روى الشيخ الطبرسيّ عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: كنتُ جالساً عند أمير المؤمنين عليه السلام، فجاء ابن الكوّاء فقال: يا أمير المؤمنين! من البيوت في قول الله عزّ وجلّ: ولَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ولكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها.[1]
(فأجابه الإمام جواباً وافياً). ثمّ سأل عن معنى قوله تعالى: وعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ[2] (فأجاب الإمام أيضاً جواباً كافياً).[3]
وعن الأصبغ بن نُباتة في رواية اخرى قال: سأل ابن الكوّاء أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرني عن بصير بالليل وبصير بالنهار؟ وعن أعمى بالليل وأعمى بالنهار؟ وعن أعمى بالليل بصير بالنهار؟ وعن أعمى بالنهار بصير بالليل؟
فقال له: وَيْلَكَ! سَلْ عَمَّا يَعْنِيكَ ولَا تَسْألَ عَمَّا لَا يَعْنِيكَ. (ثمّ أجابه الإمام جواباً تامّاً) قال في آخره: وَيْلَكَ يَا بنَ الكَوَّاء! فَنَحْنُ بَنُو أبِي طَالِبٍ، بِنَا فَتَحَ اللهُ الإسْلَامَ وبِنَا يَخْتِمُهُ.
قال الأصبغ: لمّا نزل أمير المؤمنين عليه السلام من المنبر، تبعتُه، فقلتُ يا سيّدي يا أمير المؤمنين قوّيت قلبي بما بيّنتَ. فقال لي أمير المؤمنين عليه السلام:
يَا أصْبَغُ! مَنْ شَكَّ في وَلَايَتِي فَقَدْ شَكَّ في إيمَانِهِ، ومَنْ أقَرَّ بِوَلَايَتِي فَقَدْ أقَرَّ بِوَلَايَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وَلَايَتِي مُتَّصِلَةٌ بِوَلَايَةِ اللهِ كَهَاتَيْنِ -وَ جَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيه- يَا أصْبَغَ! مَنْ أقَرَّ بِوَلَايَتِي فَقَدْ فَازَ، ومَن أنْكَرَ وَلَايَتِي فَقَدْ خَابَ وخَسِرَ وهَوَى في النَّارِ، ومَنْ دَخَلَ في النَّارِ لَبِثَ فِيهَا أحْقَابَاً.[4]
وروى الطبرسيّ أيضاً عن الأصبغ قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيُّهَا النَّاسُ! سَلُونِي فَإنَّ بَيْنَ جَوَانِحِي عِلْمَاً جَمَّاً. فقام إليه ابن الكوّاء فقال: يا أمير المؤمنين! الذَّارِياتِ ذَرْواً؟[5] قال: الرياح. قال: ما فَالْحامِلاتِ
وِقْراً؟ قال: السحاب. قال ما فَالْجارِياتِ يُسْراً؟ قال: السفن. قال: ما فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً؟ قال: الملائكة. قال: يا أمير المؤمنين؛ وجدتُ كتاب الله ينقض بعضه بعضاً.
قال الإمام: ثَكِلَتْكَ امُّكَ يَا بْنَ الكَوَّاء، كِتَابُ اللهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضَاً ولَا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضَاً، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ.
قال: يا أمير المؤمنين؛ سمعته يقول: رَبُّ الْمَشارِقِ والْمَغارِبِ.[6] وقال في آية اخرى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ورَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ.[7] وقال في آية اخرى: رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ.[8]
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ثكلتك امّك يا ابن الكوّاء، هذا المشرق وهذا المغرب. وأمّا قوله: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ورَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فانّ مشرق الشتاء على حدة، ومشرق الصيف على حدة. أ ما تعرف بذلك من قُرب الشمس وبُعدها؟ وأمّا قوله: رَبُّ الْمَشارِقِ والْمَغارِبِ فانّ لها ثلاثمائة وستّين برجاً تطلع كلّ يوم من برج وتغيب في آخر، فلا تعود إليه إلّا من قابلٍ في ذلك اليوم.
قال: يا أمير المؤمنين! كم بين موضع قدمك إلى عرش ربّك؟ قال: ثكلتك امّك يا ابن الكوّاء! سل متعلّماً، ولا تسأل متعنّتاً. من موضع قدمي إلى عرش ربّي أن يقول قائل -مخلصاً-: لا إلَهَ إلَّا اللهُ. قال: يا أمير المؤمنين! فما ثواب من قال: لا إله إلّا الله؟ قال: من قال: لا إله إلّا الله مخلصاً طمست ذنوبه، كما يطمس الحرف الأسود من الرقّ الأبيض.
فان قال ثانية: لا إله إلّا الله -مخلصاً- خُرقت أبواب السماوات وصفوف الملائكة، حتى يقول الملائكة بعضها لبعض: اخشعوا لعظمة الله. فإذا قال ثالثة: لا إله إلّا الله -مخلصاً- تنته دون العرش، فيقول الجليل: اسكني فو عزّتي وجلالي لأغفرنّ لقائلك بما كان فيه. ثمّ تلا الإمام هذه الآية: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.[9] يعني: إذا كان عمله صالحاً، ارتفع قوله وكلامه.
قال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن قوس قزح. قال: ثَكِلَتْكَ امُّكَ! لا تقل: قوس قزح، فانّ قزحاً اسم شيطان، ولكن قل: قوس الله إذَا بَدَتْ يَبْدُو الخَصْبُ والرِّيفُ.
(يواصل ابن الكوّاء أسئلته هنا، فيسأل عن المجرّة، وعن المحو الذي يكون في القمر، وعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كأبي ذرّ الغفاريّ، وسلمان الفارسيّ، وحُذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر، وعن الإمام نفسه، ويسمع منه جواباً كافياً ووافياً).
ثمّ قال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.[10]
قال: كفرة أهل الكتاب، اليهود والنصارى، وقد كانوا على الحقّ فابتدعوا في أديانهم، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.
ثمّ نزل عن المنبر، وضرب بيده على منكب ابن الكوّاء، ثمّ قال: يا ابن الكوّاء؛ وما أهل النهروان منهم ببعيد. فقال: يا أمير المؤمنين! ما أريدُ غيرك، ولا أسأل سواك. قال الأصبغ بن نُباتة: فرأينا ابن الكوّاء يوم النهروان. فقيل له: ثكلتك امّك، بالأمس تسأل أمير المؤمنين عمّا سألته، وأنت اليوم تقاتله، فرأينا رجلًا حمل عليه فطعنه فقتله.[11]
وروى الشيخ الطبرسيّ عن الإمام الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان ذات يوم جالساً في الرحبة، والناس حوله مجتمعون، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أنت بالمكان الذي أنزلك الله به، وأبوك معذّب في النار؟
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: مَه؛ فضّ الله فاك، والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً لو شفع أبي في كلّ مذنب على وجه الأرض، لشفعه الله فيهم. أبي معذّب في النار وابنه قسيم الجنّة والنار؟! والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، إنّ نور أبي يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلائق كلّهم إلّا خمسة أنوار: نور محمّد صلى الله عليه وآله، ونوري، ونور الحسن، ونور الحسين، ونور تسعة من ولد الحسين، فانّ نوره من نورنا، خلقه الله تعالى قبل أن يخلق آدم عليه السلام بألفي عام.[12]
وذكر ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» أنّ عبد الرحمن بن اذينةَ الغَنَويّ روى عن أبيه اذَيْنة بن مُسْلَمة أنّه قال: ذهبت عند عمر بن الخطّاب وقلت: من أين أعتمر؟ قال: امض إلى عليّ واسأله... ثمّ ساق الحديث، وفيه أنّ عمر قال له: مَا أجِدُ لَكَ إلَّا مَا قَالَ عَلِيّ.[13]
وفي «الاستيعاب» أيضاً بسنده المتّصل عن سعيد بن المسيِّب أنّه قال: مَا قَالَ أحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُ: سَلُونِي غَيْرُ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ.[14]
و ذكر ابن عساكر في «تاريخ دمشق» روايتين بسنده المتّصل عن ابن شِبرَمَة أنّه قال: مَا كَانَ أحَدٌ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: سَلُونِي عَنْ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ إلَّا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.[15]
وكذلك رواية عن سعيد بن المسيِّب بهذا المضمون،[16] ورواية عن عمير بن عبد الله أنّه قال: خَطَبَنَا عَلِيّ (بْنُ أبِي طَالِبٍ) عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ فَقَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، فَبَيْنَ الجَنْبَينِ مِنِّي عِلْمٌ جَمٌّ.[17]
وذكر أيضاً رواية بسنده المتّصل عن خالد بن عرعرة قال: أتيتُ الرحبة فاذا أنا بنفر جلوس قريب من ثلاثين أو أربعين رجلًا، فقعدتُ فيهم، فخرج علينا عليّ، فما رأيته أنكر أحداً من القوم غيري، فقال: ألَا رَجُلٌ يَسْألُني فَيَنْتَفِعَ ويَنْفَعَ نَفْسَهُ؟[18]
وروى محبّ الدين الطبريّ عن أبي الطفيل أنّه قال: كنتُ عند عليّ وهو يقول: سَلُونِي، فَوَ اللهِ لَا تَسْألُونِي عنْ شَيءٍ إلَّا أخْبَرْتُكُمْ. وسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللهِ، فَوَ اللهِ مَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وأنَا أعْلَمُ أ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أمْ بِنَهَارٍ أمْ في سَهْلٍ أمْ في جَبَلٍ.[19] (أخرجه أبو عمر).
ورواه ابن حَجَر العَسْقَلَانيّ عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل بهذا اللفظ: كَانَ عَلِيّ يَقُولُ: سَلُونِي، سَلُونِي، سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللهِ تعالى فَوَ اللهِ مَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وأنَا أعْلَمُ أنَزَلَتْ بِلَيْلٍ أوْ نَهَارٍ.[20]
عن عبد العزيز الجَلوديّ في كتاب «الخطب» قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: سَلُونِي فَإنِّي لَا اسْألُ عَنْ شَيءٍ دُونَ العَرْشِ إلَّا أجَبْتُ فِيهِ لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إلَّا جَاهِلٌ مُدَّعٍ أوْ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ. فقام رجل من جانب مجلسه، وفي عنقه كتاب كأنّه مصحف. وهو رجل آدم ضرب، أي: خفيف اللحم، طُوال، جعد الشعر كأنّه من مهوّدة العرب فقال رافعاً صوته: أيُّهَا المُدَّعِي مَا لَا يَعْلَمُ، والمُقَلِّدُ مَا لَا يَفْهَمُ، أنَا السَّائِلُ فَأجِبْ.
فوثب إليه أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته من كلّ ناحية فهمّوا به، فنهرهم عليّ عليه السلام فقال لهم: دَعُوهُ ولَا تَعْجَلُوهُ فَإنَ الطَّيْشَ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَجُ اللهِ ولَا بِهِ تَظْهَرُ بَرَاهِينُ اللهِ.
ثمّ التفت إلى الرجل وقال: سَلْ بِكُلِّ لِسَانِكَ ومَا في جَوَانِحِكَ فَإنِّي اجِيبُكَ. ثمّ سأله الرجل عن مسائل فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام، فحرّك الرجل رأسه وقال: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ.[21]
ونقرأ في «نهج البلاغة» خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام قال في آخرها: إنَّ أمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لَا يَحْمِلُهُ إلَّا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ ولَا يَعِي حَدِيثَنَا إلَّا صُدُورٌ أمِينَةٌ وأحْلَامٌ رَزِينَةٌ. أيُّهَا النَّاسُ! سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، فَلأنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الأرْضِ، (أنا بعالم الملكوت والأنوار والمجرّدات وطرق الصلاح وطيّ الطريق إلى لقاء الله أعلم منّي بعالم الملك والمادّة والطبع وكيفيّة جمع الأموال وغير ذلك) قَبْلَ أنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ (بحيث لا يمكن دفعها) تَطَا في خِطَامِهَا، وتَذْهَبُ بِأحْلَامِ قَوْمِهَا.[22]
قال ابن أبي الحديد في شرحه حول كلام الإمام: إنَّ أمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إلَّا عَبْدٌ امْتَحَنَ اللهُ تعالى قَلْبَهُ لِلإيْمَانِ: هذه من ألفاظ القرآن العزيز. قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى.[23]
وقال بعد شرح مختصر: وهذه الكلمة قد قالها أمير المؤمنين عليه السلام مراراً، ووقفتُ في بعض الكتب على خطبته من جملتها:
إن قُرَيْشاً طَلَبَتِ السَّعَادَةَ فَشَقِيَتْ، وطَلَبَتِ النَّجَاةَ فَهَلَكَتْ، وطَلَبَتِ الهُدَى فَضَلَّتْ. أ لَمْ يَسْمَعُوا -وَيْحَهُمْ- قَوْلَهُ تعالى: والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [24] (أي: نلحق بهم ذرّيّتهم ونجعلهم في درجتهم، مع أنّ أعمالهم على حالها). فَأيْنَ المَعْدِلُ والمَنْزَعُ عَنْ ذُرِّيَّةِ الرَّسُولِ الَّذِينَ شَيَّدَ اللهُ بُنْيَانَهُمْ فَوْقَ بُنْيَانِهِمْ، وأعْلَى رُؤُوسَهُمْ فَوقَ رُؤُوسِهِمْ، واخْتَارَهُمْ عَلَيْهِمْ؟
ألَا إنَّ الذُّرِّيَّةَ أفْنَانٌ أنَا شَجَرَتُهَا، ودَوْحَةٌ أنَا سَاقُهَا، وإنِّي مِنْ أحْمَدَ بِمَنْزِلَةِ الضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ. كُنَّا ظِلَالًا تَحْتَ العَرْشِ قَبْلَ خَلْقِ البَشَرِ، وقَبْلَ خَلْقِ الطِّينَةِ التي كَانَ مِنْهَا البَشَرُ أشْبَاحاً عَالِيَةً، لَا أجْسَامَاً نَامِيَةً.
إن أمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلَّا ثَلَاثَةٌ: مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أوْ نَبِيّ مُرْسَلٌ أوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلإيَمَانِ. فَاذَا انْكَشَفَ لَكُمْ سِرٌّ، أوْ وَضَحَ لَكُمْ أمْرٌ فَاقْبَلُوهُ وإلَّا فَاسْكُتُوا تَسْلَمُوا، ورُدُّوا عِلْمَنَا إلَى اللهِ فَإنَّكُمْ في أوْسَعِ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ.
وقال في كلام الإمام: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي: أجمع الناس كلّهم على أنّه لم يقل أحد من الصحابة ولا أحد من العلماء: سلوني، غير عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
ذكر ذلك ابن عبد البرّ المحدّث في كتاب «الاستيعاب». وقال: المراد من قوله: فَلأنَا أعْلَمُ بِطُرُقِ السَّمَاءِ مِنِّي بِطُرُقِ الأرْضِ، ما اختصّ به من العلم بمستقبل الامور، ولا سيّما في الملاحم والدول. وقد صدّق هذا القول عنه ما تواتر عنه من الإخبار بالغيوب المتكرّرة لا مرّة ولا مائة مرّة حتى زال الشكّ والريب في أنّه إخبار عن علم، وأنّه ليس على طريق الاتّفاق. وقد ذكرنا كثيراً من ذلك فيما تقدّم من هذا الكتاب.
وقد تأوّله قوم على وجه آخر قالوا: أراد: أنا بالأحكام الشرعيّة والفتاوى الفقهيّة أعلم منّي بالامور الدنيويّة، فعبّر عن تلك بطرق السماء لأنّها أحكام إلهيّة، وعبّر عن هذه بطرق الأرض لأنّها من الامور الأرضيّة. والأوّل أظهر، لأنّ فحوى الكلام وأوّله يدلّ على أنّه المراد.
ثمّ نقل ابن أبي الحديد هنا حكاية لطيفة وظريفة عن بعض وعّاظ بغداد في زمان الناصر لدين الله: أبي العبّاس أحمد بن المستضيء بالله، جاء فيها أنّ الواعظ المذكور زعم أشياء على المنبر، فتصدّى له رجل من شيعة بغداد واسمه أحمد بن عبد العزيز الكزّيّ، وكان عارفاً بالعلم ففضحه. وختم ابن أبي الحديد موضوعه بذكر هذه القضيّة.[25]
ونقل ابن أبي الحديد عن القاضي عبد الجبّار، في سياق عرضه الطعن الأوّل من مطاعن عمر التي دحضها القاضي عبد الجبّار في كتاب «المغني»، وأثبتها الشريف المرتضى في كتاب «الشافي» عند تفنيده ردود القاضي، نقل عنه أنّه كان يقرّ بحديث: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، وحديث إنَّ هَاهُنَا عِلْمَاً جَمَّاً، وحديث لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الوِسَادَةُ لَحَكَمْتُ بَيْنَ أهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ وبَيْنَ أهْلِ الإنْجِيلِ بِإنجِيلِهِمْ وبَيْنَ أهْلِ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ وبَيْنَ أهْلِ القُرآنِ بِقُرْآنِهِمْ، وحديث كُنْتُ إذَا سَألْتُ اجِبْتُ، وإذَا سَكَتُّ ابْتُدِيتُ، وقد ذكرها وعدّها من مسلّمات التأريخ والحديث.[26]
[1] الآية 189، من السورة 2: البقرة.
[2] الآية 46، من السورة 7: الأعراف.
[3] «الاحتجاج» ج 1، ص 337 و338، طبعة النجف.
[4] «الاحتجاج» ج 1، ص 339 و340، الحقب ثمانون سنة. وجاء أيضاً أنّه المدة الطويلة.
[5] هذه الآية والآيات الثلاث التي تليها هي الآيات 1 إلى 4 من السورة 51: الذاريات.
[6] الآية 40، من السورة 70: المعارج.
[7] الآية 17، من السورة 55: الرحمن.
[8] الآية 28، من السورة 26: الشعراء.
[9] الآية 10، من السورة 35: فاطر.
[10] الآية 104، من السورة 18: الكهف.
[11] «الاحتجاج» ج 1، ص 385 إلى 388، والزرنديّ في «نظم درر السمطين» ص 125 إلى 127. وقال المامقانيّ في «تنقيح المقال» ج 2، ص 204: عدّه الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وقال: خارجيّ وملعون. ثمّ قال بعد شرح موجز: قبّح الله مثله من شيعيّ خارجيّ ملعون. وجد عليّاً عليه السلام يوماً يخطب، فلمّا انتهت خطبته، قال ابن الكوّاء، مخاطباً الإمام: قَاتَلَكَ اللهُ مِنْ شَيْطَانٍ مَا أفْهَمَكَ- أوْ مَا أفْصَحَكَ! وأكثر يوماً في إهراق الماء في وضوئه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أسرفتَ في الماء. فقال ذلك الملعون: ما أسرفتَ به من دماء المسلمين أكثر! وذكر المحدّث القمّيّ في «الكنى والألقاب» ج 1، ص 383 أنّ اسمه عبد الله. وهو الذي قرأ خلف أمير المؤمنين عليه السلام، ولَقَدْ اوحِى إلَيْكَ وإلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتُكونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الآية 65، من السورة 39: الزمر)، وكان عليّ عليه السلام يؤمّ الناس ويجهر بالقرءاة، فسكت أمير المؤمنين عليه السلام حتى سكت ابن الكوّاء. ثمّ عاد في قراءته، حتى فعله ابن الكوّاء ثلاث مرّات. فلمّا كان في الثالثة، قال أمير المؤمنين: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (الآية 60، من السورة 30: الروم).
[12] «الاحتجاج» ج 1، ص 341.
[13] «الاستيعاب» ج 3، ص 1103.
[14] «الاستيعاب» ج 3، ص 1103؛ ورواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ج 3، ص 24 عن سعيد بن المسيِّب في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام؛ وفي «الاستيعاب» المطبوع في هامش «الإصابة» ج 3، ص 40: (ما كان) بدل (ما قال).
[15] «الاستيعاب» ص 24 و25.
[16] المصدر السابق.
[17] المصدر السابق.
[18] «الاستيعاب» ص 25.
[19] «ذخائر العقبي» ص 83.
[20] «الإصابة» ج 2، ص 502 و503.
[21] «سفينة البحار» ج 1، ص 586، مادّة سأل.
[22] «نهج البلاغة» الخطبة 187، طبعة مصر وشرح عبده، ج 1، ص 364 و365.
[23] بعض من الآية 3، من السورة 49: الحجرات.
[24] النصف الأوّل من الآية 21، السورة 52: الطور، ونصفها الثاني: ومَا ألَتْنَاهُمْ مِن عَمَلِهِم مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ.
[25] «شرح نهج البلاغة» ج 13، ص 105 و106، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
[26] «شرح نهج البلاغة» ج 12، ص 197، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.