جاء في كتب التأريخ جميعها أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «لئن أظهرني الله لأمثلنّ بثلاثين منهم»، وانفرد صاحب «روضة الصفا» بقوله: بسبعين منهم.
ولعلّ درجة الإحسان تكون من نصيب المؤمن في مثل هذه المواطن من الصبر والتحمّل، إذ قال تعالى بعد الآيتين المذكورتين: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.[1]
وفي الخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن مقام الإحسان، فقال اعْبُدِ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ!
أجل، إنّ هدفنا من الإسهاب في الحديث عن غزوة احُد هنا عند شرحنا آية الهداية: وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ[2] هو أن يعلم الجميع أنّ الفاتح الوحيد والمتحمّس الحميم والمضحّي المتفاني والمولَع برسول الله أيّ ولع، والحامي الفريد له، والذابّ الحقيقيّ عن الإسلام والقرآن هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وأنّ أبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا من الفارّين، وأنّ الآية الكريمة: وما محمد إلا رسول ... أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، نزلت فيهم وفي أترابهم ونظائرهم.
وهؤلاء الذين تحمّسوا من أجل الإسلام بعد وفاة النبيّ ورفعوا عقيرتهم: وا إسلاماه! هم الذين تركوا النبيّ وحده بالأمس، وأودعوه بين الحديد والنار بأيدي المتهوّرين من مشركي قريش، وأنقذوا أنفسهم منهزمين إلى الجبل، وكان أحدهم كالارْويّة على حدّ تعبيره.
وليس اعتباطاً حين يطلب رسول الله صلى الله عليه وآله كتفاً ودواةً ليُحْكِمَ أمر عليّ بن أبي طالب، أن ينسبه عمر إلى الهَجْر والهذيان والتخريف. وفي الوقت نفسه يتلو رسول الله هذه الآية لفلذّة كبده فاطمة الزهراء عليها السلام ويقول لها: بُنيّتي فاطمة: اقرئي هذه الآية: وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ - إلى آخر الآية.
[1] الآية 128، من السورة 16: النحل.
[2] الآية 144، من السورة 3: آل عمران.