

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات


المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية


التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة
شبهة كون كل نوعٍ من التجديد في الدين بدعةً والإجابة عنها
المؤلف:
الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي
المصدر:
أصلحُ الناسِ وأفسدُهُم في نهج البلاغة
الجزء والصفحة:
ص 307 ــ 318
2026-03-28
15
بالالتفات إلى أن البدعة تعني في اللغة: التجديد، فهل يُفهم من الروايات وما ورد حول البدعة وذمها أن كل نوع من التجديد في المعارف الدينية حرام وغير صحيح؟ ومن هنا لماذا أكد الأعاظم - على التجديد في العلوم الإسلامية ومن ضمنها في مجال الفقه الأمر الذي يستتبع طرح آراء وفتاوى جديدة؟
أـ الإبهام في كلمة التجديد وغيرها من الكلمات الانتزاعيّة
قبل أن نجيب على هذه الأسئلة، يجب أن نعلم أن كلمة التجديد مثل العديد من الكلمات الانتزاعيّة يكتنفها نوع من الإبهام، وهذا الإبهام يؤدي إلى سوء الاستغلال، توضيح ذلك: بسبب الاختلافات التي تحصل في الألفاظ في اللغات المختلفة أصبحت بعض الألفاظ مشتركا لفظيا، بحيث نجد أن لفظا واحدا يستعمل في عدة معان مختلفة، مثل: كلمة (عين) في اللغة العربية لها عدة معان، كذلك لدينا بعض الألفاظ التي تحتوي على اشتراك معنوي، بمعنى أن هناك لفظا واحدا قد وضع لمعنى كلي ينطبق على عدة أفراد، أو بسبب التغير اللغوي، ينقل لفظ من معنى إلى معنى جديد، وبعد ذلك يصبح المعنى الجديد هو المتبادر من ذلك اللفظ، ولا يعود المعنى القديم يخطر في الذهن أصلا، مثل لفظ (الصلاة) الذي وضع للدعاء في الأساس، ولكنه نقل في الشريعة الإسلامية إلى الصلاة التي تشتمل على الأفعال والأذكار المخصوصة، وأحيانا قد يستعمل لفظ واحد مضافا إلى معناه الحقيقي والمعنى الموضوع له في المعنى المجازي الذي لم يوضع له، وذلك بسبب وجود علاقة ومناسبة بين المعنى الموضوع له والمعنى المجازي، وأحيانا تكون هناك لفظة واحدة ليس لها إلا معنى واحد لكنها تستعمل في معاني مختلفة في الأعراف المختلفة وكمجرد مثال: تستعمل كلمة (التقية) في اللغة بمعنى الحفظ، وهي من هذه الجهة لا تختلف عن الكلمات المشتقة من جذرها الاشتقاقي مثل: (تقاة) و (تقوى)، وقد وردت في نهج البلاغة كذلك بمعناها اللغوي، وذلك في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (فَاتَّقُوا الله تقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ) (1).
ولكن حصل تطور في معنى التقية بالتدريج، وخاصة في زمان الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام)، وخاصة في عرف الشيعة، حيث اكتسبت معنى اصطلاحيا خاصا، وهو عبارة عن إخفاء الاعتقادات عن المخالفين وعدم إبراز العقيدة والآداب الدينية حينما تكون نتيجة هذا الإظهار هي الإضرار بدين الإنسان أو بروحه، ثم قسمت التقية إلى تقية خوفية (التقية بسبب الخوف) حيث يخاف الشخص على روحه وعرضه وماله وعلى إخوانه في الدين والإسلام، وإلى تقية مداراتية (تقية من أجل المداراة) يمارسها الإنسان من أجل تأليف قلوب المخالفين والوصول إلى نظرة مشتركة معهم، وقد اكتسبت التقية في الإسلام، وخصوصا عند الشيعة، منزلة وأهمية خاصة، إلى درجة أن قال الإمام الصادق (عليه السلام) للمعلى بن خنيس: إِنَّ التَّقِيَّةَ مِنْ دِينِي وَدِينِ آبَائِي وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةً له) (2).
من الممكن لشخص بسبب جهله أو غفلته أو بسبب شيطنته، ومن أجل رغبته في تحريف الحقيقة، أن يعمد إلى تغيير المعنى الذي وضع الكلمات من قبيل التقية والبدعة والتجديد والا يستعمل هذه الكلمات في المعنى الاصطلاحي الذي لها، بل يلحظ معناها اللغوي أو بالعكس فيلاحظ - مثلاً - المعنى الاصطلاحي في المكان الذي استخدمت فيه كلمة بدعة أو تجديد في معناها اللغوي، فيغفل، بسبب جهله أو عامدا. أن فهم معنى الألفاظ ينبغي أن يكون في ظل القرائن وفي ظل فضاء التخاطب.
وخلال نصف القرن الأخير حصلت العديد من التحريفات في بعض الألفاظ والاصطلاحات، ومنها كلمة التجديد وفي هذا المجال سعت مجموعة إلى ترويج أفكارها الخاطئة في قالب الفاظ من قبيل التجديد وذلك من خلال المغالطة وخلط المعاني، والآن قبل أن نتعرض إلى سوء استغلال كلمة التجديد سوف نتعرض أولاً إلى المجالات التي حصل فيها تجديد.
ب- مجالات التجديد
1ـ الابتكار في الصناعة والأدوات التي تستخدم في الحياة: يسعى البشر إلى تحقيق مزيد من الرفاهية ومزيد من استغلال الإمكانات المادية ومن أجل ذلك يواصلون ابتكار اختراع الوسائل والأدوات الجديدة، ولا شك في أن الأدوات الجديدة التي تجعل الحياة أسهل للبشرية أدوات مفيدة، وتعتبر من النعم الإلهية، ورغم أنه يمكن أن يساء استغلال هذه الوسائل والأدوات فتستعمل لغايات سيئة، لكن الاستغلال غير الصحيح لا يقلل من قيمتها الذاتية. وفي الأساس كثيرا ما يساء استغلال جميع النعم الإلهية ومن ضمنها أعضاء البدن التي وضعها الله بين يدي الإنسان، ومن هنا بما أن النعم الإلهية قيمة، وبما أن سبل استعمالها بالنحو الصحيح أكثر من المواطن التي تستعمل فيه بنحو غير صحيح، فلذا لم يمنع من استعمالها، بل إن الله عز وجل ذم الأشخاص الذين يحدون من الاستفادة من نعمه؛ قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32].
2ـ التجديد في السلوكيات والتصرفات: تمثل بعض التصرفات والسلوكيات في الحياة دور الأداة، فهي بنفسها لا تحمل قيمة إيجابية ولا سلبية وإنما تكون مطلوبة؛ فإن التغيير والابتكار في هذه التصرفات مطلوب وليس فيه جنبة سببية مثل الابتكار والتجديد في اللغة واللهجة والأدب وفي إيجاد مصطلحات جديدة ولكن هناك نحو آخر من التصرفات والسلوكيات التي يمكنها أن تحمل بالعرض قيمة سلبية مثل: الآداب والرسوم والتقاليد التي يؤدي التغيير والتجديد في نطاقها إلى حصول عنوان التبعية لأعداء الإسلام والارتهان لشعائر الكفر. ومن هنا ينبغي على المجتمع أن يتجنب هذا النوع من التجديد الذي يهدد استقلاله ويصبغه بصبغة الكفار، وعليه أن يثبت ويصر على حفظ الآداب والرسوم والتقاليد واللباس الذي يُمثل هوية أمته، كذلك فإن هذا النحو من التصرفات يمكن أن يحمل بالعرض قيمة إيجابية، فالتجديد فيها مع حفظ القيم الإيجابية مطلوب ويُعتبر أمرا قيما، وعلى سبيل المثال: نجد أن الهنود والباكستانيين لم يتركوا الزي الرسمي لأمتهم وذلك بدافع حفظ هوية الأمة، فتجد أنهم يحضرون في مجالسهم الرسمية الداخلية والخارجية بنفس ذلك اللباس، وهذا الأمر أدى إلى أن يتمتعوا بمزيد من الاحترام في أنحاء العالم.
3ـ التجديد في العلوم الإسلامية هذا النحو من التجديد هو الذي يُشكل محور بحثنا، ولهذا السبب ينبغي توضيح مفهومه أكثر، كذلك ينبغي أن نتعرض للاختلاف بين التجديد الجيد والتجديد السيء، ولآليات التجديد الجيد في مجال العلوم الإسلامية وذلك من أجل قطع الطريق على سوء استغلال عنوان التجديد في العلوم الإسلامية.
ج- الانحراف في فهم التجديد وسوء استغلال ذلك
لقد أسيء استغلال كلمة التجديد وما يعادلها في اللغة العربية، نظير (الابتداع) و(البدعة)، وذلك بنحوين:
النحو الأول: يتعلق بالأشخاص الذين يميلون نحو التحجر والتصلب، فيرون أن أي نوع من الأفكار والتصرفات التي لم تكن في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصحابته وتابعيهم فهو بدعة ومخالف للشرع، ويعد السلفيون والوهابيون النموذج الأبرز من هذه الفئة فمن خلال الاعتماد على ما ورد من ذم للبدعة في كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وبالطبع كان كلامه ناظرا إلى البدع المحرمة التي ستظهر بعد زمانه؛ لأنه في زمانه لم يكن هناك من مجال للابتداع)، فقد حرموا العديد من العقائد والأفكار والمراسم والآداب والأحكام الشائعة بين الشيعة واعتبروها بدعة، وعمدوا إلى تحريم التوسل وزيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وإلى تحريم إقامة احتفال بولادة النبي (صلى الله عليه وآله) بالإضافة إلى كل عمل لم يكن له سابقة في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما عمدوا إلى تكفير الأشخاص الذين يقومون بهذه الأعمال، فخالفوا وواجهوا أكثر المسلمين ومن ضمنهم الشيعة.
إن بعض الأشخاص من ذوي الفكر السقيم لا يستطيعون هضم أي نحو من التجديد، ومن الشيعة من يرى أن استعمال وسائل النقل الحديثة، من قبيل: السيارة والقطار والطائرة حرام وبدعة! ويعتقدون أننا ينبغي أن نسافر على الجمال بنفس الطريقة التي كانت في صدر الإسلام.
النحو الثاني: في مقابل الفئة الأولى التي ترى بأن التجديد ممنوع وحرام بنحو مطلق، توجد هناك مجموعة أخرى أساءت استغلال مدح التجديد الوارد في كلمات الأعاظم، وما حصل من التطور الملموس في ظل الابتكارات الجديدة، وذلك في الحياة وفي مجال العلوم ومن ضمنها العلوم الإسلامية، فاعتبروا أن كل نحو من التجديد والابتكار هو أمر جيد ومفيد، ولو أننا نظرنا إلى تاريخ التشيع والتطور الكبير الذي حصل على مر الزمان ومنه التطور الذي حصل في الفقه الشيعي، فسوف نجد أن التوسع والتطور في الفقه نشأ من التجديدات والابتكارات الفقهية لكبار الفقهاء من قبيل الشيخ المفيد والشيخ الطوسي، وخصوصا الشيخ الأنصاري، وهذه الابتكارات والتجديدات تمثل نقطة تحول في كل عصر في قفزات الفقه وتحولاته والجميع يفتخرون بتلك الابتكارات وبهذا النمو والتطور الذي حلّق بسببه الفقه وباقي العلوم الإسلامية، ومن الطبيعي أن تكون هذه التغيرات والتجديدات التي حصلت إنما حصلت في إطار الكتاب والسنة والأصول والقواعد الثابتة، لكن بعضهم ومن دون أن يلتفت إلى هذه النقطة الأساسية اعتبر أن كل نوع من التجديد والابتكار جيد وقيم بنحو مطلق.
وقد عبرت هذه الفئة - وخصوصا خلال العقدين الأخيرين - في كتاباتها مرارا وتكرارا عن لفظ البدعة بنحو إيجابي، من أجل أن تزيل أية نظرة سلبية عن هذه اللفظة، وأن تنقل البدعة وتصرفها إلى معنى إيجابي ومقبول، وتكرار هذا النحو من الاستعمال والإصرار عليه يعود إلى أن التغيير اللغوي والمعنوي ونقل الكلمة من معنى إلى معنى آخر لا يحصل دفعة واحدة، بل يحصل بالتدريج، بمرور الزمان وبكثرة الاستعمال، ومن الطبيعي أنه حينما تستعمل لفظة البدعة في معنى جيد وإيجابي، فإن ذلك يُقلّل من القيمة السلبية للبدعة التي نجدها في الأدبيات الدينية حول تحريم البدعة، ويُقلّل من مقاومة هذا النوع من الابتداع، وهو الأمر الذي يهدد أساس الدين والشريعة، وفي الأثناء لا يقتصر الأمر على عدم اعتبار التجديد السلبي والبدعة بمعنى التغيير في التعاليم الدينية وتفريغها من محتواها أمرا غير ممنوع وغير محرم فحسب، بل يعتبر أمرا إيجابيا ويُمثل خدمة للدين.
د- البعد النفسي للإفراط في التجديد وانعكاسه السلبي
إن نتيجة توسع نطاق هذا النوع من الابتكارات هي نسخ الشريعة وإلغاء الأحكام الإسلامية وإدخال مفاهيم جديدة مكانها، وفي هذه المحاضرة لا يوجد مجال لمعالجة جميع جوانب التجديدات الباطلة وقبولها من قبل الآخرين، بل سنقتصر فقط على دراسة بعدها النفسي بنحو مجمل وموجز، فمن الناحية النفسية لطبع الإنسان وخاصة الشباب الذين يرغبون في كل جديد، عندما يتم تكرار أمر عدة مرات وعندما يمر وقتا من الزمان عليه، فإنه يفقد جاذبيته. وفي المقابل، يجذبهم الخطاب الجديد المقدم ضمن أدبيات جديدة وفي قالب جديد، ويستولي على قلوبهم، ولذا عندما يرغبون في تخريب مدرسة أو مذهب فكري في الدعاية العالمية وفي وسائل الإعلام، فإنهم يتهمونه بالرجعية، وقبل الثورة الإسلامية في إيران كان عملاء نظام الشاه يُحاولون الإطاحة برجال الدين من خلال اتهامهم بأنهم رجعيون، إن إساءة استخدام الحداثة لدى البشر والاتهام بالرجعية للمخالفين لها تاريخ طويل في الأدبيات الإنسانية وحتى المشركون وأعداء الأنبياء الإلهيين سعوا إلى منع تأثير كلمات الأنبياء من خلال وصفها بأنها أساطير وخرافات، ويقول القرآن عن ذلك ما يلي: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25].
من خلال استغلال الميزة النفسية للحداثة يرى بعضهم أن ثبات الأحكام الدينية واستقرارها عديم القيمة، ويرى أن القيمة تكون في الفكر الحداثوي وفي الابتكار، وهذا الأمر يعني كما أن الإنسان يلقي بلباسه القديم البالي الذي فقد قيمته، كذلك يجب أن نتخلى عن عقائد الإسلام الأصيل وعن كلام الأنبياء الذين مضى عليهم أكثر من ألف عام، ولا شك في بطلان هذا الكلام لأن قيمة العقيدة والكلام الحق وعلوهما يعود مطابقتهما للواقع وضمان سعادة الانسان، ولا ينقص مرور الزمن من قيمة ذلك.
وفي قبال الإفراط والتفريط حول صحة أو عدم صحة التجديد والابتكار وحداثة التفكير، هناك طريق وسط فالحق هو أنه لا يمكن اعتبار التجديد باطلا بصورة مطلقة، كما لا يمكن اعتبار كل تجديد صحيحا وعلى حق، بل بعض التجديدات باطلة وقد منعها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، واعتبروها كالكفر والشرك، وهذه التجديدات هي أمور لم ترد عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو عن الإمام المعصوم (عليه السلام) والأفراد هم الذين أضافوها إلى الدين أو هم الذين حذفوا بعض التعاليم الدينية، واعتبروها قديمة وتاريخية، والروايات التي تم النهي فيها عن البدعة في الدين والاستناد إلى الرأي (1) والقياس (2) في الاستنباط والاجتهاد، ناظرة إلى هذا القسم من التجديد.
هـ- بيان التجديد المطلوب في الدين وآثاره
المراد من الابتكار المطلوب الذي أكد عليه العظماء والعلماء، هو الاجتهاد والتحقيق في العلوم الإسلامية، وخصوصا في الفقه، وذلك في إطار الكتاب والسنة والتعاليم الوحيانيّة واستعمال المنهج السليم في التحقيق في تلك المجالات التي تم توضيحها في أصول الفقه. وفي هذا الأسلوب من التجديد، لا يضيف المجتهد أي أمر إلى الدين والفقه من قبل نفسه، بل يطرح استنباطه وفهمه الجديد باستعماله للكتاب والسنة ويكشف فروعا جديدة ويستخرجها من الأحكام الكلية ومن مصادر الاستنباط كي يلبّي الاحتياجات الجديدة.
لقد طوى فقه الشيعة على مر التاريخ تحولات لا تحصى في ضوء هذه الابتكارات الحكيمة والناجمة عن الاجتهاد والمبتنية على مصادر الاستنباط، وأضافت هذه التجديدات إلى الفقه حجما وغنى في كل حقبة ولكن لا يمكن مقارنة الفقه اليوم بذلك الذي كان رائجا في زمان الشيخ الصدوق لا من ناحية الكم ولا من ناحية الكيف فقد طرحت في مقنع الشيخ الصدوق - الذي يعتبر كتابه في الفقه، وهو كتاب ذو حجم صغير - نصوص الروايات بعد حذف الأسانيد، وقدم كتابا حاويا لفتاويه وبعد الشيخ الصدوق، استخدم الشيخ المفيد القواعد الأصولية في استنباطاته ودون مقنعته التي هي حاصل استنتاجاته من الروايات وليست نفس نص الروايات، ولذلك تختلف مقنعة الشيخ المفيد عن مقنع الشيخ الصدوق، ومن هنا تجد أن بعض المخالفين للشيخ المفيد من ذوي المنهج الأخباري، رغم أنهم يُقرون بأنه شخصية عظيمة وقد سنده وأيده إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في توقيعه، إلا أنهم قالوا حول تلك الشخصية العظيمة: لقد خان الإسلام فئتان الأولى: أولئك الذين اغتصبوا خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) والأخرى الشيخ مفيد وأمثاله ممن أدخلوا الأصول إلى المذهب الشيعي!
وفي مسيرة استمرار تطور الفقه وتغيره، نجد أن الشيخ الطوسي قد أضاف إلى غنى الفقه الإسلامي من خلال تجديداته واستعماله للاجتهاد على نطاق واسع. ومن هذا المنطلق، فإن كتبه الفقهية لا يمكن أن تقاس مع مقنع الشيخ الصدوق.
ثم استمرت هذه التجديدات والتطورات في الفقه لنجد أن الشخصيات العظيمة كالمقدس الأردبيلي المعروف بقدسيته وتقواه الذي يضرب فيه المثل، فقد حل العديد من المعضلات والمشاكل الفقهية من خلال تجديداته وتحقيقاته، وفتح لمن بعده أساليب جديدة للتحقيقات الفقهية إلى أن قام الشيخ الأنصاري بفضل ذكائه ونبوغه وعمق تفكيره بتغييرات رئيسية في علمي الفقه والأصول بالاستناد إلى القواعد الفقهية والأسس الأصولية وضمن إطار مصادر الفقه، فأوصل هذين العلمين إلى درجة من التطور الكمي والكيفي، بحيث إن المجتهدين من بعده يعتبرون أنفسهم مدينين لإنجازاته العلمية، ويفتخرون أنهم يواصلون مسيرته.
إن أحد الابتكارات والتجديدات العظيمة المؤثرة التي قام بها ذلك العالم صاحب الفكر العميق هو أنه دون أحد أبواب الأصول المهمة والعظيمة، وهو باب الاستصحاب من خلال الاستعانة بما يقارب الثماني روايات حول الاستصحاب مع شرحها وبسطها، فأسس في هذا الكتاب وفي سائر أبواب الأصول قواعد لم يشر إليها أحد من قبل ولو إشارة واحدة.
وهكذا يتضح أن التجديد الذي نعنيه هو تجديد منهجي يقع ضمن إطار قواعد العلم وضوابطه، وهو مبني على الأسلوب الصحيح في الفقاهة والاجتهاد، مع مراعاة الأصول العقلائيّة وأصول المحاورة، وهذه الابتكارات هي نتيجة للتقييم والاستنباط والتعمق في التفكير في الروايات والقرآن، فيتم الحصول على نقاط دقيقة وعلى فهم جديد نتيجة التدقيق والتعمق في هذه المسائل، وبناء على ذلك، لا يقتصر الأمر على أن هذه الابتكارات ممدوحة فحسب، بل تعتبر من أمجاد العالم الإسلامي، وأولئك الذين يُوفقون إلى هذه الابتكارات المنهجية هم مصداق لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (وَرُبِّ حَامِلِ فِقْهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) (5).
وهذه التجديدات ليست اعتباطية بأي حال من الأحوال، كما انها ليست تابعة من الأهواء النفسية أو من تأثير الأجواء الاجتماعية والسياسية أو تهدف إلى تحريف الأحكام الإلهية وتغييرها، وبما أن الهدف منها هو تبيين الأحكام الإلهية واستنباط الحكم من المصادر فهي محل تأييد من قبل المعصومين، فهم إنما ذموا مخالفة هذه التجديدات والفتاوى بشدة واعتبروا مخالفتها في حد الشرك والكفر، قال الإمام الصادق عن الرجوع إلى الفقهاء: (يَنْظُرَان (إِلَى) مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَمًا؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ، فَإِنَّمَا اسْتَخَفْ بِحُكْمِ اللَّهِ، وَعَلَيْنَا رَدْ وَالرَّادُ عَلَيْنَا الرَّادُ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى حَدُ الشِّرْكِ بِاللهِ) (6).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ نهج البلاغة، الخطبة 82.
2ـ محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 16، الباب 24، ص 210، الحديث 21379.
3ـ وفقا لتعريف ابن الجوزي، فالرأي هو ما يحصل للمجتهد بعد الفكر والفحص (من أجل معرفة الحكم الصحيح) ابن الجوزي، إعلام الموقعين، ج 1، ص 68.
4ـ القياس في اللغة: معناه التقدير أو المساواة، وفي الاصطلاح: الحكم على معلوم بمثل الحكم الثابت لمعلوم آخر، لاشتراكهما في علة الحكم. (حسن بن زين الدين العاملي، معالم الأصول، ص 222)، ويستنتج من التعاريف التي ذكروها للقياس أن القياس الأصولي والشرعي من وجهة نظر المنطق والكلام هو نوع من التمثيل وعناصره عبارة عن: 1- الموضوع الذي له حكم معلوم، وهو الذي يسمى (الأصل) أو المقيس عليه. 2ـ حكم الأصل. 3ـ الموضوع الذي له حكم مجهول، وهو الذي يقال له في الاصطلاح (الفرع) أو المقيس. 4ـ سبب الحكم الموجود في كل موضوع، وهو ما يصطلح عليه باسم (الجامع)، أو العلة.
5ـ محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج 1، ص 402.
6ـ المصدر السابق: ص 67.
الاكثر قراءة في مشاكل و حلول
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)