقار باشا على إرسال الأورطة السودانية لمخالفة هذا العمل لمبدأ مونرو.
غير أنه لم تمضِ أيام قليلة على رسالة «سوندرس» السالف الذكر، حتى أبرق هذا من الإسكندرية في 17 يناير 1863م بأن الباشا في شدة المرض وأن النهاية قريبة. وفي 18 يناير تُوفِّي سعيد.
وفي يوم الوفاة بعث «وليام ثاير» القنصل الأمريكي بتقرير مسهب إلى حكومته عن الأورطة السودانية، تحدث فيه عن أغراض سعيد من إرسال هذه الأورطة إلى المكسيك، فكتب ما يلي:
تذيع الصحف الفرنسية، فكرة تعزوها إلى الإمبراطور نابليون الثالث، توضح طلبه إلى سعيد باشا إرسال جنود سودانيين إلى المكسيك، هي أن هؤلاء سوف يكونون أقدر على تحمل قسوة المناخ في شواطئ المكسيك؛ ذلك المناخ الذي تكبد بسببه جند الإمبراطورية «الفرنسيون» خسائر كبيرة … ولكن لما كانت هذه المفاوضة بين الباشا والإمبراطور في مسألة الأورطة السودانية تحمل الاعتراف عمليًّا باستقلال مصر عن الباب العالي، فقد كان من رأي آخرين أن هذا العمل ينطوي على غرض آخر مفيد: هو التظاهر ضد المبدأ البريطاني القائل بضرورة المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، والمعتقد أن فرنسا قد جست النبض في العواصم الأوروبية حتى تعرف مقدمًا مدى استعداد الدول للوقوف إلى جانب إنجلترا عند احتجاجها ضد هذه المسألة في مصر، وأما إذا تمكن الإمبراطور من تحقيق أغراضه بأمان فإنه سوف يعتز — كما هو محتمل — بهذا النصر في مصر، وهو النصر الذي سوف يواجه به حينئذٍ النفوذ الكبير الذي لبريطانيا في القسطنطينية. لقد كان الإخفاق دائمًا حتى الآن من نصيب المشروعات الفرنسية في الشرق بسبب السياسة الإنجليزية.
ذلك إذن كان مبلغ ما وصل إليه نشاط السياسة المصرية بين 1854م و1863م وهو نشاط يمكن تلخيصه في أن «محمد سعيد» قد هدف إلى نفس ما هدف إليه سلفه من قبل؛ أي تقوية مسند الباشوية، وحيث إن الاستقلال كان متعذرًا بسبب موقف أكثرية الدول — إن لم تكن جميعها — التي اشتركت في تسوية 1840-1841م، وهي التي ظلت حتى هذا الوقت متمسكة بمبدأ المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية؛ لاتفاق ذلك مع مصالحها السياسية، ولا تستطيع مصر لهذا السبب الدخول في حرب لانتزاع استقلالها عنوة، فقد سلك سعيد نفس الطريق الذي سلكه عباس لتقوية مسند الباشوية؛ أي العمل على تعديل نظام الوراثة وجعلها صُلبية وتوسيع استقلال الباشوية الداخلي، بمنع الباب العالي كلِّيَّةً من التدخل في شئون الحكم بها.
ولكن حتى انقضاء هذه الفترة (1848–1863م) لم تكن قد ظهرت آثار هذه السياسة التي أُمليت على مصر إملاءً نتيجة للتسوية التي وُضعت للمسألة المصرية (1840-1841م)؛ وذلك فيما عدا بقاء الوضع الشاذ والضعيف الذي حددته هذه التسوية للباشوية المصرية على حاله ودون تغيير.
ومما لا شك فيه أن احتفاظ مصر بالوضع الذي نالته في تسوية 1840-1841م كان كسبًا سياسيًّا بالرغم من شذوذ هذا الوضع وضعفه؛ لأن تركيا كما شاهدنا كانت تسعى دائمًا لإلغاء امتيازات الفرمانات وخفض الباشوية المصرية إلى مستوى سائر ولايات الدولة العادية، ولم تستطع مصر التغلب على الصعوبات التي صادفتها من هذه الناحية إلا بفضل اعتمادها على النفوذ الإنجليزي تارة والفرنسي تارة أخرى، ولم يكن هناك مفر من الاستعانة بهذا النفوذ الأجنبي بسبب تلك «الوصاية الدولية» التي فرضتها على البلاد تسوية 1840-1841م نفسها.
على أن ثمة نتيجة خطيرة لم تلبث أن ترتبت على الاعتماد على النفوذ الإنجليزي في عهد عباس والنفوذ الفرنسي في عهد سعيد، تلك كانت تغلغل النفوذ القنصلي والأجنبي لا في مصر وحدها فقط بل في السودان كذلك.
.............................................
1- كان لستراتفورد دي ردكليف نفوذ عظيم في القسطنطينية في المدة بين 1842م و1858م فيما عدا الفترات التي قضاها متغيبًا عنها في إنجلترا أو عندما كان في مهمة أخرى. وسلطان تركيا وقتئذٍ هو عبد المجيد (1839–1861م).
الاكثر قراءة في الاحتلال العثماني للوطن العربي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)