انظر في الكلمات الآتية المأثورة عن أمير المؤمنين، فهي في قوّتها ورصانتها ككلمات رسول الله صلى الله عليه وآله: روى أبو نُعَيم بسنده عن قيس بن أبي حازم أنّه قال: قال عليّ عليه السلام: كُونُوا لِقَبُولِ العَمَلِ أشَدَّ اهْتِمَاماً مِنْكُمْ بِالعَمَلِ! فَإنَّهُ لَنْ يَقِلَّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى، وكَيْفَ يَقِلُّ عَمَلٌ يُتَقَبَّلُ؟
وروى أيضاً عن عبد خَير، عن عليّ عليه السلام قال: لَيْسَ الخَيْرَ أنْ يَكْثُرَ مَالُكَ ووَلَدُكَ ولَكِنَّ الخَيْرَ أنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ، ويَعْظُمَ حِلْمُكَ، وأنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ. فَإنْ أحْسَنْتَ حَمِدتَ اللهَ، وإنْ أسَأتَ اسْتَغْفَرْتَ اللهَ. ولَا خَيْرَ في الدُّنْيَا إلَّا لأحَدِ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ أذْنَبَ ذَنْباً فَهُوَ تَدَارَكَ ذَلِكَ بِتَوْبَةٍ، أوْ رَجُلٍ يُسَارِعُ في الخَيْرَاتِ، ولَا يَقِلُّ عَمَلٌ في تَقْوَى، وكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ؟
وروى أيضاً بسنده عن عِكَرَمة بن خالد أنّه قال، وكذلك بسنده الآخر عن أبي زَغَل أنّه قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: احْفَظُوا عَنِّي خَمْساً! فَلَوْ رَكِبْتُمُ الإبِلَ في طَلَبِهَا لأنْضَيْتُمُوهُنَّ قَبلَ أن تُدْرِكُوهُنَّ: لَا يَرْجُو عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ، ولَا يَخَافُ إلأ ذنْبَهُ، ولَا يَسْتَحْيِي جَاهِلٌ أن يَسْألَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ، ولَا يَسْتَحْيِي عَالِمٌ إذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أن يَقُولَ: اللهُ أعْلَمُ. والصَّبْرُ مِنَ الإيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأسِ مِنَ الجَسَدِ. ولَا إيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ.
وروى أيضاً بسنده عن المهاجر بن عُمَير أنّه قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنَّ أخْوَفَ مَا أخَافُ اتِّبَاعُ الهَوَى وطُولُ الأمَلِ. فَأمَّا اتِّبَاعُ الهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، وأمَّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ.
ألَا وإنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً. ألَا وإنَّ الآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَنُونَ. فَكُونُوا مِنْ أبْنَاءِ الآخِرَةِ، ولَا تَكُونُوا مِنْ أبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولَا حِسَابٌ، وغَداً حِسَابٌ ولَا عَمَلٌ.[1]
وكذلك روى بسنده عن عاصم بن ضُمَرَة أنّه قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: ألَا إنَّ الفَقِيهَ كُلَّ الفَقِيهَ الذي لَا يُقَنِّطَ النَّاسَ مِن رَحْمَةِ اللهِ، ولَا يُؤَمِّنُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، ولَا يُرَخِّصُ لَهُمْ في مَعَاصِي اللهِ، ولَا يَدَعُ القُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إلى غَيْرِهِ. ولَا خَيْرَ في عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، ولَا خَيْرَ في عِلْمٍ لَا فَهْمَ فِيهِ، ولَا خَيْرَ في قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا.[2]
وروى أيضاً بسنده عن عمرو بن مُرَّة، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: كُونُوا يَنَابِيعَ العِلْمِ، مَصَابِيحَ اللَّيْلِ، خَلِقَ الثِّيَابِ، جُدُدَ القُلُوبِ، تُعْرَفُوا بِهِ في السَّمَاءِ، وتُذْكَرُوا بِهِ في الأرْضِ.[3]
وروى بسنده عن أبي أراكة أنّه قال: صلى عَلِيّ الغَدَاةَ ثُمَّ لَبِثَ في مَجْلِسِهِ حتى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ كَأنَّ عَلَيْهِ كَآبَةً. ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ أثَراً مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فَمَا أرَى أحَداً يُشْبِهُهُمْ. واللهِ إنْ كَانُوا لَيُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً صُفْراً، بَيْنَ أعْيُنِهِمْ مِثْلُ رُكَبِ المَعْزَى، قَدْ بَاتُوا يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ أقْدَامِهِمْ وجِبَاهِهِمْ (بين السجود والقيام)،[4] إذَأ ذكِرَ اللهُ مَادُوا كَمَا تَمِيدُ الشَّجَرَةُ في يَوْمِ رِيحٍ، فَانْهَمَلَتْ أعْيُنُهُمْ حتى تَبَلَّ واللهِ ثِيَابُهُمْ، واللهِ لَكَأنَّ القَوْمَ بَاتُوا غَافِلِينَ.[5]
وروى بسنده عن نوف البِكاليّ أنّه قال: رأيتُ عليّ بن أبي طالب خرج ونظر في النجوم وقال: يَا نَوْفُ! أ رَاقِدٌ أنْتَ أمْ رَامِقٌ؟! قُلْتُ: بَلْ رَامِقٌ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: يَا نَوْفُ! طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ في الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ في الآخِرَةِ، اولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الأرْضَ بِسَاطاً، وتُرابَهَا فِرَاشاً، ومَاءَهَا طِيباً، والقُرآنَ والدُّعَاءَ دِثَاراً وشِعاراً، قَرَضُوا الدُّنْيَا عَلَى مِنْهَاجِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
يَا نَوْفُ! إنَّ اللهَ تَعَالَى أوْحَى إلَى عيسى أنْ مُرْ بَنِي إسْرَائِيلَ أنْ لَا يَدْخُلُوا بَيْتاً مِنْ بُيُوتِي إلَّا بِقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، وأبْصَارٍ خَاشِعَةٍ، وأيْدٍ نَقِيَّةٍ، فَإنِّي لَا أسْتَجِيبُ لأحَدٍ مِنْهُمْ ولأحَدٍ مِنْ خَلْقِي عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ.
يَا نَوْفُ! لَا تَكُنْ شَاعِراً، ولَا عَرِيفاً، ولَا شُرْطِيّاً، ولَا جَابِياً، ولَا عَشَّاراً، فَإنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَامَ في سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: إنَّهَا سَاعَةٌ لَا يَدْعُو عَبْدٌ إلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ فِيهَا، إلَّا أنْ يَكُونَ عَرِيفاً، أوْ شُرطِيّاً، أوْ جَابِياً، أوْ عَشَّاراً، أوْ صَاحِبَ عُرْطُبَةِ -وَ هُوَ الطُّنْبُورُ- أوْ صَاحِبَ كُوبَةٍ -وَ هُوَ الطَّبْل-.[6]
هل تعلمون لما ذا لم يَنْقَدْ أبو بكر، وعمر وزمرتهما من قريش لأمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين؟ لأنّهم يعلمون أنّه رجل من هذا الطراز. وهذا هو خطّه ومنهجه، وهذه هي علومه وزهده، وهذا هو إنصافه وعدله، وهذه هي كلماته ومواعظه.
إنّ عليهم أن يلملموا رحلهم في ظلّ حكومة عليّ، وعليهم أن يكونوا مأمورين بالسير في هذه الطرق، بَيدَ أنّهم لا يريدون ذلك، يريدون أن يكونوا امراء، امراء في تعبئة الجيوش، والانتهاك، والعدوان، والغارة، والأسر، لا للّه ولا في الله، بل حبّاً لرئاستهم، وإن اقترنت أعمالهم تلك بضروب الظلم والعدوان، لذلك فهم يهجون حكومة عليّ، ويرونها في غير سَدَد.
وأنا مشغول الآن بكتابة هذه الكلمات، خطر في ذهني معنى لقول عمر: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ. وهو أنّه أراد أن يقول: رئاسة عليّ وإمارته، وحكومته هَجْر وهذيان، كقولنا: إنّ الموضوع الفلانيّ ناتج عن رؤيا مضطربة. أنّه يقول: إنّ كلام رسول الله في أبديّة الثقلين يتعذّر قبوله إلى درجة أنّه عين الهجر والهذيان.
أمّا عليّ فقد اجتاز أنانيّة الهوى والهوس، ولَحِقَ بالحقّ، واندكّ في الذات الأحديّة، ووقّف نفسه فداءً للّه ورسوله، فما علاقته بمكيدة القوم التي استخدموها لإقرار حكومتهم؟
أجل، إنّ عليّاً هو الذي اجتاز الكون والمكان، وطاطأ رأسه مسلّماً خاضعاً لعبوديّة الحقّ.
صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ يَا أبَا الحَسَنِ وعَلَى زَوْجَتِكَ الطَّاهِرَةِ وأوْلَادِكَ الطَّاهِرِينَ مَا بَقِيَ اللَّيْلُ والنَّهَارُ.
وروى أبو نعيم الإصفهانيّ بسنديه عن حُذيفة بن اليمان أنّه قال: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أ لَا تَسْتَخْلِفُ عَلِيَّاً؟ قَالَ: إنْ تُوَلُّوا عَلِيَّاً تَجِدُوهُ هَادِياً مَهْدِيَّاً يَسْلُكُ بِكُمُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ.[7]
وكذلك روى بسندين عن حُذيفة أنّه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: إنْ تَسْتَخْلِفُوا عَلِيَّاً -وَمَا أرَاكُمْ فَاعِلين- تَجِدُوهُ هَادِياً مَهْدِيَّاً يَحْمِلُكُمْ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ.[8]
[1] انظر في جميع ما تقدّم ممّا نقله أبو نعيم: «حلية الأولياء» ج 1، ص 65 إلى 76.
[2] «حلية الأولياء» ج 1، ص 77. وذكره الكُلينيّ أيضاً بسندين في «اصول الكافي» ج 1، ص 26، كتاب العلم، باب صفة العلماء، طبعة حيدري.
[3] «حلية الأولياء» ج 1، ص 77.
[4] أي: كانوا يتلون القرآن في ركعات صلاة الليل وقوفاً، ثمّ يركعون ويسجدون بعد الفراغ من التلاوة. وهذه هي كيفيّة صلاة الليل وتلاوة القرآن. ونحن تحدّثنا مفصّلًا عن هذا الموضوع في كتاب «نور ملكوت القرآن» ج 3، البحث السادس.
[5] «حلية الأولياء» ج 1، ص 76.
[6] «حلية الأولياء» ج 1، ص 79.
[7] يقول: «لقد عكف الناسُ اليومَ كلٌّ على صنمه، أمّا أنا فلا أتوجّه إلّا شطر قِبلة الإيمان».عن كتاب «مصيبة الأولياء» طبعة إقبال، من نظم أحمد الحسينيّ الفيروزآباديّ. وقد نظمها صاحبها في الإمام الحسين عليه السلام، فلذا جاء البيت الآتي بعد البيت الرابع:اى خاك كربلاى تو مهر نماز من***آن مهر را به مهر سليمان نميدهميقول: «يا مَن تربة كربلائك تربة صلاتى، فلا اقايض تلك التربة بخاتم سليمان».و جاء في البيت ما قبل الأخير قوله:جان مىدهم به شوق وصال تو يا حسين***...يقول: «أبذل مهجتي شوقاً إلى لقائك يا حسين».بَيدَ أنّا لمّا أوردنا هذه الأبيات في أمير المؤمنين عليه السلام، فقد نقلناها بالنحو المذكور على سبيل الاقتباس والاستخدام.
[8] «حلية الأولياء» ج 1، ص 64.