

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
الروايات الواردة في منع عمر كتابة رسول الله في مرض الموت
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج13، ص106-136
2026-04-06
22
الروايات الواردة في منع عمر النَّبيّ صلى الله عليه وآله أن يكتب كتاباً في المرض الذي توفّي فيه:
1- روى البخاريّ في صحيحه بسنده عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس أنّه قال: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وفي البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: هَلُمَ[1] أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ!
فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ النَّبِيّ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ، وعِنْدَكُمُ القُرْآنُ. حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ فَاخْتَصَمُوا، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيّ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَهُ عُمَرُ.
فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغْوَ والاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيّ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: قُومُوا.
فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وبَيْنَ أنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ مِن اخْتِلَافِهِمْ ولَغَطِهِمْ.[2] و[3] وهذا الحديث من الأحاديث التي لا شكّ في صحّتها وصدورها عند العامّة،[4] لأنّ البخاريّ رواه عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن مُعَمَّر، وكذلك عن عبد الله بن محمّد، عن عبد الرزّاق، عن مُعَمَّر، عن الزُّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس. ولا شبهة عند العامّة في توثيق هؤلاء وتعديلهم.
2- وكذلك روى البخاريّ في صحيحه عن يحيى بن سليمان، عن ابن وَهَب، عن يونس بن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس أنّه قال: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَجَعُهُ قَالَ: إئْتُونِي بِكِتَابٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ! قَالَ عُمَرُ: إنَّ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ غَلَبَهُ الوَجَعُ وعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وكَثُرَ اللَّغَطُ.
قَالَ: قُومُوا عَنِّي ولَا يَنْبَغي عِنْدِيَ التَّنَازُعُ. فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وبَيْنَ كِتَابِهِ.[5]
وهذا الحديث أيضاً من الأحاديث الصحيحة عند العامّة ولا شبهة ولا شكّ في رواته.
3- وكذلك روى البخاريّ عن قَبِيصَة، عن ابن عُيَيْنَة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس أنّه قال: يَوْمُ الخَمِيسِ ومَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حتى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ. فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، فَقَالَ: إئْتُونِي بِكِتَابٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً. فَتَنَازَعُوا -وَ لَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيّ تَنَازُعٌ- فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
قَالَ: دَعُونِي! فَالَّذِي أنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إلَيْهِ. وأوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: أخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وأجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ اجِيزُهُمْ، ونَسِيتُ الثَّالِثَةَ.[6]
وذكر مسلم في صحيحه أيضاً، في آخر كتاب الوصايا ثلاثة أحاديث في هذا الشأن. يحمل الأوّل بعينه مضمون هذا الحديث الثالث الذي نقلناه عن البخاريّ لكنّه يختلف عنه فيما يأتي: أوّلًا: جاء مكان قوله: فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ، قوله: وقَالُوا: مَا شَأنُهُ؟ أ هَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ!
ثانياً: ذكر بدل قوله: ونَسِيتُ الثَّالِثَةَ، قوله: وسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أوْ قَالَهَا فَانسِيتُهَا.
ويحمل الثالث نفسه مضمون الحديث الأوّل الذي نقلناه عن البخاريّ.
ومن الجدير ذكره أنّ هذين الحديثين أوردهما مسلم بأسناد اخرى غير أسناد البخاريّ، ويتماثلان في المضمون فحسب. وروى الثاني عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن مالك بن المِغْوَل، عن طلحة بن مُصَرّف، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس أنّه قال: يَوْمُ الخَمِيسِ ومَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حتى رَأيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: إئْتُونِي بِالكَتِفِ والدَّوَاةِ (أوِ اللَّوْحِ والدَّواة)[7] اكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً، فَقَالُوا: إنَّ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ يَهْجُرُ.[8]
وروى أحمد بن حنبل الأحاديث الثلاثة التي نقلناها عن البخاريّ بنفس الأسناد والألفاظ في ص 325 و222 و355 من الجزء الأوّل من مسنده بالتسلسل.
أجل، إنّ حديث طلب الدواة والكتف، ومنع عمر، وقذف رسول الله بالهجر والهذيان، ورزيّة يوم الخميس التي كان يبكي منها ابن عبّاس كلّما ذكرها، كلّ ذلك من القضايا المشهورة والمعروفة عند أصحاب السِّير والسُّنن والأخبار. نقلها كبار العامّة في كتبهم وأقرّوا بها.[9]
ذكر ابن سعد في طبقاته تسعة أحاديث في هذا المجال. وأورد الحديث الأوّل والثالث -اللذين نقلناهما عن البخاريّ- عن مسلم، وعن يحيى بن حمّاد بسنده عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، وفيه: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ: إنَّ نَبِيّ اللهِ لَيَهْجُرُ.
وأورد حديثاً عن محمّد بن عبد الله الأنصاريّ بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وحديثاً عن حفص بن عمر الحوضيّ بسنده عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وحديثاً عن محمّد بن عمر بسنده عن جابر، بحديثين آخرين: الأوّل: عن محمّد بن عمر، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسْلَم، عن أبيه، عن عمر بن الخطّاب أنّه قال:
كُنَّا عِنْدَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وبَيْنَنَا وبَيْنَ النِّسَاءِ حِجَابٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: اغْسِلُونِي بِسَبْعِ قِرَبٍ وأتُونِي بِصَحِيفَةٍ ودَوَاةٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً! فَقَالَ النِّسْوَةُ: إئْتُوا رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ بِحَاجَتِهِ! قَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: اسْكُتْنَ فَإنَّكُنَّ صَوَاحِبُهُ. إذَا مَرِضَ عَصَرْتُنَّ أعْيُنَكُنَّ. وإذَا صَحَّ أخَذْتُنَّ بِعُنُقِهِ![10] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: هُنَّ خَيْرٌ مِنْكُمْ!
وأخرجه الطبرانيّ أيضاً في أوسطه عن عمر.[11]
الثاني: عن محمّد بن عمر بسنده عن عكرمة، عن ابن عبّاس أنّه قال: إنَّ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ قَالَ في مَرَضِهِ الذي مَاتَ فِيهِ: إئْتُونِي بِدَوَاةٍ وصَحِيفَةٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً! فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: مَنْ لِفُلَانَةَ وفُلَانَةَ مَدَائِنِ الرُّومِ؟ إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ لَيْسَ بِمَيِّتٍ حتى نَفْتَحَهَا، ولَوْ مَاتَ لَا نتَظَرْنَاهُ كَمَا انْتَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ موسى. فَقَالَتْ زَيْنَبُ زَوْجُ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: أ لَا تَسْمَعُونَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ يَعْهَدُ إلَيْكُمْ؟! فَلَغَطُوا، فَقَالَ: قُومُوا! فَلَمَّا قَامُوا قُبِضَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ مَكَانَهُ![12]
والآن -بعد أن تحدّدت مصادر هذا الحديث في هذه الرزيّة من كتب الصحاح والسنن الموثوقة من الدرجة الأولى لأهل السنّة-[13] نعرض فيما يأتي عدداً من الأبحاث حول مفاد ما تقدّم:
البحث الأوّل: يستفاد من هذه الأحاديث والروايات أنّ هذه الواقعة لم تكن مفاجئة، حيث ينكر القوم ابتداءً تخطيط الرسول الأعظم للكتابة، بل تدلّ القرائن المشهودة على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعلم بتآمرهم على حكومة عليّ عليه السلام، لذلك أنفذ جيش اسامة. وكان قد أدرك جيّداً الخطط المدبّرة من خلال الأخبار المبثوثة داخل بيته من قبل حزب النساء المعارضات، وكذلك من خلال الأخبار التي تناهت إلى سمعه من خارج البيت ودارت حول تأخير جيش اسامة وتخلّف أبي بكر، وعمر عن اللحاق به، فلهذا طلب الدواة والكتف في مثل هذا الظرف على أساس تلك الشواهد والمشهودات.
ولم يجتمع عمر وشر ذمته في ذلك المجلس صدفة وبغتة، بل كانوا يجتمعون مراراً في مجالس سابقة ويخطّطون لغصب ولاية المسلمين وإمارتهم. وكان اجتماعه الأخير مع زمرته وأترابه مخطَّطاً له من قبل. وكيف يمكن أن نتصوّر أنّ حضور عمر مع جميع أعوانه -الذين كان عددهم من الكثرة بحيث أوجدوا جبهتين في مجلس الرسول الأكرم وصاحوا وقالوا: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، وبلغ الذمر أنّهم تميّزوا عن الصحابة المؤمنين المطيعين الذين كانوا في حجرة نبيّهم، وزاد لَغَطُهم حتى غلبوهم- كان صدفة، وقد تحقّق بصورة تلقائيّة اعتياديّة! كيف يتسنّى لنا تصوّر ذلك في مجلس زعيم الحاضرين ومتكلّمهم فيه عمر الذي حاكاه رفقاؤه في كلامه فاعترضوا على كلام رسول الله؟[14]
رأينا في الحديث الأوّل الذي نقله البخاريّ أنّ ابن عبّاس يقول: اختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيّ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. ومنهم من يقول ما قاله عمر. أي: أنّ رسول الله يهجر. ويتبيّن هنا أنّ عمر كان إمام المعترضين وزعيمهم، وأوّل من نطق بهجر رسول الله.
البحث الثاني: لا شكّ ولا شبهة أنّ الجملة التي تفوّه بها عمر هي قوله: إنَّ رَسُولَ اللهِ يَهْجُرُ. بَيدَ أنّ أصحاب السنن والأخبار لمّا رأوا أنّ كلمته مستهجنة جدّاً، أرادوا أن يخفّفوا من استهجانها، ويدافعوا عن أدب عمر فاستبدلوا بها كلمتهم: إنَّ النَّبِيّ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ.
والدليل على كلامنا رواية ذكرها ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» بتخريج أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتاب «السقيفة» بإسناده إلى ابن عبّاس أنّه قال: لَمَّا حَضَرَتْ رَسُولُ اللهِ الوَفَاةُ وفي البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: إئْتُونِي بِدَوَاةٍ وصَحِيفَةٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ (قَالَ): فَقَالَ عُمَرُ كَلِمَةً مَعْنَاهَا أنَّ الوَجَعَ قَدْ غَلَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، ثُمَّ قَالَ: عِنْدَنَا القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ.
فَاخْتَلَفَ مَنْ في البَيْتِ واخْتَصَمُوا فَمِنْ قَائِلٍ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيّ، ومِنْ قَائِلٍ: مَا قَالَ عُمَرُ. فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغَطَ واللَّغْوَ والإخْتِلَافِ غَضِبَ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فَقَالَ: قُومُوا! إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أنْ يُخْتَلَفَ عِنْدَهُ هَكَذَا. فَقَامُوا، فَمَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ مَا حَالَ بَيْنَنَا وبَيْنَ كِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، يَعْنِي الاخْتِلَافَ واللَّغَطَ.
يقول ابن أبي الحديد: هذا الحديث قد خرّجه الشيخان: محمّد بن إسماعيل البخاريّ، ومسلم بن الحجّاج القُشَيْريّ في صحيحيهما. واتّفق كافّة المحدّثين على روايته.[15]
ونكتفي هنا بذكر النكتة الآتية التي تمثّل الدليل على ما نقول: يقول هنا: قال عمر كلمة معناها أنّ الوجع قد غلب على رسول الله. وهذا صريح أنّ كلمة عمر كانت شيئاً آخراً. ولمّا لم يرغب القوم في ذكر كلمته نصّاً، استبدلوا بها مفادها ومعناها. وتلك الكلمة هي الهَجْر.[16]
ودليلنا الآخر هو عقد مقارنة بين الروايات المذكورة، إذ لو وضعناها جنباً إلى جنب ووازنّا بينها، لتبيّن لنا بلا مراء أنّ كلمة عمر كانت قوله: إنَ النَّبِيّ يَهْجُرُ.
إنّ البخاريّ الذي ذكر في الصحيحتين الأولى والثانية اسم المعترض بصراحة -و هو عمر- قال: كانت كلمته: قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ، بَيدَ أنّه لم يصرّح باسمه في صحيحته الثالثة، وكذلك لم يفعل مسلم في صحيحته، بل قالا بنحو عامّ: قَالُوا، وأوردا كلمة عمر نفسها: يَهْجُر. فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ. فَقَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللهِ لَيَهْجُرُ.[17] وقال ابن سعد في طبقاته في الرواية التي نقلناها عن سعيد بن جُبَيْر: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ: إنَّ نَبِيّ اللهِ لَيَهْجُرُ. وهنا لمّا لم يتعيّن قائل كلمة: يَهْجُرُ بنفسه، وذُكر بلفظ: قَالُوا، أو: قَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فإنّ الإتيان بكلمة هَجَرَ ويَهْجُرُ لم تُسْتَهْجَنْ بل ذُكرت كما هي.
ولكنّنا عند ما نوازن بين هذه الروايات، يستبين لنا جيّداً أنّ قائل كلمة يَهْجُرُ في قولهم: قَالُوا، أو: بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ هو عمر نفسه، بَيْدَ أنّ هؤلاء المحرّفين والمبدّلين وحماة أريكة الاستبداد والظلم استبدلوا بها في تلك الروايات كلمتهم: قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ حماية لعمر ولشأنه.
وقد لاحظنا في إحدى روايات مسلم بن الحجّاج أنّه ذكر عمر بكلامه: أهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ! ومن الواضح أنّ لفظ عمر لا يحمل الاستفهام والشكّ وقد قال ما قال جازماً، إذ تفوّه بكلمته: هَجَرَ. وإذا بعض المدافعين عنه قالوا: لعلّه قال: هَجَرَ على سبيل الاستفهام، ولا فرق بينهما في الكتابة. ثمّ جاء بعض آخر فأراد أن يثبّت هذا الاستفهام ويؤيّده، فوضع همزة الاستفهام في أوّل الكلمة وقال: أهَجَرَ؟ ثمّ أضاف مدافعون آخرون جملة: اسْتَفْهِمُوهُ، لتثبيت كلمتهم: أهَجَرَ؟
ونجد في الروايات كثيراً من هذه التصرّفات التي تتّضح للشخص الخبير مواضع التغيير والتحريف فيها. وقد استبان جيّداً من خلال بحثنا هذا، ومن خلال عقد المقارنة بين روايات البخاريّ، ومسلم، وابن سعد أنّ كلمة عمر كانت هَجَرَ ويَهْجُرُ، ولا ريب أنّ التغييرات الواردة في ألفاظ الروايات المختلفة نابعة من تدخّل الرواة والمحدِّثين وتحريفهم.
البحث الثالث: ما ذا كان يقصد رسول الله صلى الله عليه وآله من الكتابة؟ وما هو الشيء الذي أراد أن يكتبه فلا تضلّ امّته بعده أبداً؟
ويمكننا أن نستخرج الجواب ابتداءً من كلام عمر نفسه: عِنْدَكُمُ القُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ وهو الوارد في صحيحة البخاريّ الأولى. وكذلك من كلامه الآخر: عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا، وهو المأثور في صحيحته الثانية. أي: أنّنا نستطيع أن نفهم ما ذا أراد الرسول الأعظم أن يكتب عند ما طلب دواة وكتفاً، وذلك من خلال كلام عمر نفسه، بلا رجوع إلى الأخبار والشواهد التأريخيّة، والروايات والقرائن الموجودة. ولمّا كان عمر في مقام الاعتراض على كتابة رسول الله. قال: حَسْبُنَا كتاب الله وكَفَانَا كتاب الله. وينكشف لنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يريد أن يلحق بالقرآن شيئاً آخراً، أو يجعله حجّة للمسلمين، بَيدَ أنّ عمر منع من إلحاقه بالقرآن أو إفراده بالحجّيّة والولاية. وليس هذا الشيء إلّا العترة الطاهرة المتمثّلة بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأبنائه المعصومين.
وذلك هو ما جاءت به الأحاديث المتواترة -بل التي فاقت حدّ التواتر- وهي التي ذكرها الشيعة والعامّة في كتبهم بمئات الأسانيد، وفيها أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله خطب في مواطن عديدة، منها في مرضه الذي مات فيه، حيث ذهب إلى المسجد، فقال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. ونحن قد ذكرنا في بحثنا هذا خطبة رسول الله -حين مرضه- في المسجد حول حجّيّة القرآن والعترة وخلافتهما باللفظ المذكور نقلًا عن الشيخ المفيد في «الإرشاد»،[18] وابن سعد في «الطبقات الكبرى».[19]
ولكنّ القوم لمّا حالوا دون تطبيق تلك الخطب الشفويّة عمليّاً، وحاولوا معارضة ذلك وطمسه، وكان رسول الله يعرف هذا الموضوع، لذلك أراد أن يثبّته ويعزّزه خطّيّاً وهو على فراش المرض، وفي يوم الخميس الذي سمّاه ابن عبّاس يوم الرزيّة، أثار عمر الخلاف بجلبته وضجيجه ولغطه وصياحه ولغوه فجرح مشاعر رسول الله، حتى أعرض صلى الله عليه وآله بوجهه الكريم عنهم وقال لهم: قوموا!
فلهذا لمّا قالوا: نأتيك بالدواة والكتف! قال: أبَعْدَ الذي قُلْتُمْ؟ لَا، ولَكِنِّي اوصِيكُمْ بِأهْلِ بَيْتِي خَيْراً. ويتبيّن أنّ موضوع كتابته هم أهل البيت، بَيدَ أنّه لمّا تعذّرت عليه الوصيّة الخطّيّة، اجتزأ بالوصيّة الشفويّة.
ونقرأ في رواية البخاريّ الثالثة ورواية مسلم الأولى اللتين ذكرناهما هنا أنّ رسول الله يوصي بثلاث. والراوي هو سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. قال: وسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أوْ انسِيتُهَا. سكت ابن عبّاس عن الثالثة، أو قال: وأنا سعيد بن جبير راوي هذا الحديث قد نسيتها. والواضح هو أنّ تلك الوصيّة هي الأمر بالتمسّك بالعترة، وحجّيّة إمارة وولاية أمير المؤمنين وذرّيّته حتى الإمام الثاني عشر عليهم السلام، وهو ما جاء في حديث الثَّقَلَين. ولا جرم أنّ ابن عبّاس لم يسكت، وابن جبير لم يَنْسَ، وإنّما هي ظُلمة عصر السياسة والاستبداد التي انتهت بسيف الحجّاج بن يوسف الثَّقَفيّ أنست سعيد بن جبير ومنعته من ذكرها.[20]
وأمّا الاحتمال القائل إنّ الوصيّة الثالثة هي الوصيّة بجيش اسامة، فليس له محلٌّ من الإعراب هنا، وهو ما ذكره محمّد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على صحيح مسلم نقلًا عن المهلّب. وهذا ليس بِذِي بالٍ فيُسكت ابن عبّاس أو يُنسي ابن جبير.
إنّ الدليل الواضح على أنّ المراد من كتابة رسول الله صلى الله عليه وآله الوصيّة بخلافة أمير المؤمنين عليه السلام هو ما قاله عمر نفسه: إنّي كنتُ أعلم أنّ رسول الله أراد أن يوصي في مرضه لعليّ بن أبي طالب فخالفته وصددته.[21]
ذكر ابن أبي الحديد سفر ابن عبّاس مع عمر إلى الشام، ونقل أنّ عمر أخبره في الطريق بعتابه لأمير المؤمنين عليه السلام لعدم اصطحابه في سفره إلى الشام، وهو يراه واجداً عليه. وبلغ كلامه موضعاً قال فيه: ذُكر جواب عمر لابن عبّاس بطريق آخر وهو قوله: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ أرَادَ أنْ يَذْكُرَهُ لِلأمْرِ في مَرَضِهِ فَصَدَدْتُهُ عَنْهُ خَوْفاً مِنَ الفِتْنَةِ وانْتِشَارِ أمْرِ الإسْلَامِ، فَعَلِمَ مَا في نَفْسِي وأمْسَكَ، وأبى اللهُ إلَّا إمْضَاءَ مَا حَتَمَ.[22]
وقد ذكرنا تفصيل هذا السفر في الجزء السابع من كتابنا هذا «معرفة الإمام». وتحدّثنا أيضاً في بعض المواضع عن منع عمر رسول الله من الكتابة.[23] ولكنّ حديثنا كان في كلّ موضع حسب مناسبته الخاصّة، وورد هنا لمناسبة الأمر بالكتابة وحديث الثقلين. لذلك فمضافاً إلى أنّ مطالباً بديعة وواضحة قد مرّت في كلّ موضع، فهذا الموضع أيضاً قد فصّلنا فيه إجمالًا، بَيدَ أنّه ليس فيه تكرار أبداً، بل إنّ المطالب فيه جديدة أيضاً.
البحث الرابع: لو تغاضينا عن الوصاية لأمير المؤمنين عليه السلام، فإنّ كلام عمر: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، وعِنْدَكُمُ القُرْآنُ خطأ في حدّ نفسه سواء أوصى النبيّ لأمير المؤمنين بالخلافة أم لم يُوصِ، ذلك أنّ لكلام رسول الله حُجّيّة في كلّ موضوع حسب ما نصّ عليه القرآن الكريم. قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ.[24] وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.[25] وقال: وما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ.[26] وقال: وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.[27] وقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ، وما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ.[28]
في ضوء هذه الآيات القرآنيّة وآيات كثيرة غيرها، تكون طاعة الرسول واجبة كطاعة الله المتمثّلة في كتاب الله. وأنّ فرز حُجّيّة القرآن عن حُجّيّة كلام الرسول جمع بين المتناقضين.[29]
مضافاً إلى ذلك أنّ القرآن نفسه يثبت وجوب قبول قول النبيّ. وأنّ العمل بالكتاب دون طاعة الرسول نقض للعمل بالكتاب. إذن كان عمر أوّل مَن رفض السُّنَّة، أي: أوّل من تجاهل وأهمل قول رسول الله. بل هو لم يعمل حتى بقوله: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فهو قد رفض الكتاب والسنّة معاً ونبذهما جانباً. أمّا الشيعة فقد عملوا بالكتاب والسنّة كليهما. فهم السنّة الحقيقيّون حقّاً. أمّا السُّنَّة فلا كتاب لهم ولا سنّة، إذ رفضوا السنّة، ومن ثمّ رفضوا الكتاب، مع ذلك فإنّهم وضعوا لهم اسماً بلا مسمّى ولا محتوى، أي: أهل السنّة والتابعين كلام رسول الله، وسمّوا الشيعة رافضةً، في حين هم الرافضة أنفسهم، والشيعة هم السنّة الحقيقيّون. وهذه مكيدة من مكائدهم إذ يرون أنفسهم محقّين من خلال اسم ونسبة غير صحيحة، ويرون الشيعة مبطلين بلا دليل مقنع.
البحث الخامس: هل توافق القرآن نسبةُ الهجر والهذيان إلى رسول الله، أو قولُ: قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ، ورفع الصوت عالياً عند رسول الله، ونبذ رأيه وتقديم آرائهم مهما كان المنطلق والنيّة؟ فالقرآن الكريم يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.[30] لا تُبدوا آراءكم في العمل والإرادة، ولا تقدّموا آراءكم وعقائدكم بل اتّبعوهما دائماً واقتفوا أحكامهما!
ويقول أيضاً: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ[31]
ويقول بعدها: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ عَظِيمٌ.[32]
وحينئذٍ ما هو التناسب بين رفع الصوت والجَلَبة واللَّغَط لطمس إمامة عليّ المعصوم وآله الطاهرين. وبين موازين القرآن؟ وأيّ صوت وجلبة ولَغَط؟ إنّه الصوت والجلبة واللَّغَط الذي آذى رسول الله!
البحث السادس: كان عمر يعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله هو الاسوة الوحيدة للحقّ والحقيقة وإقصاء الباطل: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ والْيَوْمَ الْآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً.[33]
وكان يعلم أنّ كلّ دعوة لرسول الله صلى الله عليه وآله هي دعوة إلى الحياة الحقيقيّة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ.[34]
وكان يعلم أنّ مصير مَن يخالف رسول الله صلى الله عليه وآله ويخاصمه جهنّم. قال تعالى: ومَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيراً.[35]
وكان يعلم قوله تعالى: والنَّجْمِ إِذا هَوى ، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وما غَوى ، وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى.[36]
وكان يعلم أنّ قول رسول الله ليس قولًا شعريّاً خياليّاً لفّقه من عنده. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، وما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ، ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.[37]
كان عمر يعلم ذلك كلّه جيّداً، وهذه آيات كانت تتلى ليل نهار، لعلّ أطفال المدينة كانوا يعلمونها أيضاً. ولا يعقل مسلماً ينسب الهجر أو الكلام الصادر من شدّة الوجع والمحكي عبثاً ولغواً إلى نبيّه أبداً.
كان عمر يعرف ذلك بأسره، وأنّ ما نسبه من الهجر إلى رسول الله لم يقله صادقاً، إذ إنّه نفسه لم يعتقد أنّ النبيّ يهجر، بَيدَ أنّه تفوّه بذلك اللفظ البذيء لإثارة اللَّغَط والفتنة والفوضى. وأراد هو وأعوانه أن يؤذي النبيّ من خلال افتعال ذلك الموقف الشائن، ومن ثمّ يحول دون تحقيق هدف النبيّ، وقد بلغ ما أراد.
فلهذا عند ما قال صلى الله عليه وآله: قُومُوا، قاموا قاطبة وذهبوا ولم يقل أحد منهم إنّ هذا الكلام (قوموا) هَجْر! وما علينا إلّا الجلوس وعدم الذهاب!
وكان ينبغي أن تكتب رسالة النبيّ الأعظم في وصاية أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين في مثل ذلك المجلس الذي كان يضمّ عُلِّيَّة القوم ووجهاءهم من قريش، وبعبارة اخرى، أهل الحلّ والعقد منهم، لتكون حجّة عليهم، وإلّا كان صلى الله عليه وآله قادراً على أن يكتب ذلك في الخفاء أو بمحضر بعض الصحابة من أولى النُّهَى والبصائر، لكنّهم كانوا سينكرونها، إذ لن يقولوا: هذا ليس إملاء النبيّ وختمه، بل يقولون: كتب ذلك من وحي الهجر وغلبة المرض. إنّهم بتكتّلهم تقوّلوا على النبيّ الهجر وهو حيّ بين ظهرانيهم، فكيف إذا غاب عنهم؟ أ لا يفعلون في غيابه كما فعلوا في حياته؟
وما فتئ صلى الله عليه وآله يدعو إلى وصاية عليّ عليه السلام وخلافته طول عصر نبوّته ابتداءً من اليوم الأوّل لدعوته العامّة في دار أبي طالب، إذ أنذر عشيرته الأقربين، حتى اللحظات الأخيرة من حياته المقدّسة. بَيدَ أنّه امر بالتوقّف عند غدير خُمّ لإعلان ذلك رسميّاً، فأوقف الركب كلّه وألقى خطبته الغرّاء الشاملة الكاملة في الحاضرين.
لكنّه لمّا أحسّ أنّ زاعمي الخلافة وأترابهم لم يهتمّوا بتلك الخطبة، وأنّ روح النبوّة في خطر بسبب عزل عليّ عليه السلام، عزم على تدوين ما قاله شفويّاً ورأى ذلك لزاماً عليه، فبادر إلى الكتابة وختمها بختم النبوّة.
كان عمر يتحدّث يوماً في أيّام خلافته مع ابن عبّاس. ودار حديثه حول عليّ بن أبي طالب، وأقرّ في حديثه بأنّ أحداً لا يليق بالخلافة بعد رسول الله غيره، وذكر بأنّ سبب إقصائه هو حداثة سنّه وحبّه بني عبد المطّلب،[38] وقال بصراحة: كان أبو بكر منذ اليوم الأوّل كارهاً خلافة عليّ.[39]
من هذا المنطلق نجد أنّ عمر وأبا بكر كانا مترافقين متعاونين دائماً سواء في حياة رسول الله أو بعد مماته. وقد تاخيا معاً في المؤاخاة التي عقدها رسول الله. وكلاهما تخلّف عن جيش اسامة قبيل رحيل رسول الله، وتباطا وفترا وأتيا بالمعاذير الواهية، إلى أن قُبِض رسول الله فأسرعا إلى السقيفة عاجلًا، وكَانَا يَتَسَابَقَانِ على حدّ تعبير ابن أبي الحديد.
وعلى هذا الأساس قال عمر بمحضر رسول الله في مجلس الرزيّة المعهود: إذا مات النبيّ، فنحن ننتظره حتى يرجع فيفتح حواضر الروم، كأصحاب موسى الذين انتظروه ورجع إليهم. وكان كلام عمر هذا من أجل أن يقول حين وفاة النبيّ أنّه لم يمت. وقد فعل ذلك، وشهر سيفه، وجاب أزقّة المدينة وهو يقول: ما مات رسول الله ومَن قال إنّه مات ضربت عنقه بسيفي هذا. لما ذا كان ذلك؟ كان ذلك لأنّ أبا بكر لم يكن حاضراً في المدينة وقتئذٍ، إذ كان ذهب إلى زوجته في السُّنْح على فرسخ من المدينة.
وما كان يتمّ أمر الخلافة بدون قدوم أبي بكر، وكان قلقاً من انثيال الناس على أمير المؤمنين فور سماعهم خبر وفاة النبيّ، إذ يبادر المهاجرون والأنصار إلى بيت رسول الله الذي كان فيه أمير المؤمنين فيبايعونه، وحينئذٍ تبطل خططهم ويُنْقَضُ نسجهم وتذهب جهودهم كلّها أدراج الرياح. فلهذا سلّ سيفه ونادى إنّ رسول الله لم يمت، حتى تزبّد شدقاه، وأراد من ذلك أن يُبقي الناس على ما هم عليه ريثما يعود أبو بكر من السنح.
وما إن قال أبو بكر: مات النبيّ وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ إلى آخر الآية، قال عمر هذا صحيح، مات رسول الله. وكلاهما لم يأت دار رسول الله، ولم يشهدا جنازته، ولم يصلّيا عليه. بل توجّها إلى سقيفة بني ساعدة، ونصب عمر صاحبه أبا بكر خليفة للمسلمين بمكيدة وكلمات سجّلها التأريخ.
ومن الجلاء بمكان أنّ هذا الطريق هو طريق الضلال والغي، ولو تعبّدوا بنصّ رسول الله، واستجابوا لأمره في الكتابة لأمِنُوا مِنَ الضَّلَالِ، ورتعوا في وادي الأمن والأمان الخصب، وكانوا على الصراط المستقيم السويّ، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال: لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أبَداً.[40] لكنّهم
غرقوا في الضلالة وأوّل درجتها نسبة الهجر والهذيان إلى رسول الله.
وليتهم اكتفوا بعدم امتثال أمر رسول الله، وعدم جلب الدواة والكتف، ولم يردّوا كلام رسول الله بقولهم: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. وكأنّ النبيّ لم يعرف منزلة كتاب الله بينهم! أو كانوا أعرف منه بخواصّ الكتاب وفوائده وآثاره وأرادوا أن ينبّهوه على هذه النقطة.
وليتهم اكتفوا بقوله: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، ولم يتفوّهوا بكلمتهم القبيحة: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ بوجه ذلك النبيّ المبعوث رحمةً للعالمين وهو يُحْتَضَر. ما ذا قالوا في وداع النبيّ الأكرم وهو في اللحظات الأخيرة من حياته؟ لقد قاموا من المجلس تاركين له وهم يقولون: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ!
وليتهم أدركوا أنّهم بحاجة ماسّة إلى كتابة رسول الله، وأنّ القرآن وحده لا يكفيهم، لأنّ القرآن هو الذي جعل كلام رسول الله حجّة، وضمّ في طيّاته قوله: وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.[41] وليتهم عرفوا أنّ النبيّ والإمام هما روح القرآن، وأنّ كلامهما سند القرآن وأنّ القرآن بلا إمام كالقِربة بلا ماء.
وليتهم وآلاف ليتهم كانوا يفهمون، فلم يجرّوا أنفسهم والامّة وراءهم إلى الضلال حتى يوم القيامة.
ونحن إذا نظرنا في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله: إئْتُونِي أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. وكلامه الآخر في حديث الثقلين: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي! ووازنّا بينهما، نجدهما ذوَي مفاد واحد، وهو ضمان عدم الضلالة الأبديّة على نهج واحد. فوجودهما معاً (الكتاب والعترة) لازم وضروريّ. ولا شكّ أنّ ما أراد أن يكتبه رسول الله هو: «عَلَيْكُم بِعَلِيّ بن أبي طالب ووُلْده المعصومين من بعدي إماماً وخليفةً» وأمثال هذه العبارات. وهذه الكتابة في الحقيقة تفصيل إجمال حديث الثَّقَلين، إذ أراد رسول الله أن يعيّن الثقل الآخر باسمه وسِمَته خطّيّاً.[42]
البحث السابع: سبب عدم كتابة رسول الله صلى الله عليه وآله في وقت كان عمر ومرافقوه لم يقوموا بعد ولم يذهبوا، إذ طلب بعض الحاضرين من النبيّ أن يأتيه بما أراد، فقال: لا! بعد الذي قلتم.
لعلّ شخصاً يقول هنا: ما ضرّ لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كتب ما أراده بعد انصرافهم، وأودعه أمير المؤمنين أو عمّه العبّاس ليكون حجّة قاطعة على الجميع، بخاصّة في مثل هذا الموضوع الخطير الذي يكفل سعادة الامّة وينقذها من الضلال؟
وجوابه أنّ الظروف كانت بنحو لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كتب فيها ما أراد، لرفع الحزب المعارض عقيرته قائلًا: لقد كتب رسول الله هذه الورقة من وحي الهجر وخبط الدماغ والعياذ بالله من ذلك، وحينئذٍ تفقد جميع كلماته التي تفوّه بها في مرضه حُجّيّتها. وتدلّ القرائن والشواهد على أنّ القوم بلغوا هذه المرحلة من انتهاك الحُرمة. وأنّ مَن نسب إلى رسول الله الهجر والهذيان بمحضر الصحابة والنساء اللائي كُنَّ خلف الستار ورسول الله حيّ، يسهل عليه الإنكار والقذف بالهجر أيضاً، كما نسب أبو بكر الكذب إلى الصِّديقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها التي امتلأت مجاميع أهل السُّنَّة وكتبهم بالأحاديث النبويّة في شأنها، ومنها أنّ رسول الله قال: «سيّدة نساء أهل الجنّة»، وفيها وفي أبيها وبعلها وولديها الحسنين نزلت آية التطهير في القرآن الكريم. ومن المؤلم حقّاً أن يكذّبها أبو بكر، ويطلب منها شاهداً على فدك، ويغصب منها فدكاً بحديث موضوع هو وضعه ونسبه إلى أعرابيّ بَوَّال على عَقِبَيْه: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، وما ورّثناه صدقة للمسلمين».
وأنّ من وضع الحبل في عنق أمير المؤمنين عليه السلام وقاده إلى المسجد من أجل البيعة، وجرّ صدّيقته معفّرةً بالتراب ملطّخةً بالدم، وأسقط جنينها، وضربها بالسوط على عضدها حتى ظلّ بادياً كالدملج إلى أن ماتت، فهذا الشخص ممّ يخاف إن أنكر كتابة رسول الله؟ وممّ يخشى إن تقوّل بالهجر وعدّ كلمات رسول الله في مرضه لغواً وعبثاً؟ إنّ الموضوع المهمّ هنا هو أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله تنازل عن الكتابة احتراماً لسُّنَّته وصوناً لحرمته، وحجّيّة قوله الذي هو عِدل كتاب الله، وأغضى عن هذا الأمر حفظاً لجماعة المسلمين وشوكتهم، وحرصاً على بقاء كتاب الله. كما كان يُرجئ الخطبة الغديريّة التي كُلِّف بإلقائها لتعريف عليّ خوفاً من حدوث الانشقاق بين المسلمين إلى أن هبط جبرائيل مهدّداً بقوله تعالى: وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ.[43]
لقد واجه عمر رسول الله في مواطن عديدة، وتصرّف معه بغلظة وفظاظة. وأنّ رزيّة يوم الخميس التي كان يبكي لها ابن عبّاس حتى ابتلّت الأرض من دموع عينيه التي كانت تسيل من وجهه ليست أوّل تصرّف فظّ اجترحه عمر مع رسول الله، فقد سبقه تصرّفه الشائن في صلح الحديبيّة، إذ افتعل تلك الواقعة التأريخيّة، وكان على رأس المناوئين لرسول الله والمتّهمين إيّاه بالكذب،[44] حتى قال هو نفسه من أجل كفّارة ذلك: مَا زِلْتُ أصُومُ وأتَصَدَّقُ واصَلِّي واعْتِقُ مَخَافَةَ كَلَامِي الذي تَكَلَّمْتُ بِهِ.[45]
وكان تصرّفه قبيحاً فظّاً شاذّاً مع النبيّ عند ما أراد أن يصلّي على جنازة عبد الله بن ابيّ حتى صرفه عن ذلك باعتراضه قائلًا: لِمَ تصلّي على رجل منافق؟ وهذا ما أثبتته كتب التأريخ كلّها.[46]
أمّا رزيّة يوم الخميس فقد كانت أشدّ، لأنّه هو وزمرته كانوا جميعهم حاضرين في مجلس رسول الله، وقد أخلّوا بنظم المجلس، وهو نفسه نسب الهجر والهذيان إلى رسول الله، ودعمه أترابه، أي: كلّهم تقوّلوا بالهجر والهذيان حتى عطّلوا المجلس ولم يستطع النبيّ أن يحقّق هدفه. فلو كتب النبيّ ورقة في مثل ذلك الجوّ، أ لا يمزّقونها؟ أ لم يمزّق عمر سند فدك الذي كانت فاطمة عليها السلام قد أخذته من أبي بكر؟ وجاء إلى أبي بكر وقال له بفظاظة: كيف تُرجع السند إلى فاطمة في مثل هذه الحالة التي يحتاج فيها المسلمون إلى المال؟!
سألتُ سماحة سيّد الأساتذة آية الله العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه الزكيّة يوماً فقلتُ له: ما ضرّ لو صرّح الله تعالى باسم عليّ في القرآن كما صرّح باسم محمّد تجنّباً لهذا الخلاف العميق؟ فقال: لو فعل ذلك لحذفوه بسهولة. فلهذا لم يصرّح به حفظاً لكتابه العظيم.
إذن، غياب اسم عليّ عن القرآن لا يضرّ الإسلام والإيمان والولاية والمؤمنين، لأنّ الذين اتّبعوا السنّة واقتفوا كلام نبيّهم كانوا شيعة عليّ الذائبين فيه يوم كان نبيّهم بين ظهرانيهم. والمؤمنون حقّ الإيمان هم شيعته المغرمون به منذ يوم الخميس الذي لم يستطع أن يكتب فيه رسول الله شيئاً إلى يومنا هذا. وها هو التشيّع اليوم يرتقى في سيره التصاعديّ وتعلو رايته في أرجاء شتّى من العالم، إذ نشهد سنويّاً إقبالًا متعاظماً عليه من أتباع مختلف المذاهب.[47]
البحث الثامن: تزعزع شأن الولاية وفُتح باب الاجتهاد في مقابل النصّ في موقف عمر بتقدّمه على كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسنّته يوم الخميس. ولقد آثر هو وصاحبه أبو بكر رأييهما على سنّة رسول الله مصلحة للمسلمين بزعمهما، وكانت محصّلة ذلك إقصاء السنّة والكتاب معاً، وتراكم الآراء الفاسدة في مقابل القرآن. وقد ضيّعا الحقائق في كلّ موضوع من الموضوعات بذريعة المصلحة. وفُتح باب الاجتهاد في مقابل كتاب الله وسنّة رسوله بنحو لم يُعْهَدْ مثله حتى ذلك اليوم قطّ. ولوحظ في كلّ يوم موضوع جديد يغاير الكتاب والسنّة، ووقع أصل الدين وحقائقه في الخطر بغلالة ولاية المصلحة التي يتطلّبها الزمان، حتى وصل الدور إلى عثمان الذي قدّم رأيه على كتاب الله بصراحة، وحطّم سنّة رسول الله عمليّاً، وضرب معاوية على وتر: «أنا ربّكم الأعلى» في الشام. وأخيراً، أغار الأمويّون على الكتاب والسنّة خلال ثمانين سنة من حكمهم، وجاء بعدهم العبّاسيّون ففعلوا كفعل أسلافهم طول خمسمائة سنة من حكمهم، وجرى كلّ ذلك تحت غطاء الإمارة والولاية ومصلحة المسلمين. وهُجرت حقيقة الكتاب والولاية وغُربت. وفُتح هذا الباب حتى قيام قائم آل محمّد صلى الله عليه وآله.
وقد أمضى فقهاء العامّة وقضاتهم من أمثال شُريح جرائم حكّام الجور وامراء الظلم جميعها تحت عنوان: تَأوَّلَ فَأخْطَأ. وأيّدوهم في جرائمهم. وفي باب ولاية الفقيه والحاكم. أحبطوا وخرّبوا أحكام القرآن الثابتة وسنّة رسول الله المقطوع بها، أو نسوا أو تناسوا أنّ ولاية الفقيه في الموضوعات الشخصيّة الاجتماعيّة، لا في تبديل وتغيير الكتاب وأحكام السنّة. وسمّوا امراء الجور خلفاء تجب طاعتهم حسب سنّة عمر وأبي بكر، وأضفوا عليهم لقب اولو الأمر. وأبادوا معارضيهم تحت لظى سياطهم وتعذيبهم وحبسهم وإعدامهم وصلبهم وتخريب بيوتهم على رؤوسهم بتهمة مخالفة رأى الفقيه والحاكم المفترض الطاعة.
البحث التاسع: من الواضح أنّ الوضع الذي أوجده الحزب المناوئ لأمير المؤمنين عليه السلام منذ ذلك الحين، وما كان يمارسه هذا الحزب، إذ كان يتبادل الأخبار على شكل شبكة اتّصال بين ما يجري داخل البيت النبويّ (عائشة وحفصة وغيرهما) وبين ما يجري خارج البيت، وقد أتى بعمر إلى الميدان وحطّم السنّة من خلال انتهاك حرمة الرسول الأعظم بنطق الهذيان والهجر، فذلك الوضع لا يمكن للحزب المنتصر معه أن يعمل حسب نهج رسول الله إذا أراد أن يبقى ممسكاً بزمام الامور، إذ إنّ ذلك النهج كان قراءة كتاب الله والتدبّر فيه، ونقل حديث رسول الله وبيانه، وذِكره وعرض مواعظه وأحكامه وخطبه في كلّ مجلس ومحفل.
أجل، إذا أراد هذا الحزب أن يدع الناس أحراراً في بيان الحديث والسنّة، فلا شكّ أنّ الحديث سيدور حول مقام ومنزلة أهل بيت العترة وعلوم أمير المؤمنين عليه السلام اللامتناهية وفضائله ومناقبه، وسيرة الصدِّيقة الكبرى ومنهاجها، وطهارة آل العباء وعصمتهم، وأمثال هذه الموضوعات التي كان المؤمنون يسمعونها من رسول الله منذ بداية النبوّة حتى ذلك الحين. وسيحوم الكلام حول مثالب الخلفاء المتحكّمين وسيّئاتهم، وحزبهم في داخل بيت النبيّ (عائشة وحفصة)، وخارجه الذي يُمثّله الفارّون من الحروب، وكذلك يحوم حول انتهاك حرمة الرسول، وقتل ابنته رقيّة على يد عثمان، ومقتل الصدِّيقة الكبرى بعد غارة الحزب المنتصر على بيتها لإخراج المعتصمين فيه، من أجل البيعة والتسليم لذلك النظام الظالم. وسيحوم أيضاً حول تفسير الآيات القرآنيّة التي بيّنها النبيّ كلّها، وهي حافلة بذكر مولى المتّقين ومقامه وشأن نزول الآيات فيه. وسيتناول الحديث حقائق وأسرار لا شأن للحزب المذكور بها طبيعيّاً.
فلهذا، ما إن تصرّمت سنتا أبي بكر، وجاء دور عمر، حتى منع طرح السنّة النبويّة تماماً، فعادت لا تذكر في المساجد والمحافل والمدارس وخطب العيدين والجمعة على امتداد مائة وخمسين سنة بعد المنع، كما لم يدوّن كتاب في الحديث والسنّة قرابة مائة عام.
أي: أنّ ردّ عمر كلام رسول الله قد هيّأ هذه اللوازم الواسعة، ثمّ تطوّع الوضّاعون من متزلّفي بلاط معاوية كأبي هريرة وأبي الدرداء اللذين كانا من الصحابة، فوضعوا من الأحاديث في مناقب أبي بكر وعمر وعثمان، وعائشة بخاصّة ما ملأ الكتب وطوامير المسانيد والصحاح، وقلّلوا الأحاديث المأثورة في فضائل أمير المؤمنين وآل العبا إلى درجة أنّك نادراً ما تجد فيها حديثاً بشأنهم.
وعليه، فإنّ الأحاديث الواردة كلّها في هذا المجال موضوعة، ولا ينظر الشيعة إلى صحّة السند في مثل هذه الحالات، بل يرون المتن دليلًا على كذبه، لأنّه من الواضح أنّ الحزب الذي انتصر وقمع معارضيه بالسيف والحجر والقتل صبراً، وارتكب الجرائم النكراء -كجريمته في واقعة الطفّ، وواقعة محمّد وإبراهيم وَلَدَي عبد الله المحض، وواقعة زيد بن عليّ بن الحسين وابنه يحيى، وواقعة الحسين بن عليّ صاحب فخّ القريبة من المدينة، وهي كواقعة الطفّ، ثمّ تأمير العبّاسيّين أنفسهم وسعيهم في إطفاء نور منافسيهم من أولاد فاطمة عليها السلام وحياتهم وعلمهم وحتى حياتهم المادّيّة- سوف لن يتورّع في تحريف السنّة النبويّة وافتراء الأحاديث الكاذبة على رسول الله ممّا يقبله الناس جميعهم.
[1] هَلُمَّ: تعال. وهو لازم، وقد يتعدّى كقوله تعالى: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ وهلمّ اسم فعل يستوي فيه المفرد والجمع والمذكّر والمؤنّث. ويُصْرَف ويُتَّخذ فعلًا ويُلْحَقُ به ضمير. ويقال في تثنيته: هَلُمَّا، وفي تأنيثه: هلمِّي، وفي الجمع: هلمّوا.
[2] اللَّغط: الصوت والجَلَبة، أو أصوات مبهمة لا تُفهم.
[3] ذكر البخاريّ هذا الحديث في كتاب الطبّ والمرضي، في باب قول المريض: قوموا عنّي. ج 7، ص 120 في طبعة بولاق سنة 1312 هـ، وفي: ج 4، ص 5، طبعة المطبعة العثمانيّة المصريّة، سنة 1351 هـ، وفي: ج 4، ص 6، طبعة مطبعة دار إحياء الكتب العربيّة مع حاشية سندي؛ ونقله البخاريّ أيضاً في كتاب النبيّ، باب مرضه، طبعة بولاق، ج 6، ص 9 و10، وذكر قوله: «قال بعضهم» مكان قوله: «قال عمر».
[4] ورواها الشيخ المفيد أيضاً في أماليه، طبعة جماعة المدرّسين ص 36 و37 بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس بهذا المتن عينه. وجاءت كلمة «أبداً» بعد كلمة «بعده». ووردت «قوموا» مكان «قرّبوا»، وتلحظ فيه زيادة في كلام عمر: «لا تأتوه بشيء» أيضاً. وقال في التعليقة: قال العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه: خبر طلب رسول الله صلى الله عليه وآله الدواة والكتف ومنع عمر عن ذلك مع اختلاف ألفاظه متواتر بالمعنى، وأورده البخاريّ ومسلم وغيرهما من محدّثي العامّة في صحاحهم، وقد أورده البخاريّ في مواضع من صحيحه منها في الصفحة الثانية من مفتتحه.
[5] «صحيح البخاريّ» ج 1، ص 30، كتاب العلم، باب كتابة العلم، طبعة بولاق مصر، وفي طبعة المطبعة العثمانيّة المصريّة: ج 1، ص 22 و23، وفي: طبعة دار إحياء الكتب العربيّة مع حاشية سندي: ج 1، ص 32 و33.
[6] «صحيح البخاريّ» ج 4، ص 69 و70، كتاب الجهاد والسير، باب جوائز الوفد، طبعة بولاق، و: ج 2، ص 117، طبعة المطبعة العثمانيّة بمصر، و: ج 2، ص 178، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة. وتتمّة الحديث: يقول يعقوب بن محمّد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب أين تكون؟ فقال: مكّة والمدينة واليمامة واليمن. وقال يعقوب: العرج أوّل تهامة.
[7] قال في «المصباح»: اللوح كلّ صحيفة من خشب وكتف، إذا كُتب عليه سمّي لوحاً؛ والدواة هي التي يُكْتَب فيها.
[8] انظر: «صحيح مسلم» ج 2، ص 15 و16، طبعة عيسى البابيّ الحلبيّ بمصر، وفي طبعة دار إحياء التراث العربيّ، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي: ج 3، ص 1257 و1258، الأحاديث المرقّمة 20 و21 و22. ومعنى قوله: سكت عن الثالثة، أنّ ابن عبّاس امتنع عن ذكرها. ومعنى قوله: انسيتها، أنّ سعيد بن جبير نساها.
[9] ذكر ابن الأثير الجزريّ في كتاب «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 320، طبعة بيروت 1385 هـ، الرواية الثالثة التي نقلناها عن البخاريّ. وأورد أبو الفداء الدمشقيّ في «البداية والنهاية» ج 5، ص 227، الحديث الذي نقلناه عن مسلم في صحيحه، وجاء فيه: ما شأنه؟ يهجر استفهموه، ونقله أبو الفداء عن مسلم والبخاريّ كليهما، والحديث الأوّل الذي نقلناه عن البخاريّ ومسلم. نقله هو أيضاً عنهما.
[10] ويمكن أن يكون المعني كالآتي: إذا مرض، تبكين عليه، وإذا صحّ، تأخذن بعنقه. (كناية عن إعناته وإيقاعه في المشقّة).
[11] كما روي الملّا علي المتّقي الهنديّ في «كنز العمّال» ج 3، ص 138، الطبعة الأولى.
[12] «الطبقات الكبرى» ج 2، ص 242، طبعة بيروت، سنة 1376 هـ: ذكر الكتاب الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكتبه لُامّته في مرضه الذي مات فيه.
[13] أورد المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ رحمه الله في كتاب «أعيان الشيعة» ج 2، ص 226 إلى 232، الطبعة الثانية، من المطالب التي ذكرها الشيخ المفيد في «الإرشاد» والتي نقلناها هنا وكذلك روايات العامّة عن البخاريّ، ومسلم. وذكر السيّد ابن طاووس كثيراً من هذه الروايات في طرائفه، طبعة مطبعة الخيّام بقم، ص 431 إلى 435 تحت عنوان: منع عمر النبيّ صلى الله عليه وآله عند وفاته أن يكتب كتاباً لا يضلّ بعده أبداً، عن محمّد بن عليّ المازندرانيّ في كتاب «أسباب نزول القرآن»، وعن الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين»، وعن مسند أحمد بن حنبل، وصحيح مسلم، وصحيح البخاريّ. وعرض بحثاً كلاميّاً دقيقاً. خاطب عمر وحاكمه وعاتبه في مواطن كثيرة منتحلًا اسم عبد المحمود. فأدان عمر إدانة قاطعة وحمّله آثام الامّة كلّها، وألقى على عاتقه جميع أسباب الخلافات، ونشوب الحروب والمذابح والنهب والسلب، وضلال الامّة بعد رسول الله. وعدّه السبب الوحيد للانحراف.
[14] يُستشفّ من أخبار العامّة وأحاديثهم أنّ لعمر صحابة وأتباع وعصابة كما كان لرسول الله صحابة وأتباع. روى العلّامة شرف الدين في «النصّ والاجتهاد» ص 177، الطبعة الثانية، عن «سنن أبي داود» المثبّتة في هامش شرح الزرقانيّ على موطّأ مالك، وكذلك في ص 103 من الجزء الثاني لشرح الزرقانيّ الموجود في هامش الصفحة، في باب حجّ التمتّع وكراهة عمر التمتّع بالنساء وسط العمرة إلى الحجّ، قال: وهذا ما كَرِهَهُ عُمَر وبعضُ أتباعِهِ فقال قائلهم: أ نَنطلقُ وذكورنا تقطر؟ من جهة اخرى، لمّا سأل أبو موسى الأشعريّ عمر عن هذه المسألة -وفقاً لرواية الإمام أحمد في ص 50 من الجزء الأوّل لمسنده من حديث عمر- قال له عمر مجيباً: قد علمتُ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد فعله هو وأصحابه ولكن كرهت أن يضلّوا بها معرّسين في الأراك ثمّ يروحون بالحجّ تقطر رؤوسهم! ونجد هنا بكلّ وضوح أنّ عمر وأصحابه في جانب، ورسول الله وصحابته في جانب آخر. فافهم وتأمّل واغتنم.
[15] «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 20، طبعة دار الكتب العربيّة الكبرى.
[16] هَجَرَ يَهْجُرُ هَجْراً في نَوْمِهِ أوْ مَرَضِهِ: خَلَطَ وهَذَي.
[17] حتى البخاريّ الذي نقلنا عنه الرواية الأولى عن كتاب الطبّ، في باب قول المريض: قوموا عنّي وذكر فيها هذا اللفظ: فقال عمر، نجد قد أورد هذه الرواية عينها بنفس اللفظ والسند في كتاب النبيّ، باب مرضه، طبعة بولاق، ج 6، ص 9 و10، وقال: قال بعضهم. وذكر عبارة: ومنهم من يقول غير ذلك مكان عبارة: ومن قائل ما قال عمر.
[18] «الإرشاد» ص 97، الطبعة الحجريّة.
[19] «الطبقات» ج 2، ص 194، طبعة بيروت؛ وهذا الجزء نفسه، الدرس 181 إلى 185. ومن الأدلّة الفاضحة الواضحة اعتراف الشهرستانيّ وكلامه أنّ القائل كان عمر. قال العلّامة الحلّيّ في كتاب «منهاج الكرامة» ص 48 و49، طبعة عبد الرحيم: وقد ذكر الشهرستانيّ وهو أشدّ المتعصّبين على الإماميّة: أنّ منشأ الفساد بعد إبليس الاختلافات الواقعة في مرض النبيّ صلى الله عليه وآله: فأوّل تنازع في مرضه فيما رواه البخاريّ بإسناده إلى ابن عبّاس قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ صلى الله عليه وآله مرضه الذي توفّي فيه، قال: إئتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي! فقال عمر: إنّ صاحبكم ليهجر حسبنا كتاب الله! وكثر اللَّغَط. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله: قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع!
[20] هل يعقل أنّ الصحابة الحاضرين في المجلس ينسون وصيّة رسول الله وهم الذين نُقل عنهم جودة حفظهم وقدرة أذهانهم، إذ كانت تُقرأ عليهم القصائد الطويلة مرّة واحدة فيحفظونها، وتُتلى عليهم الخطب البديعة المفصّلة فيحفظونها بلا أدنى تغيير؟ فهل يخال المرء أنّ مثل هؤلاء الرجال ينسون الوصيّة النبويّة الثالثة؟! لا، ليس الأمر كذلك، ولكنّ السياسة الحاكمة الجائرة أرغمتهم على النسيان وعدم الذكر، وذلك ما أصبح العوبة بِيَدِ اللاعبين وموضعاً لسخرية اولئك الصحابة الجهلاء حقّاً. ولا يخامرنا أدنى شكّ في أنّ تلك الوصيّة هي الوصيّة باستخلاف أمير المؤمنين عليه السلام، وقد ذكرها الراوي.
[21] «صحيح مسلم» ج 3، ص 1258، طبعة دار إحياء التراث، التعليقة رقم 4.
[22] «شرح نهج البلاغة» ج 3، ص 14، سطر 27 و28، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة الكبرى. وذكر العلّامة البحرانيّ في «غاية المرام» ص 595 إلى 620، سبعة عشر حديثاً عن طريق العامّة، منها ثمانية عن ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة»، وسبعة عن صاحب كتاب «سير الصحابة»، كما ذكر حديثين عن طريق الخاصّة: أحدهما: مفصّل جدّاً عن كتاب سُليم بن قيس الهلاليّ، والآخر عن مؤلّف كتاب «الصراط المستقيم». وكلّها تدور حول تجرّؤ عمر بن الخطّاب علي رسول الله، إذ كان يعلم أنّ النبيّ أراد أن يكتب نصّاً علي ولاية عليّ عليه السلام في مرضه الذي مات فيه.
[23] كما في الدرس 14، الجزء الأوّل من كتابنا هذا «معرفة الإمام» الدرس 91 إلى 93 من الجزء السابع منه. والدرس 110 إلى 115 من الجزء الثامن منه.
[24] الآية 80، من السورة 4: النساء.
[25] الآية 59، من السورة 4: النساء.
[26] الآية 64، من السورة 4: النساء.
[27] الآية 7، من السورة 59: الحشر.
[28] الآيات 19 إلى 22، من السورة 81: التكوير.
[29] ألّف أحمد أمين المصريّ كتاباً في اخريات حياته تراجع فيه عن كثير من التهم التي كان قد لصقها بالشيعة في كتابَيْه: «فجر الإسلام»، و«ضحى الإسلام»، وكتابه المذكور في الحقيقة كتاب توبة وإن لم يصرّح فيه بالتوبة والاعتذار. قال في ص 12 منه: وأمّا السُّنَّة فهي أهمّ مصدر بعد القرآن، وقد تجرّأ قوم فأنكروها واكتفوا بالعمل بالقرآن وحده. وهذا خطأ. ففي السُّنَّة تفسير كثير من النبيّ صلى الله عليه وآله في القرآن. ثمّ يشرح أحمد أمين هذا الموضوع بشكل مفصّل نسبيّاً.
[30] الآية 1، من السورة 49: الحجرات.
[31] الآية 2، من السورة 49: الحجرات.
[32] الآية 3، من السورة 49: الحجرات.
ومن العجيب حقّاً أنّ هذه الآيات نزلت في أبي بكر وعمر لمّا تصايحا وتنازعا عند رسول الله. قال السيّد شرف الدين العامليّ في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 196 و197، الطبعة الثانية: وكان سبب نزولها أن قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله ركب من بني تميم يسألونه أن يؤمّر عليهم رجلًا منهم، فقال أبو بكر -فيما أخرجه البخاريّ في تفسير الحجرات من الجزء الثالث من صحيحه ص 127-: يا رسول الله! أمّر عليهم القعقاع بن معبد! متقدِّماً بقوله هذا ومبادراً برأيه. فقال عمر على الفور من قول صاحبه: بل أمّر الأقرع بن حابس أخا بني مجاشع يا رسول الله! فقال أبو بكر: ما أردتَ إلّا خلافي يا عمر. وتماريا جدالًا وخصومةً، وارتفعت أصواتهما في ذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآيات الحكيمة بسبب تسرّعهما في الرأي، وتقدّمهما فيه بين يدي رسول الله ورفع أصواتهما فوق صوته صلى الله عليه وآله.
ثمّ فسّر السيّد شرف الدين الآية: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ كالآتي: نهى عن القول المشعر بأنّ لهم مدخلًا في الامور أو وزناً عند الله ورسوله، لأنّ من رفع صوته فوق صوت غيره، فقد جعل لنفسه اعتباراً خاصّاً، وصلاحيّة خاصّة، وهذا ممّا لا يجوز ولا يحسن من أحد عند رسول الله صلى الله عليه وآله.
[33] الآية 21، من السورة 33: الأحزاب.
[34] الآية 24، من السورة 8: الأنفال.
[35] الآية 115، من السورة 4: النساء.
وقال آية الله العلّامة السيّد شرف الدين العامليّ في خطبة كتاب «النصّ والاجتهاد» هامش ص 50، الطبعة الأولى 1375، بعد الاستشهاد بهذه الآية: أخرج ابن مردويه في تفسير الآية أنّ المراد بمشاققة الرسول هنا إنّما هي المشاققة في شأن عليّ [بن أبي طالب]. وأنّ الهدى في قوله: بعد ما تبيّن له الهدى إنّما هو شأنه عليه السلام. وأخرج العيّاشيّ في تفسيره نحوه. والصحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة في أنّ سبيل المؤمنين إنّما هو سبيلهم عليهم السلام.
[36] الآيات 1 إلى 5، من السورة 53: النجم.
[37] الآيات 40 إلى 43، من السورة 69: الحاقّة.
[38] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 2، ص 57 ضمن الخطبة 26، طبعة دار الإحياء، إذ قال عمر لابن عبّاس: خشيناه علي حداثة سنّه وحبّه بني عبد المطّلب.
[39] «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 58 ضمن الخطبة 26، طبعة دار الإحياء، إذ قال عمر لابن عبّاس: يا بن عبّاس! إنّ أوّل من ريّثكم عن هذا الأمر أبو بكر! إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوّة.
[40] على الرغم من أنّ عمر كان يعلم ويدرك أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، لكنّه بادر إلى غصب الخلافة منه. روى المرحوم السيّد ابن طاووس في طرائفه، طبعة مطبعة الخيّام بقم، ص 133 عن الفقيه الشافعيّ ابن المغازليّ في مناقبه بإسناده إلى نافع غلام ابن عمر قال: قلتُ لابن عمر -و نحن نعلم أنّ رأى ابن عمر كرأي عمر في مثل هذه المسائل- مَن خيرُ الناسِ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال ابن عمر: ما أنت وذاك لا امّ لك؟ ثمّ قال: أستغفر الله، خيرهم بعده من كان يحلّ له ما يحلّ له، ويحرم عليه ما يحرم عليه. قلتُ: من هو؟! قال: عليّ بن أبي طالب عليه السلام. سدّ أبواب المسجد وترك باب عليّ وقال له: لك في هذا المسجد ما لي وعليك فيه ما عَلَيّ، وأنت وارثي ووصيّي تقضي دَيني وتنجز عداتي وتقتل على سنّتي، كذب من زعم أنّه يبغضك ويحبّني. وهذه الرواية موجودة في «مناقب ابن المغازليّ» ص 261، و«بحار الأنوار» ج 39، ص 33، الطبعة الحديثة.
[41] الآية 7، من السورة 59: الحشر.
[42] قال ابن حجر في «الصواعق المحرقة» أواخر الفصل الثاني من الباب التاسع، ص 75: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجرته المباركة في مرضه والحجرة غاصّة بأصحابه: أيُّهَا النَّاسُ! يُوشك أن اقبضَ قبضاً سريعاً فَيُنْطَلق بي، وقد قدّمتُ إليكم القولَ معذرة إليكم، ألا إنّي مُخلِّفٌ فيكم كتابَ ربّي عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي. ثمّ أخذ بِيَدِ عليّ فرفعها فقال: هذا عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يَرِدَا عَلَيّ الحوضَ (الحديث). ونقله السيّد شرف الدين رحمه الله أيضاً في مراجعاته ص 15 و16، الطبعة الأولى، عن «الصواعق».
[43] الآية 67، من السورة 5: المائدة.
[44] ذكر أصحاب السير والتواريخ في كتبهم قصّة نفاق عمر وارتداده في صلح الحديبيّة مفصّلًا، منهم البخاريّ في صحيحه، في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، ج 2، ص 122، ومسلم في صحيحه، باب صلح الحديبيّة، ج 2.
[45] السيرة الحلبيّة، باب صلح الحديبيّة، ج 2، ص 706. وقال آية الله السيّد شرف الدين العامليّ في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 160، الطبعة الثانية: أخرج الإمام أحمد من حديث المسوّر بن مخرمة، ومروان بن الحكم في مسنده، ونصّ الحلبيّ في غزوة الحديبيّة من سيرته وغير واحد من أهل الأخبار: أنّ عمر جعل يردّ على رسول الله الكلام، فقال له أبو عبيدة الجرّاح: أ لا تسمع يا بن الخطّاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ما يقول؟ نعوذ بالله من الشيطان الرجيم! قال الحلبيّ وغيره: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذٍ: يا عمر إنّي رضيتُ وتأبى!
[46] ذكرنا قصّة عبد الله بن ابيّ مفصّلًا في الجزء العاشر من كتابنا هذا، الدرس 142 إلى 148.
[47] كالعالم الجليل والعلّامة المجاهد الكبير قاضي القضاة في حلب السوريّة الشيخ محمّد مرعي أمين الأنطاكيّ الذي اعتنق مذهب التشيّع، وألّف كتابه المعروف: «لما ذا اخترتُ مذهب الشيعة مذهب أهل البيت؟» وله الأبيات الآتية:لما ذا اخترتُ مذهب آل طهـ***و حاربتُ الأقارب في ولاهاو عفتُ ديار آبائي وأهلي***و عيشاً كان ممتلئاً رفاها؟لأنّي قد رأيتُ الحقّ نصّاً***و ربّ البيت لم يألف سواهافمذهبي التشيّع وهو فخرٌ***لمن رام الحقيقة وامتطاهاو هل ينجو بيوم الحشر فردٌ***مشى في غير مذهب آل طه؟لقد طالعتُ الكتاب المذكور فرأيته نفيساً ثميناً حقّاً. وكذلك الدكتور السيّد محمّد التيجانيّ السماويّ وهو من أهل قفصة التونسيّة، وله كتاب عنونه: «ثمّ اهتديتُ»، ذكر فيه سفره إلى الحجاز والعراق والتقاءه بعلماء الشيعة في النجف الأشرف. ونقل أنّه تأثّر كثيراً بكلام المرحوم آية الله السيّد محمّد باقر الصدر أعلى الله مقامه الذي استُشهد على يد حزب البعث في العراق. ثمّ اختار مذهب التشيّع بعد تحقيق عميق في صحاح العامّة وسننهم دام ثلاث سنين. وقد وصلني الكتاب في هذه السنة وطالعتُه كلّه فوجدته عذباً رائعاً يشدّه الدليل والبرهان. أطال الله بقاء مؤلّفه ونصر الله به الحقّ في تأييد المذهب المبين.
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)