
تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء


الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية


الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية


علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت


الفيزياء الحديثة


النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية


الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي


فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد


الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر


علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء


المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة


الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات


الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء والفلسفة

الفيزياء العامة


مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى
مسائل في الثقالة
المؤلف:
جواو ماگیویجو
المصدر:
اسرع من سرعة الضوء
الجزء والصفحة:
ص55
2026-04-20
37
ما من أحد إلا وقد سمع بنظرية أينشتاين النسبية، إلا أن البعض قد لا يعلم بوجود نظريتين اثنتين لها خاصة وعامة. وقد عرفت قريباً شيئاً عن النسبية الخاصة، وهي في الواقع لا نصح إلا في الحالات التي نستطيع فيها إغفال قوة الثقالة، وتلك حالات خاصة الجداً. إلا أن أهمية الثقالة تبرز في الأحوال التي هي أكثر «عمومية». تفكر فيما يمسكنا على الأرض، أو ما يوجه حركات الكواكب، أو ما يتحكم في حياة الكون – (أقرب رب إلى موضوع الكتاب، باعتبار تفاوت سرعة الضوء VSL نموذجا كونيا) وهنا تبرز الحاجة إلى نظرية عامةٍ في النسبية تصلح في الأحوال التي لا يُمكن معها تجاهل قوة الثقالة.
إنَّ نظرية النسبية العامة مختلفة اختلافاً كبيراً عن النسبية الخاصة. ففي سنة 1905 أدرك أينشتاين - ولما يزل حديث العهد بالنسبية الخاصة ـ أن أحدث نتاجه لا يصلح أن يكون وصفاً سليماً للطبيعة عند إدخال قوة الثقالة في الحسبان. وأدرك كذلك أنَّ نظرية نيوتن في الثقالة، التي كانت مقبولة آنذاك، لا تنسجم والنسبية الخاصة مع اعتبار ثبات سرعة الضوء وفكرة نسبية الزمن. ومع ذلك فإن إيجاد نظرية «نسبوية Relativistic» للثقالة كان في حد ذاته صراعاً مضنياً، حتى لذلك الرجل العظيم.
ومن المؤسف أن الخبرة التي اجتمعت لأينشتاين في بناء النظرية الخاصة لم تكن ذات صلة بالنظرية العامة البتّة فكان عليه أن ينفق عشر سنوات من العمل الشاق للوصول إلى الناتج النهائي. وقد صرَّح سنة 1912: «إني منصرف الآن بكليتي إلى حل مسألة التثاقل، وأعتقد أني سأتغلب على الصعوبات كلها بمساعدة صديق طيب متخصص في الرياضيات ... وتعد نظرية النسبية الأصلية مقارنة بهذه المسألة أمراً جد يسير. »
ولقد كان عملاً طموحاً فعلاً تطلب منه اللجوء إلى الرياضيات بما هو فوق إمكاناته، حيث شعر بالحاجة إلى الاستعانة بعلماء الرياضيات المحترفين. وكثيراً ما كان يقع في الخطأ ويرجع عنه ثم يقع فيه مرة أخرى. وبالمصادفة وقع على النظرية الصحيحة، إلا أنه بالطبع تخلّى عنها، ثم عاد إليها في آخر المطاف، حتى يبدو الأمر كله للناظر فيه وكأنه سلسلة من كوميديا الأخطاء انتهت نهاية موفقة لا ينتهي إليها إلا رجل نابه عبقري النزعة.
ومن غرائب الأمور أن أينشتاين نفسه طرَحَ في مقالة له سنة 1911 نظرية في تفاوت سرعة الضوء والعلماء اليوم في هذا الشأن قسمان: قسم ذاهل لما حوته تلك المقالة التي كتبها ألبرت أينشتاين العظيم عندما كان أستاذاً في مدينة پراك Prague، وقسم لم يسمع بها أصلاً هذا بانش هوفمان Banesh Hoffman زمیل أينشتاين وكاتب سيرته يصف هذه القطعة من عمل أينشتاين فيقول: «كل هذا ماذا يعني؟ إن سرعة الضوء ليست ثابتة، وأنَّ التثاقل يُبطئها. يا للضلالة! ومَن أينشتاين نفسه.»
ويبدو لي أن من يأخذ عِلمه عن كتب مقرَّرة، لا يرى في معارضة ذلك العلم أكثر من بدعةٍ أو ضلالة. ولو أنك خرجت بفكرة مستمدة من كتاب، فلا أخالك إلا أقل الناس اعتناقاً لها أو التزاماً بها. لكن دعني أبادر إلى القول موضحاً أن نظرية تفاوت سرعة الضوء التي طرحها أينشتاين سنة 1911 لا تمتُ بصلة إلى هذه التي أنا الآن بصدد الكتابة عنها والقول فيها في نهاية القرن العشرين. وقد تبين له فعلاً خطأ، نظريته فأودعها راضياً سلة المهملات مع بعض الفكر العقيمة الأخرى.
وبحلول سنة 1915، وإبان الحرب العالمية الأولى، كان أينشتاين قد توصل أخيراً إلى ما نعرفه اليوم بنظرية النسبية العامة فكانت النتيجة بحق معلماً خالداً مجسداً للذكاء الإنساني وشاهداً للعبقرية الرياضية ونفاذ البصيرة الفيزيائية. ولولاها لما كان سيُكتب لعلم الكون الحديث (أو تفاوت سرعة الضوء، أو بالأحرى هذا الكتاب) الوجود.
وهي إلى جانب ذلك نظرية بالغة التعقيد، وتتطلب الاستعانة بفرع من الرياضيات جديد لم يُستعمل من قبل جدّيّاً في مجال الفيزياء، هو الهندسة التفاضلية Differential Geometry. وتبرز صعوبة فهمها للفيزيائيين غير المحترفين خصيصى؛ وآية ذلك تجاربي الشخصية الأولى المتقطعة في التعامل مع تعقيدات النسبية العامة..
بعد أن درست كتاب أينشتاين وإنفلد عندما كنتُ في الحادية عشرة من عمري عزمتُ على معرفة المزيد عن النسبية ولا سيما الاطلاع على المعادلات نفسها وعدم الاكتفاء بالشروح. وقد وافتني الفرصة عندما وجدتُ كتاباً ممتازاً من تأليف ماكس بورن Max Born يعرض فيه نظرية النسبية الخاصة عن طريق الاستعانة بالرياضيات وبالأسلوب الذي تعلمناه في المدرسة. وكان ذلك الكتاب هو غاية، مرادي، علماً بأنَّ ذلك قد لا يروقك إن لم تكن محباً للرياضيات؛ إذ لن تُدرك لماذا يسعى إنسان إلى تعلم أمر باختيار المرتقى الصعب وعن طريق العلاقات الرياضية، في حين أن الشروح الواضحة متاحة وفي متناوله وأقول لك إنَّ ذلك هو منهج تفكير الفيزيائيين، وقد كان تفكيري قد اتخذ منحى فيزيائياً. إنا لا نشعر بأن فكرة ما قد أصبحت حقاً نظرية فيزيائية ما لم نَرَها مصوغةً في قالب رياضي وكما قال كاليليو Galileo مرةً: إِنَّ كتاب الطبيعة مرسوم بلغة الرياضيات.
وبسرور غامر تتبعتُ المشتقات الرياضية كلها في كتاب بورن. وعندما أنهيتُ فيه الفصل المتعلق بالنسبية الخاصة، أحسست بأني قد انغمستُ فعلاً في أجوائها وأخذتُ بناصيتها. غير أن الكتاب انتقل ليبحث في النسبية العامة، فتحول أسلوبه فجأةً إلى الغموض والإطناب في الكلام، فشعرتُ أني عدتُ إلى المستوى الممجوج من الإسراف في الشرح والتفصيل ليس إلا، ففقدت تمكني من الموضوع.
وثمة كتاب آخر بعنوان (معنى النسبية The Meaning of Relativity) يتناول نظرية النسبية العامة تناولاً تقنياً بحتاً، وهو مجموعة محاضرات لأينشتاين ألقاها في جامعة برنستون سنة 1921، فقد حضر أعزُّ أصدقائي يوماً ومعه نسخة من هذا الكتاب. ومع أنا لم نفهم كلمة منه، فقد أدهشتنا صعوبته: فهو مزيج من الرياضيات البالغة التعقيد، والمناقشات المستعصية على الفهم ... ولم يكن اختياري حكيماً عندما ظننتُ أنه طلبتي ومرادي.
اندفعت إلى المكتبة حيث اشترى صديقي نسخته، وسرعان ما خاب فألي عندما رفض العاملون فيها بيعي النسخة الأخيرة الباقية، وأعلموني أيضاً أنها طبعة نادرة جداً ونافدة من الأسواق وكنتُ مغضباً آنئذ، إلا أني عندما أذكر ذلك الآن أقر لهم بصواب رأيهم : ماذا عساك تفعل إذا وجد على رفوف مكتبتك آخر نسختين من كتاب تقني نادر لأينشتاين، ثم يأتي فتيان لشرائهما إني أتساءل حتى اليوم محاولاً قراءة أفكارهم عن هدفنا من شراء الكتاب : ربما ظنوا أنا سنستعين به في صنع قنبلة نووية على كل حال لا بد أنهم شعروا أن في نيتنا أمراً غير محمود، وكان ظنهم في محله إلى حد ما.
حسبت حينذاك أني كنتُ ضحيّة ظلم حاق بي نتيجة التمييز الصريح بين الناس، ربما بناءً على أعمارهم. لذلك أعدتُ المحاولة من جديد، فطلبت من والدي الذهاب بنفسه لشراء الكتاب فوافق مبدئياً، إلا أنه عاد في اليوم التالي صفر اليدين يهز رأسه مستنكراً وقائلاً ((إن هذا الكتاب لا يصلح للأطفال))، فتساءلت لعله أخطأ في إدراك أي كتاب أريد، لكنه تابع قائلاً إن كتاب أينشتاين من شأنه أن يشوشني (لأني أجهل كل تلك الرموز والمتغيرات العويصة) ثم إنه استجاب مُكْرَهاً تحت وطأة إلحاحي، فتوجه إلى المكتبة وصار الكتاب ملك يدي.
بذلت جهد استطاعتي في دراسته وبذلتُ غاية إمكاناتي محاولاً ومحاولاً حتى أعياني فهم محتواه. وتبين لي أن هذا الكتاب، خلافاً لكتاب بورن يتطلب أكثر بكثير من الرياضيات التي يتعلمها الطالب في المدرسة؛ إنه يتطلب مستوى متقدماً جداً من التفاضل والتكامل أي من الرياضيات التي لا يتعلمها المرء إلا في الجامعة، وبضاعتي من ذلك قليلة، بل هي أقرب إلى العدم. وهكذا، بتجربتي المبكرة هذه أدركتُ تماماً أن نظريتي النسبية العامة والخاصة مسألتان متباعدتان تماماً.
ومع ذلك لم استسلم وعزمت على أن تكون أولى خطواتي التالية تعلم حساب التفاضل والتكامل، فجمعت لتلك الغاية ما أمكنني جمعه من الكتب ذات الصلة، وأقمتُ على دراستها بالتفصيل على مدى السنوات التالية ووجدتني أعود كل نحو ستة أشهر لأفتح كتاب أينشتاين لأرى هل تمكنني درجة تقدمي في الرياضيات من فهم أي شيءٍ منه مهما كان صغيراً، لكني أ أجد نفسي لا أزال في ظلام دامس.
تلك التجربة القاسية في مرحلة مبكرة من حياتي كانت وراء معظم ما حصلته من معرفة رياضية؛ فقد اكتسبتُ جُلَّ معلوماتي في حساب التفاضل والتكامل بتعلم ذاتي إلى المستوى الذي ألتُ معه فهم ذلك الكتاب. لكني بدأت أفقد كل أمل بالنجاح عندما استكملت تعلم هذه الرياضيات الجديدة، ومع ذلك لم أفلح في فهم كلمةٍ واحدة من كتاب أينشتاين. فحولت توجهي العلمي إلى الجامعة وتخرجتُ فيزيائياً. وطال العهد على الكتاب ولم يُفْتَح، فصارت صفحاته هشة مع الأيام، في حين فقدتُ كل أمل لي في إدراك ((معنى النسبية)).
ومرت سنوات إلى أن وقعت مصادفة - وأنا فيزيائي في كامبردج ـ على تلك النسخة القديمة من كتاب أينشتاين منسيَّةً في بيت والدي. فتحته وما كدت أفعل حتى انكشف الغطاء عن بصيرتي فجأة واتضح أمامي كلُّ شيء، فعلمت أني لم أكن لأفهم كلمة واحدة منه لا بسبب جهلي بالخلفية الرياضية والفيزيائية المناسبة كما كان يتراءى لي، بل بسبب الرموز التي كان أينشتاين يستعملها، والتي كانت مستغلقة على الفهم.
حقاً، كان أينشتاين يستعمل مجموعة من الرموز المعقدة والغريبة التي لم يستعملها أحد غيره في زمانه أو من بعده ولربما كان ذلك نتيجة مباشرة لعزلته الأكاديمية المفروضة عليه وابتعاده عن الوسط الجامعي في مستهل حياته المهنية. لقد عرفتُ الآن أن سرعة الضوء بدلاً من C أصبحت V. هل E=mc2؟ لا بل إنَّ L=MV2 أفضل بكثير. ولئن كان هذان المثالان ليسا على درجة كبيرة من الصعوبة لفهمهما، فإنك ما إن تصل إلى النسبية العامة إلا وتجد نفسك وجهاً لوجه أمام نص معمّى سطور من التكاملات المضاعفة، وفيض من الحروف القوطية المستدقة، وكميات رياضية ممتدة كُتبت كمصفوفات تامة، شكل كاريكاتوري لخرابيش عالم مفتون ولا بد لكي يكون لك حظ في فهم مرماها أن تبدأ أولاً بفك المعنى.
ولما كنتُ قد تعلمتُ النسبية العامة بوسائلي الخاصة، فقد مكني ذلك من استيعابها في ذلك الكتاب، وحلّ مغاليق تلك الرموز العويصة استناداً إلى ما عرفته قبلاً. وليس الأمر كذلك عندما تحاول التصدي للنسبية العامة أول مرة باستعمال الكتاب نفسه، عندئذ لن يكون لك من النجاح أدنى نصيب مهما كان مستوى خلفيتك العلمية، وستشعر عندئذ كما لو أن الكتاب قد رسم باللغة الصينية.
وهكذا تبين لي صواب رأي والدي منذ البداية، حتى لو كان على أسباب خاطئة. صحيح أني لم أكن لأعرف معنى كل تلك الرموز وكل تلك المتغيرات، إلا أنك كثيراً ما تنتهي إلى بلوغ قمة إيفرست على حين يكون هدفك القمر. ثم لا ننسى أيضاً أن الأولاد قلما يصغون إلى نصائح آبائهم....
في سنة 1906 كان أينشتاين قد أدرك أن نظرية نيوتن في الثقالة تتعارض تماماً مع نظريته النسبية الخاصة؛ فهي تخالف الفكرة القائلة إن لا شيء أسرع من سرعة الضوء، وهذا أمر لا صعوبة في فهمه.
إن قوة الثقالة من أوضح القوى في حياتنا اليومية؛ فهي التي تمنعنا أولاً من الارتفاع عن الأرض والطيران في الفضاء لاإرادياً إلا أنها تختلف عن سائر القوى في جانب مهم جداً من حياتنا اليومية؛ فالقوى الأخرى كلها تبدو قوى تلامس أو تلاصق Contact Forces إنك إذا همزتَ شخصاً، كان لديه بعضُ الشك في أن تلامساً قد حصل، وكلُّ ما عدا ذلك من دفع وجذب واحتكاك وغير ذلك، إضافة إلى كل القوى الميكانيكية التي تحيط بنا، تُحدث أثراً بالتلامس المباشر، إلى حد أن فكرة القوّة باعتبارها فعلاً ناتجاً عن تلامس أمر مألوف وملحوظ في تصورنا اليومي للقوة.
ولعل الاستثناء الوحيد هو الثقالة Gravity التي يبدو أنها تعمل من بعد. فأنا عندما أقفز من منصة فليس ثمة حبال تربطني بالأرض، ومع ذلك تجذبني الأرض باتجاه مركزها. كذلك فإنَّ الشمس تجذب الأرض وتبقيها طوّافةً في مدارها من مسافة 100000000 ميل ومن غير حبال تشدّها أيضاً. وقد حار نيوتن بهذه الحقائق إلى درجةٍ جعلته يعرب عن إحباطه من نظريته كما يلي: ((القول إنَّ الثقالة هي أن... يؤثر جسم في آخر من بعد وعبر خواء، دون واسطة قد ينتقل عن طريقها التأثيرُ والقوة من أحدهما إلى الآخر، هو بالنسبة إليَّ من السخف بمكان ولا أعتقد أن أحداً يمكن أن يُخدع بها)) ومن الواضح أن نيوتن ممكن أن يكون أسعد حالاً لو أنَّ الأرض والشمس كانتا مرتبطتين بحبال.
على أن الحيرة التي تسببها فكرة التأثير والتأثر من بعد ما هي بالطبع إلا حيرة سطحية فقط؛ فإذا أعملت الفكر برهة أدركت أن كل الأفعال، وحتى تلك التي نقرنها باللمس، تجري في واقع الأمر من. بعد هل تظن أن تلامساً يحصل عند همزك إنساناً؟ حاول أن تتصور الجزئيات التي تؤلف جسدك على أنها منظومات شمسية دقيقة تحكمها الكهرباء بدلاً من قوة الثقالة، وينبذ بعضها بعضاً عند تقاربها. إنها لا تتلامس، بل تتنابذ من بعد عند تقاربها بدرجة كافية، وذلك ما يولد شعوراً يشبه التلامس عند الهمز. بل إن من المحتمل أن تكون بضع جزيئاتٍ قد لفظت من براجم يدك ومن وجه الشخص الآخر؛ إلا أن تلامساً حقيقياً لم يحدث بالتأكيد بين تلك الجزيئات.
لذلك تعد قوى التلامس الميكانيكية أفعالاً من بُعدِ أيضاً عند رصدها من مستوى جزيئي، إلا أنها من نمط كهربائي. وكذا القوى اليومية كافةً. أفعال هي مـن بعـد عنـد المستوى الأساسي، إلا أنها من النوع التثاقلي أو النوع الكهرمغنطيسي. ومع ذلك فهناك وجوه اختلاف كثيرة بين هذين النوعين من القوى: فالقوى الكهربائية يمكن حجبها على المدى البعيد لأن الأجسام قد تكون متعادلة كهربائياً، في حين ليس ثمة ما هو متعادل ثقالياً. كذلك فإنَّ القوى الكهربائية أقوى بكثير من قوة الثقالة، إذ ينبغي جمع كتلة كبيرة قبل أن تصبح قوة الثقالة ذاتَ بال ولعلَّ من الأمثلة الصالحة الموضحة لذلك ما يحصل لإنسان يقفز من طائرة بدون مظلة هبوط؛ ففي حين تستغرق الثقالة زمناً لتسريعه، لا تلبث القوى الكهربائية التي تؤثر فيه عندما يهوي إلى الأرض أن تعمل على تبطيئه بسرعة كبيرة جداً.
على أن فرقاً آخر مهماً ظهر سنة 1906 فقد كان من المعلوم أن الأنماط الكهربائية للأفعال تنتقل بسرعة الضوء والحقيقة أن نظرية النسبية الخاصة كلها مرتبطة بالنظرية الكهرمغنطيسية للضوء، لا بالأبقار كما قد أكون حملتك على الاعتقاد. وفي مقابل ذلك، كان يُنظر إلى الثقالة النيوتنية (نسبة إلى نيوتن) على أنها فعل آني من بعد. ومن هنا برز التعارض بين الثقالة النيوتنية والنسبية الخاصة، فطبقاً للنسبية الخاصة لا شيء يمكن أن ينتقل بسرعة تفوق سرعة الضوء، بلة بالسرعة اللانهائية.
وقد يكون هذا التعارض أكبر مما قد يبدو في الظاهر. فبمقتضى الثقالة النيوتنية، إذا تغير موضع الشمس استجابت الأرض لتغيرها عن طريق قوة الثقالة في الحال، أي في الوقت نفسه تماماً. لكن مهلاً! إنا نعلم أن مفهوم «الوقت نفسه في النسبية الخاصة مفهوم نسبي تختلف معانيه باختلاف الراصدين. ثُمَّ إنَّ نظرية تقول إنَّ قوةً تُحدث أثراً في الوقت نفسه لا يمكن أن تكون منسجمةً النسبية الخاصة لأنا نعرف أنَّ للفعل معنى نسبياً بالضرورة، وهو نفسه مع بالنسبة إلى الراصدين جميعهم، تجنباً للتناقض.
كانت تلك هي الصعوبات التي واجهت أينشتاين في مواجهة قوة الثقالة من ناحية، ونظريته النسبية الخاصة من ناحية أخرى. فقد كان بحاجة إلى استبدال فكرة نيوتن في الفعل الآني من بعد بنظرية تنتقل بموجبها الثقالة بـ بسرعة متناهية، ولتكن ـ رغبة في التبسيط - هي سرعة الضوء. هل يبدو هذا بسيطاً؟ إنه يبدو كذلك دوماً بعد أن يقوم أحد بتمهيد أول الطريق. وواقع الأمر أن الثقالة أَبَتْ أن تنتقل بسرعة الضوء لأسباب تقنية كثيرة، وبذلك ظل أينشتاين حائراً يتخبط في الظلام مدة طويلة. وأخيراً جاء الإلهام من تجربة قديمةٍ منسوبة إلى كاليليو، لم يكن ليفهمها أحد فهماً كاملاً.
في ناحية جميلة من مدينة پيزا Pisa الإيطالية يشمخ صرح ما انفك يشهد على القدرة الإنسانية حتى في ارتكاب الخطأ، برج مائل يراهن البعض على أنه لن يستمر طويلاً، برغم المساعي الحثيثة لتثبيته وفق معايير التكنولوجية الحديثة. بدأ البرج يميل منذ البداية، أي في مراحل بناء الطبقات الأولى منه . ومن غير المعروف عموماً أن البرج في ذلك العهد المبكر قد مال فعلاً في الاتجاه المعاكس. وفي محاولة لمعالجة أساساته المتطامنة، راح المهندسون يعملون بمزيد من نشاط واندفاع فبدأ البرجُ بعد ذلك مباشرة بالميلان بالاتجاه الآخر، أي في اتجاهه الحالي.
ومع بناء مزيد من الأدوار بُذلت مساع لإخفاء هذا العيب، وذلك عن طريق إنشاء الأدوار الجديدة بصورة أفقية بعد أن صار يُؤخذ الانخساف في الحسبان، فأدى ذلك إلى اتخاذ أقسام البرج الوسطى شكل موزة. وقد نجحت هذه الحيلة بادئ الأمر لولا تزايد درجة الهبوط تزايداً مطّرداً على امتداد القرون، إلى درجة يبدو معها شكل الموزة اليوم واضحاً تماماً.
إن برج بيزا المائل هو الآخر بمنزلة كوميديا أخطاء، تحاكي في جانب منها السنوات التي قادت أينشتاين إلى نظرية النسبية العامة، سوى أنك في حالة البرج تبقى مع الأخطاء، على حين لا يُذكر في حالة النسبية العامة غير الناتج النهائي. يُقال، على غير وجه يقين إن كاليليو قد أجرى من أعلى هذا البرج التجربة المعروفة التي أسقط فيها أجساماً ثقيلة مختلفة الأوزان، لكنها متساوية في درجة ملاستها (تخضع إلى درجةٍ واحدةٍ من الاحتكاك بالهواء)، فوجد أنها استغرقت في سقوطها زمناً واحداً وسرعة واحدة في تعارض واضح مع فيزياء أرسطو التي تؤكد على الفكرة القائلة إن سرعة السقوط للأجسام الثقيلة أكبر منها للأجسام الخفيفة. لكنك إذا استبعدت الاحتكاك من كل الاعتبارات وجدت أن الأجسام الثقيلة والخفيفة تسقط بسرعة واحدة تماماً إذا كانت خاضعة حصراً لقوة الثقالة.
ألم تقتنع؟ خذ إذن صحيفة تضعها فوق كتاب أكبر منها (حيث يستوعب سطح الكتاب كامل سطح الورقة)، ثم اتركهما يسقطان. ستجد أن الكتاب والورقة سيسقطان معا.
هذه الحقيقة الغريبة تتنافى مع الفطرة والبديهة، ويعترض عليها الناس بعنف أحياناً. وأذكر شخصياً أني كنتُ أقف مرةً على منصة القفز [في مسبح] مع أختي وشخص آخر راح يتساءل ما الذي قد يحصل لو انكسرت المنصة تحت وطأة وزننا فسقطنا جميعاً. كان مقتنعاً أنها قد تكون مصيبة حقيقية لأن المنصة إذا كانت أثقل منا ستسبقنا إلى السقوط ثم سنسقط نحن عليها. وقد سبب ذلك جدلاً كاد يتسع لولا أن بادرت أُختي فطلبت منا الكفّ عن ذلك الهراء.
.
تلك الظاهرة الغامضة التي وفرت أُولى بذور الإلهام لبلوغ نظرية هي النسبية العامة، لأنها أولاً وجدت ثلماً في صميم النظرية التي كان يُحاول أينشتاين استبدالها وهي نظرية الثقالة لنيوتن التي كانت قاصرة عن تعليل سقوط الأجسام الخفيفة والثقيلة بتسارع واحد والقاعدة المألوفة في العلم، كما في القصص البوليسية، أنك قبل أن تصل إلى الحل الصحيح للغز عليك أولاً أن تجد موطن الضعف في النظرية السائدة الخاطئة، أي «الحل الخاطئ الذي يودع البريء السِّجن ويترك الجاني الحقيقي مطلق السراح.
وإليك التفسير الذي اقترحه نيوتن لسقوط الأجسام كلها بالطريقة نفسها: من المعلوم أن الأجسام التي هي أكبر كتلة هي أكثر مقاومة للقوى العاملة فيها. تُسمى هذه المقاومة بالعطالة Inertia وتُقاس بما يطلق عليه اسم الكتلة العطالية Inertial mass وكلما كبرت كتلة الجسم العطالية، ازدادت القوة اللازمة لإعطائه تسارعاً معيناً.
لكن قوة الثقالة تُقابل هذا التأثير بخاصيّة مميّزة: فهي تجذب الأجسام الكبيرة الكتلة جذباً أشد حيث تتزايد قوة الثقالة مع تزايد كتلة الجسم. وتقاس هذه الظاهرة بالوزن أو بالكتلة التثاقلية Gravitational mass للجسم ومع ذلك قد يحدث أن تتساوى الكتلتان التثاقلية والعطالية للأجسام كلها، وهي حقيقةً واضحة جداً لا يكاد المرء معها يلاحظ أنها قد لا تكون صحيحة.
إذن كلما ازدادت كتلة الجسم وكثافته ازدادت عطالته (أي مقاومته للتسارع)، إلا أن وزنه عندئذ يكون أكبر أيضاً، وكذلك قوة الثقالة العاملة فيه، ولذلك تزداد مقاومة الجسم لقوة الثقالة التي تعمل أيضاً على جذبه بدرجة أشد، فيجتمع الأثران معاً بصورة كاملة لإكساب التسارع نفسه على الأجسام كافة مهما بلغت كتلها.
لماذا كانت هذه ثغرةً كبيرةً في نظرية نيوتن في الثقالة؟ لأنها لا تُعطي تفسيراً للتساوي التام للكتلتين العطالية والتثاقلية. وهذا التساوي ـ وفقاً لنظرية نیوتن - هو محض اتفاق مُستغرَب. ونلاحظ بين كميَّتين مختلفتين إلى حد ما وجود تساو دقيق ينطبق على الأجسام كلها بلا استثناء. ومع ذلك تقصر نظريتنا عن تقديم تفسير لهذه الحقيقة، اللافتة وتكتفي بالإعراب عن صحتها.
مع كل ذلك فقد حققت نظرية نيوتن في الثقالة، وما برحت تُحقق نجاحات عظيمة باهرة لم يحفل أحد معها مناقشة هذا الجانب من القصور المفاهيمي فيها. ومعلوم لنا أن معيار النجاح الرئيسي لكل نظرية، عند نقطة معينة، يتمثل في مدى صحتها عند التطبيق العملي. ونحن نرى ونسمع أن عمليات إطلاق الصواريخ والمركبات تعتمد في المقام الأول وحتى يوم الناس هذا على نظرية نيوتن في الثقالة، ولم يحدث أبداً أن ضل أحدها في الفضاء.
لم يلق هذا الرأي قبولاً لدى أينشتاين الذي أدرك من فوره أنهم أودعوا السجن الشخص الخطأ عندما حاول لفت الأنظار إلى هذه الثغرة المفاهيمية في نظرية نيوتن. وبدأ يتساءل: هل الحقيقةُ المُتمثلة في أن الأجسام كلها تسقط بطريقة واحدة تعني شيئاً؟
ومع علمي بأن ما سأقوله قد يبدو ضرباً من الجنون، فلتخضع أنفسنا للتصور التالي: لنفكر بكلّ ما يُمكن من الأجرام التي لا تحكمها إلا قوة الثقالة فقط، كالكواكب المحيطة بالشمس والمذنبات الهائمة عبر المنظومة الشمسية، والصخور الساقطة من السماء... بل لتمعن في الجنون إلى أقصى درجة فنتصوّر أنَّ الفضاء الحيزي والزمان (الزمكان) كله مملوء بأجسام وهمية تسقط سقوطاً حراً، وأن لكل نقطة في الزمكان كائناً خاصاً بها يسقط سقوطاً حراً أيضاً وفي كل الاتجاهات والسرعات الممكنة. وحسبما عرفنا آنفاً، فليس من المهم تحديد أي الكائنات مخصص لهذه النقطة أو تلك، مادام الجميع يسقط سقوطاً واحداً ويتبع مساراً لا يهم فيه تحديد ماهية الكائن الذي يسلكه، بحيث يبدو الأمر وكأن الخطوط التي يرسمها هذا الحشد الهائل من الكائنات الساقطة لا تعتمد على ماهية الجسم الساقط بحد ذاته بل على أنها مساحات تنتمي إلى الزمكان وتكتنفها الثقالة.
تتصف هذه الخطوط أنها منحنية عموماً لأن الخاصية الأساسية للثقالة هي. أنها تجذب مسارات الأجسام بعيداً عن الحركة المستقيمة المنتظمة. تهيأ الآن للقفزة المفاهيمية الكبيرة؛ لفكرة بارعة أخرى تبدو هذه الخطوط التي تؤلف مسارات الكائنات الساقطة سقوطاً حراً، والتي تنتمي في الواقع أكثر إلى الزمكان منها إلى الشيء الساقط، تبدو كأنها ترسم طبوغرافية سطح منحن، أي إنها تحاول أن تظهر لنا أنَّ هذا السطح الرباعي الأبعاد ـ الزمكان ــ هو سطح منحن. وبتعبير آخر، تبدو الأجسام الساقطة سقوطاً حراً وكأنها تنوب عنا في رسم صورة ذهنية لدوائر خطوط الطول، أو هيكل زمكان منحن، تماماً كما تتصوّر أنت سطح جبل بأن ترسم عليه أقصر الممرات التي قد يسلكها المسافرون سيراً على الأقدام.
وبعد سنوات من التجربة تصيب حيناً وتخطئ أحياناً، اهتدى أينشتاين أخيراً إلى طريقة لفهم أثر الثقالة على الأجسام الساقطة سقوطاً حراً، وهي القول إن هذه الأجسام تتبع خطوطاً تدعى الخطوط المتقاصرة Geodesics، وهي أقصر الخطوط الممكنة على زمكان منحن، وأنَّ الثقالة ليست إلا هذا الانحناء للزمكان. وإن ما يفعله جرم ضخم الكتلة كالشمس في الوسط المحيط به هو في الواقع حتى الزمكان. ثم إن الأجسام الساقطة سقوطاً حراً تتبع الخطوط المتقاصرة بهذه الطبوغرافية الملتوية.
وأبين لك في الشكل 1 السبب في أن الأرض تتبع مساراً دائرياً حول الشمس؛ فطبقاً لمفهوم أينشتاين يصبح الفضاء المحيط بالشمس أنبوبياً كما يظهر في الشكل. ولكي تحصل الحركة حول الأنبوب بأقصر مسار ممكن ينبغي أن تكون حركة دائرية، جرب بنفسك احتمالات أُخرى. ومع أن هذا ليس إلا تمثيلاً رمزياً لما يحدث بالفعل، إلا أنه يعطيك فكرة بسيطة عما يجري.
وقد تبين أن هذا هو المسار الصحيح عبر المتاهة. ولعله أسلوب غريب في النظر إلى الأشياء، إلا أن له مزايا كثيرة منها أنه يُتيح لك وسيلةً، تُسمى الهندسة التفاضلية Differential Geometry تبحث في السطوح المنحنية، وهو نفس ذلك الفرع المزعج من الرياضيات الذي أخبرتك أني كنتُ أحاول تعلمه - وأخفق ـ وأنا طفل صغير والهندسة التفاضلية هي الوسيلة الملائمة تماماً للتعبير عن هذا التصور للكون. وعندما تستعين بها لكتابة معادلات تعبر عن الآلية يتولد فيها التقوس من بُعدِ بفعل المادة، تجد أنَّ من السهل جداً أن تقوم في إطار هذا الفعل الهندسي من بعد ببناء سرعة للانتشار Speed of Propagation هي في الواقع سرعة الضوء. وبذلك تتوفر لنا طريقة لتجنب التضارب بين قوة الثقالة والنسبية الخاصة؛ فلم تعد الثقالة فعلاً آنياً من بعد، بل إنها تمثل الأداة التي تحني الكتلة بواسطتها الزمكان، وهو فعل ينتقل بسرعة الضوء.
وثمة مزية أخرى لتصور قوة الثقالة بهذه الطريقة، هي أنها تفسر ظاهرة التساوي الغامض بين الكتلة العطالية والكتلة التثاقلية عن طريق الاستغناء عن هذه المفاهيم بالكلية. واستناداً إلى نظرية النسبية العامة لم تَعدِ الثقالة قوة، فليس للأجسام في الحقيقة وزن أو كتلة تثاقلية. غير أنا نشعر فعلاً بالوزن؛ فإذا لم يكن هذا الشعور قوةً، فما عساه أن يكون؟
شكل 1.3 في الحيّز المكاني المحيط بالشمس تتَّبع الأرضُ أقصرَ السُّبُل بين النقطتين P وQ. وفي حين يكون هذا المسار في الحيز المكاني المسطّح خطّاً مستقيماً، فهو في هذا الحيز دائري تقريباً. (وفي ذلك شيء من التبسيط، لأن مسار الأرض. متقاصر في الزمكان لا في المكان فقط. ولما كانت الأرض تجري على البعد الزماني بسرعة الضوء، فإنَّ مسار الزمكان هو في الواقع لولبي بانعطاف طويل جدا.
وتقضي النسبية أنَّ الثقالة ما هي إلا تشويه للزمكان. ففي الفضاء المستوي ينص قانون العطالة على أنَّ الجسم إن لم تعمل فيه قوة ما، كانت حركته مستقيمة وسرعته ثابتة، أي إنه لا يخضع لأي تسارع. كذلك تنص نظرية أينشتاين على أن الأجسام تحت تأثير قوة الثقالة ليست خاضعة لأي قوة، فهي تتبع أيضاً مساراً مستقيماً وسرعة ثابتة: في زمكان منحن.
من هذا المنظور يتولى التقوس الأمرَ كلَّه ؛ فقوة الثقالة أصبحت غير موجودة، وهذا يستتبع أن مفاهيم الكتلة التثاقلية والعطالية أصبحت لا معنى لها، وانكشف الغموض عن ماهيتها. ومع ذلك فإذا أُخِلَّ بماهيتها في الصورة النيوتنية للكون، مهما بلغت درجة الإخلال، فلن نستطيع تفسير الثقالة من جديد بطريقة أينشتاين، أي تصورها كهندسة بدلاً من قوة.
خلاصة القول إنَّ المادة في سياق هذا التفسير للثقالة، تؤثر في شكل الفضاء المحيط بها فتحنيه؛ وهذا الفضاء المنحني يُحدد بدوره مسارات الأجرام التي تتحرك عبره. وفي حين أن المادة تُملي على الفضاء أسلوب الانحناء، يُملي الفضاء على المادة آلية الحركة.
لم يبق إلا تحديد المعادلة الدقيقة التي تعبر عن توليد الانحناء بفعل المادة. تُسمى هذه المعادلة في المصطلح الحديث «نظرية أينشتاين الحقلية"Einstein's Field Equation وهي نظرية صعبة حقاً، إلا أن الصعوبات المفاهيمية كانت قد ذُلّلت جميعاً من قبل.
يحق للناس أن يتساءلوا: كيف تأكد لأينشتاين، بعد كثير من التجربة والخطأ، أنه توصل فعلاً إلى الفكرة الصحيحة؟ يُقال أحياناً إِنَّ «إحساسه بالجمال» أوحى إليه أنه وقع على الحقيقة وهذا الزعم صادق جزئياً، لكن الأمر المؤكد أنه عثر سنة 1915 على شيء أبدع من أن يكون زائفاً، لكنه كان قد وقع عليه قبل ذلك وتخلى عنه في حينه. والحقيقة أن أسباباً كثيرةً موضوعية وبسيطة اجتمعت لتستبعد كل الاحتمالات الأخرى. وفي رأيي الشخصي إن هذه الاعتبارات هي أثمنها جميعاً، وهي بالتأكيد ذات صلة وشيجة بعملي في نظرية تفاوت سرعة الضوء VSL.
استرشد أينشتاين في بدايات عمله بحقيقة واضحة جداً تتمثل في أن نظرية نيوتن هي تعبير شامل وصالح لكل الأرصاد ولا تزال وكالات الفضاء تعتمد عليها باعتبارها أمراً مقطوعاً فيه كما ذكرت سابقاً. وفي سنة 1915، وبقطع النظر عن استثناء دقيق جداً أنا ذاكره في الحال تمكنت نظرية نيوتن من تفسير كل الأرصاد المعروفة التي تتحكم فيها قوة الثقالة. وهنا أدرك أينشتاين أنه مهما كان شأن نظريته العامة، فإن استعمالها في إجراء حساب فعلي يقتضي الوصول
إلى نتيجة قريبة جداً من نتيجة نيوتن. ومن حسن الحظ أنَّ هذا المعيار البسيط قد استبعد احتمالاتٍ كثيرة، فلم تعد الصورة كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، بل عن كومة قشُ في مرج.
هذا الأسلوب البارع يُظهر مدى اندفاع أينشتاين للإفادة مما حققه نيوتن. ومع أن التفكير قد ينصرف بسهولة إلى أنَّ العلماء يحاولون تخريب كل ما أنجزه من قبلهم على طريقة مفكرين آخرين، إلا أن ذلك غير وارد في الفيزياء؛ إذ يُفترض أنَّ الفيزيائيين يبدؤون دوماً بتأكيد ما أثبته الآخرون ممن سبقوهم والثناء على إنجازاتهم قبل الانتقال إلى تناول الجديد من الأفكار الدقيقة المُحْدَثَة. وهذا تماماً ما كان في حالة نظريتي أينشتاين ونيوتن.
ومع ذلك فإن الفرق بين نيوتن وأينشتاين هو أساساً مسألة ذوق لولا أنَّ تنبؤاتهما ـ عند مستوى دقيق جداً - أفضت إلى نتائج مختلفة. ولهذا السبب كانت ثمة أحداث مثيرة في الانتظار، مسرحية من فصلين، كما سنرى، تتصل بمسألة حيرت عقول الدارسين من غير العلماء هل العلم تنبؤ يسبق التجربة أم يليها؟
أجريت معي مرةً مقابلة تلفزيونية دارت حول موضوع تفاوت سرعة الضوء، قلتُ في ختامها إني أبحث في هذه المرحلة عن تجارب تمكني من الجزم بصحة النظرية أو خطئها. وفي اليوم التالي ألهمني أحد الصحفيين بأني أسأتُ أكثر مما أحسنتُ بإقراري أن مسألة التفاوت في سرعة الضوء هي نظرية فحسب» والحقيقة أنَّ العلم في معظمه ليس أكثر من نظرية لا تنفعل بالمشاهدات القائمة التي هي بأمس الحاجة إلى تفسير. لكن هذه النظريات المجردة» لا بد من أن تتنبأ سبقيّاً وعلى نحو واضح بمشاهدات جديدة تتمثل في حقائق غير مسبوقة استنبطها صاحب النظرية من الحسابات الرياضية حصراً. فإذا رُصدت هذه التنبؤات كانت النظرية صحيحة، وإذا لم تُرصد كانت النظرية خاطئة، هكذا وبهذه البساطة؛ فالعلم ليس ديناً.
والفكرة من وراء التنبؤات هي أن مسؤولية إعلام الراصدين بما يترتب عليهم رصده تقع على كاهل أصحاب النظريات، لأن محاولة توسيع دائرة معلوماتنا عن طريق الانتظار حتى العثور مصادفة على أرصاد جديدة هي كمن يخبط الليل أو يعجن الهواء. وهناك معالم استرشاد كثيرة ممكنة؛ كيف نتعرف الجهة التي علينا أن نبحث فيها عن شيء جديد؟ من الخير أن تتوفر لك نظرية مرشدة تدلك على ما ينبغي البحث عنه. ولا جَرَمَ أَنَّ الرصد وحده هو الذي يُثبت الحقائق ويُرسخها. أما في غياب النظرية فيُخشى أن يكون المرء عرضةً لتبديد وقت طويل في البحث من غير طائل.
ومن الطبيعي أن العلم يتقدم أحياناً في الاتجاه المعاكس، فإذا حدث ففي ذلك خير كثير، فقد تتقدم التجربة على النظرية، فنتمكن من كشف حقائق جديدة عن طريق الرصد أولاً، وتتركز النظرية عندئذ على التنبؤ اللاحق بالمشاهدات الموجودة، ويتمثل دور صاحب النظرية الآن في جمع المعطيات الجديدة المتوفرة والخروج بنظرية تفسّرها؛ أي إن على صاحب النظرية إيجاد إطار تكون فيه كل المعطيات ذات معنى.
من أجل ذلك فإن التنبؤ السبقي والتنبؤ اللاحق كليهما يؤديان دوراً مهماً في العلم، فهما غير متعارضين ولا متنافيين. والحقيقة أن رؤى أينشتاين في الثقالة قد أثبتها رصدان مذهلان: أحدهما تنبؤ لاحق والآخر تنبؤ مُسبق.
في سنة 1915 وجدت ظاهرةً واحدةً لم تتمكن نظرية نيوتن في الثقالة من تفسيرها؛ فالكواكب ترسم مدارات شبه دائرية حول الشمس، غير أن الدراسات الدقيقة تُظهر أن مداراتها في الواقع إهليلجية ذات مظهر دائري. والشكل 2.3 يصوّر هذا الشكل الهندسي (الإهليلج أو القطع الناقص) مع تعمد المبالغة في تمييزه عن الدائرة. وللقطع الناقص محوران يظهران في الشكل أيضاً. وواضح أنه كلما ازداد الفرق بين طولي محوريه أمعن في التحول عن الشكل الدائري، أي تزايد ما نسميه بالتعبير الرياضي اختلاف المراكز Eccentricity.
شكل2 دائرة (إلى اليسار) وقطع ناقص (إلى اليمين) رُسِمَ محوراه. وبتزايد التفاوت بين طولي المحورين يُمعن الإهليلج في التحول عن الشكل الدائري، أي يتزايد فيه اختلاف المركز.
وإذا استثنينا كوكبي عُطارد Mercury وپلوتو Pluto نجد أن مدارات سائر كواكب منظومتنا الشمسية ليست مختلفة المراكز كثيراً؛ فالمحوران المداريان للأرض مثلاً لا يختلفان بأكثر من 2 بالمئة، حيث لا يتغير بعدنا عن الشمس كثيراً. ومع ذلك إنَّ انحراف أشكال المدارات الكوكبية عن الدائرية واضح وفي متناول الأرصاد الفلكية، وقد لوحظ مباشرة بعد «ثورة» کوپرنیکوس Copernicus) (وهو تعبير يُشير إلى نظام كوبرنيكوس في اعتبار الشمس، لا الأرض، مركزاً للمنظومة الشمسية)، إنَّ أول من استنتج الطبيعة الإهليجية لهذه المدارات عن طريق الأرصاد الفلكية عالم الرياضيات الفلكي يوهانس کبلر johannes Kepler فيما يُعرَف اليوم باسم القانون الأول لكبلر Keplers First Law .
ويُمكن النظر إلى قانون كبلر إلى حد ما على أنه تنبؤ لاحق النظرية نيوتن؛ فنحن نجد أن نيوتن يستنبط في كتابه المعروف Principia قانون کبلر رياضياً، مفترضاً أن المنظومة الشمسية لا تحتوي إلا على الشمس وكوكب
شكل 3.
واحد (أياً كان ذلك الكوكب. إلا أنّا نعلم في الحقيقة أن ثمة عدداً من الكواكب في المنظومة الشمسية، يخضع كلّ منها لا للجذب التثاقلي للشمس فحسب، بل - وبدرجةٍ أدنى - إلى جذب الكواكب الأخرى كلها كذلك. ولهذا لا بُدَّ من إجراء تعديل على هذا التقريب في حسابات نيوتن الأصلية، وطريقة ذلك أن تقول أولاً إنَّ الكواكب لا تنقاد إلا للشمس على وجه القصر، ولذلك فهي تتبع مدارات إهليلجية؛ ثمَّ إنها تُعاني من اضطرابات ناشئة عن تأثير الأجرام الأخرى كلها، فتتغيَّر مداراتها تبعاً لذلك. إذن فكل ما يلزمنا حسابه هو هذا التعديل البسيط.
إنها حسابات مألوفة يقوم بها فيزيائي والنتيجة ـ استناداً إلى نظرية نيوتن - هي أنه بالنظر إلى آثار الاضطراب التي تُحدثها جملة الكواكب الأخرى، يدور كل إهليلج حول نفسه ببطء شديد؛ بمعنى أن محوره الكبير يغير اتجاهه ببطء في الوقت الذي ينتقل فيه الكوكب حول الإهليلج بسرعة أكبر بكثير. فكان التنبؤ النيوتني الدقيق لمدارات الكواكب على صورة وردية» Rosetta كالمبينة في الشكل .3.3. ويُلاحظ أنَّ الأثر ضئيل جداً، وأن قصور كل دورة شبه إهليلجية عن الانغلاق الكامل هو من الضآلة حتى لا يُعتد به، بحيث يقطع الكوكب كل سنة» مسافة منزاحة بقدرٍ يسير جداً عما قطعه في السنة السابقة، مع العلم أن الدورة الكاملة للقطع الناقص تستغرق في العادة آلافاً من سنوات الكوكب.
رُصدت هذه الظاهرة بالفعل في القرن التاسع عشر، في وقت كان قد اكتشف من الكواكب حتى أورانوس Uranus. وقد لوحظت درجة عالية من التوافق مع حسابات نيوتن واشتمل ذلك على مدارات كل من كواكب الزهرة Venus والأرض Earth والمريخ Mars والمشتري Jupiter وزُحل (Saturn. على أن بعض الاختلافات بين الحسابات النظرية والأرصاد العملية برزت فيما يتعلق بكوكب أورانوس بالذات. ففي حين حُسِبَت آثارُ الاضطراب الناشئ عن كل الكواكب الداخلية (مع ملاحظة أن كوكبي نپتون وبلوتو لم يكونا قد اكتشفا بعد) لم يُعثر على الوردية المرصودة. وبدا أن حلقة ما مازالت مفقودة إما من الحسابات النظرية وإما من الأرصاد العملية.
ولعلنا عند هذه النقطة نتذوق التنبؤ الدقيق البارع الذي صاغه الفلكي الفرنسي أوربان ـ جان ـ جوزيف لو فيرييه Urbain-Jean-Joseph Le Verrier الذي دفعه إيمانه الراسخ بنظرية نيوتن إلى ركوب موجة عظيمة، فرأى أن طريق الخروج من المأزق يتمثل بكل بساطة بافتراض وجود كوكب خارجي يُحدث اضطراباً في أورانوس، قادر - وفقاً لنظرية نيوتن ـ على تفسير ما تم رصده تفسيراً دقيقاً.
ذلك الكوكب المفترض، الذي أُطلق عليه اسم نپتون Neptune، لا بد أن يكون بعيداً عن الشمس بُعداً يجعله خافتاً جداً لراصده، بما يُعلل تعذر رؤيته على الفلكيين حتى ذلك الحين. ولم يقف لو فيرييه عند هذا الحد، بل راح يحصي بعض الخصائص التي يجب توفّرها في الكوكب المفترض، حتى إنه أعلم الفلكيين بالمكان والزمان اللذين يجب أن يجري فيهما الرصد. انقضت بضع سنوات واكتشف نپتون تماماً كما توقع لو فيرييه مكاناً وزماناً. أليس هذا أمراً مثيراً للإعجاب؟
لقد أسهم هذا الحدث إسهاماً كبيراً في توطيد نظرية نيوتن في الثقالة أكثر فأكثر ولكن سرعان ما اكتشفت ظاهرة شذوذ كوكبي أخرى، وهذه المرة في مدار عطارد؛ فقد وُجد أنَّ المدار الإهليلجي للكوكب مختلف المركز على نحو غير اعتيادي، وأنه يدور حول نفسه. بسرعة أكبر من دوران مدارات لكواكب أخرى. ومع ذلك فإنَّ الدور الفاصل الزمني) الذي يحتاج إليه مدار عطارد الإهليلجي لإتمام دورة كاملة يُقارب 243، 23 سنةً أرضية، على ألا يختلط هذا بالسنة العطاردية، وهي الزمن الذي يستغرقه الكوكب في قطع دورة كاملة حول مداره الإهليلجي، وهذا الزمن لا يتجاوز 88 سنة أرضية.
من ناحية أخرى، أفضتْ حسابات أجريت بالاستعانة بنظرية نيوتن، مع إدخال آثار الاضطراب التي تحدثها جملة الكواكب الأخرى في الحسبان، إلى نتيجة مختلفة: إذ وُجد أن المدار الإهليلجي لعطارد يُيم دورة كاملة حول نفسه في نحو 23.243 سنة أرضية، وأنه يدور بسرعة أكبر قليلاً مما تنبأ به نيوتن. وخلص العلماء من جديد إلى أن ثمة حلقة مفقودة إما من النظرية أو من الأرصاد.
لا غرو أن يُقرر لو فيرييه بعد النجاح الذي أحرزه، أن يُعيد الكرة من جديد؛ فافترض هذه المرة وجود كوكب داخلي أطلق عليه اسم فلكانوس Vulcanus وقال إنَّ هذا الكوكب الافتراضي قد يكون أصغر من عطارد وعلى مقربة دانية جداً من الشمس تجعل رصده أمراً جد عسير، بسبب خفوته الشديد، ولأنه سيُرى دوماً قريباً جداً من الشمس فضلاً عن احتمال تعذر
رصده في الليل. ولعل في ذلك ما يُفسر عدم رؤيته من قبل. وقد قدر لو فيرييه مرة أخرى المكان والزمان اللذين يجب أن يتوخاهما الفلكيون لرصد فلكانوس، وتهيأ لاستقبال نوبة ثانية من الاستحسان.
عندما انطلق البحث عن هذا الكوكب الجديد جاءت النتائج مخيبة للآمال؛ فلم يُر فلكانوس أبداً. وكرَّتِ السنون والفلكيون غير المحترفين يرصدون» من وقت إلى آخر الكوكب المراوغ في سياق بحثهم عن لحظة المجد المنتظرة، إلا أن شيئاً من تلك المزاعم لم يتأكَّد من مصدر مستقل. وسقط فلكانوس في منطقة تكتنفها اليوم الأجسام الطائرة المجهولة المنشأ UFOs فإذا كنتَ تواقاً لرؤيته فقد يظهر لك، علماً بأنه لم يسجل قط في هذا المضمار أي كشف على أساس علمي رصين ووقف العلماء حيارى في فهم هذه الظاهرة لا يدرون ما يفعلون، بل لقد تحولت إلى لغز يبدو أن الناس تقبلوه وتعايشوا معه بدلاً من محاولة البحث عن تفسير له.
تصور سعادة أينشتاين عندما عَلِم أن تطبيق نظريته النهائية في الثقالة على مدار كوكب عطارد قد فسر تماماً ظهور الوردية دون الحاجة إلى فلكانوس! فالتعديل الذي أملته نظريته على حسابات نيوتن كان كبيراً لا يستهان به فيما يخص كوكب عطارد، إلا أنه كان طفيفاً لا يُعتد به فيما يتصل بسائر الكواكب. وهكذا نجد أن نظريته قد أقرت ما حققته نظرية نيوتن من نجاحات في الوقت الذي راحت تحل المسألة الوحيدة التي عجزت نظرية نيوتن عن حلّها. ولم يكن بالإمكان أن تُحقق أكثر مما فعلت.
وقد صرح أينشتاين نفسه بأنه قضى أياماً يستخفه الطرب، مُكبَّلاً عن عمل أي شيء، ومستغرقاً في غيبوبة جميلة حالمة، فقد خاطبته الطبيعة. وكثيراً ما كنتُ أقول إن الفيزياء مدعاة للتسلية والمتعة لقدرتها على مَدكَ بقسط وافر من النشاط. ولا بد أن يكون ما حققه أينشتاين في هذه اللحظة. هو الجرعة المفرطة الأخيرة.
ومع ذلك فإن إيماءة استحسان ثانيةً من الطبيعة كانت بانتظاره، وهي تتعلق هذه المرة بالمجالات الخطرة للتنبؤات. فقد استنتج أينشتاين منذ بدايات تأملاته أنه إذا كان لتجربة البرج المائل لكاليليو أن تؤخذ على محمل الجد، وَجَبَ أن يسقط الضوء بتأثير قوة الثقالة. وإذا كان من غير المهم للثقالة أن تُحدد ماهية ما يسقط، ترتب أن يسلك الضوء بفعل الثقالة سلوكاً يُشبه سلوك الأجسام الأخرى السريعة الحركة. وهذه الأخيرة تصنع بفعل الثقالة مسارات منحنية يزداد انحناؤها مع تباطؤ حركة الأجسام، وهذا يستدعي أن تنحني أشعة الضوء قرب الأجسام الكبيرة الكتلة ولو قليلاً. والسؤال هنا كم هو هذا القليل؟
وتبين أن الجواب يتفاوت كثيراً من نظرية إلى أخرى، حتى عند الاقتصار على النظريات التي تحولت إلى اعتماد تنبؤات نيوتن بشيء من التقريب. وقد أجرى أينشتاين حساباته الأولى لهذه الظاهرة سنة 1911 أو نحوها، في إطار نظريته في تفاوت سرعة الضوء. ورغبة في زيادة التأثير إلى الحدود القصوى بغية تمكين الفلكين من فرصة رصد محتمل، فقد اتخذ الترتيبات التالية: بحث أولاً عن أكبر الأجرام كتلة من حولنا، آخذاً في الحسبان ازدياد قوة الثقالة مع تعاظم كتلة الجرم وازدياد كمية الضوء المنحنية. فوقع اختياره على الشمس باعتبارها منبع الثقالة.
ثم إنه اختص بالدراسة أشعة الضوء التي تسف الشمس أو تمسها. ولعلمه أن تأثير الثقالة يتناقص بسرعة مع تزايد البعد، أدرك أن شعاع الضوء كلما ازداد اقتراباً من الشمس ازداد انحناؤه أكثر فأكثر.
لذلك انصرف يتأمل فيما يمكن أن يحدث لصورة النجوم البازغة في السماء قريباً من قرص الشمس، ولا سيما ما يطرأ من تغير على مواقعها الظاهرية في صفحة السماء بفعل انحناء أشعة الضوء.
إلا أن أحداً لا يُمكن أن يرى النجوم قرب الشمس، لأنك إن استطعت رؤية الشمس فلن يكون الوقتُ ليلاً بالطبع حسناً، مع شيء من التحفظ؛ ذلك لأن حوادث الكسوف قد تُتيح ذلك للفلكيين على الأقل. ففي أثناء حادثة كسوف كلي يُغطي قرص القمر قرص الشمس تماماً بحيث يغدو بالإمكان رؤية النجوم الواقعة حول الشمس في سماء ليل غير اعتيادي، وقد تحقق في وضح النهار.
شكل 4 ترتيبة أينشتاين لكشف انحراف أشعة الضوء بفعل الشمس: راصد على الأرض يُراقب نجماً يَسِفُ ضوءه الشمس سفاً. ينتج عن انحراف شُعاع الضوء انزياح الصورة الظاهرية نحو الخارج.
وهكذا يمكن تمثيل ترتيبة أينشتاين بالرسم التخطيطي المبين في الشكل 4.3. يُلاحظ فيه أن ثقالة الشمس تؤدي دور عدسة مكبرة دقيقة تنشر صوراً نحو الخارج. تُسمى هذه العدسة أحياناً بالمصطلح العلمي العدسة التثاقلية Gravitational Lens. وبالإمكان أيضاً رؤية النجوم الواقعة «خلف الشمس لأن أشعة الضوء تنتشر في الزوايا إذا كانت الزوايا واسعة بدرجة كافية.
وبالطبع فإن الأثر محدود جداً، لذلك فهي تجربة دقيقة تتطلب الاستعانة بطرائق إضافية تتّسم بالخبرة والحذق، لعل أوضحها هوا البحث عن حشود نجمية بدلاً من نجم واحد، وتحري مدى التشوه الظاهري المُحْتَمَل لمواقعها النسبية، بسبب انحناء أشعة الضوء بمرورها خلف الشمس. ومثل هذه المجموعات النجمية متوفرة بكثرة في السماء، ومن يُمن الطالع أن أحدها يُمكن العثور عليه خلف الشمس تماماً عند الرصد من الأرض) في أثناء حادثة كسوف كلي. وليس على المرء عندئذ إلا أن يقوم بالتقاط مجموعتين من الصور الفوتوغرافية للحشد النجمي المختار إحداهما وهو على مسافة بعيدة عن الشمس، والأخرى إبان حادثة كسوف وضوء النجم يُلامس قرص الشمس، ثم يعقد مقارنة بين اللوحات، وسيرى أن المجموعة الثانية تبدو متمددة وكأنها مكبرة بعدسة (انظر الشكل5).
هذا هو النموذج الذي قدمه أينشتاين للفلكيين، وكان عليه بعد حساب زاوية الانحراف بدقة وفقاً لنظريته النسبية العامة. وكانت الحسابات التي أجراها سنة 1911 قد أفضت إلى تنبؤ مادي في هذا الصدد، إذ وجد أنَّ أشعة الضوء التي تسف الشمس لا بد أن تنحرف بنحو 0.00024 درجة، أي بما يناهز مقدار الزاوية المقابلة لكرة قدم تبعد عنك 50 كيلومتراً، وهي زاوية صغيرة حقاً. ويُشار هنا إلى أن الزاوية المقابلة للشمس أو للقمر في السماء تناهز نصف درجة على أن أعلى المقاريب المتوفّرة في مطلع القرن العشرين تمكنت من تمييز هذا النوع من الزوايا، وأصبح بالإمكان من حيث المبدأ رصد الظاهرة التي تنبأت بها النسبية العامة.
وتمثلت المشكلة في اجتماع الظروف الملائمة؛ فمع أن حوادث الكسوف الكلي قد تكون نادرة إذا اقتصر الرصد على منطقة واحدة من الأرض، إلا أنها في الواقع ظاهرة متكرّرة إجمالاً، إذ لا بد من وقوع حادثتي كسوف على الأقل كل سنة حيث لا يزيد العدد على خمسة. غير أنَّ هذه الحوادث ليست كلها حوادث كسوف كلي؛ فقد يحصل أن يحجب القمرُ الشمس حجباً جزئياً فقط. كذلك فليست كل حوادث الكسوف الكلي صالحة، لأنَّ من النادر أن يتفق اصطفاف الشمس والأرض مع حشد من النجوم في نسق واحد، في الوقت الذي يتفق اصطفافُ هذه كلها مع القمر أيضاً. إنَّ الحدثين غير مرتبطين على الإطلاق: وذلك يشبه ظهور قمر بدر يوم الجمعة، اليوم الثالث عشر من الشهر. لهذا السبب كان على علماء الفلك الانتظار والتجمل بالصبر وطول الأناة إلى أن تحين الظروف ملائمة لهم لوضع النظرية موضع الاختبار.
شكل 5 مفعول العدسة التثاقلية للشمس. يبدو حشد النجوم (يساراً) وهو يمر خلف الشمس إبان حادثة كسوف مكبَّراً (يميناً). (في الصورة تشويه وترخص.)
والحقيقة أن زاوية الانحراف وفقاً لحسابات أينشتاين سنة 1911 كانت خاطئة. وقد ذكرتُ آنفاً أنَّ حساب هذه الظاهرة منوط إلى حد بعيد بالتفاصيل الدقيقة لنظرية الثقالة المستعملة، فأفضت الصيغة النهائية للنسبية العامة إلى النتيجة الخاطئة؛ فالتنبؤ الفعلي للنسبية العامة بصيغتها النهائية يُساوي بالضبط ضعفي القيمة المذكورة آنفاً، أي 0.00048 درجة انحراف لشعاع ضوء يسف الشمس بدلاً من 0.00024 درجة. وهكذا كان تنبؤ أينشتاين بهذه الظاهرة خاطئاً حتى سنة 1915 عندما وجد أخيراً نظريته. يا للحرج الشديد!
ومما زاد الطين بلة وقوع حادثتي كسوف بظروف مثلى لرصد ظاهرة العدسة التثاقلية ما بين سنتي 1911 و1915، فأُرسِلَتْ على الفور حملتان فلكيتان إلى حيث يمكن رصدهما.
أما الحملة الأولى فقد قادها ثلة من علماء أرجنتينيين، مستفيدين من كسوف كلي متوقع في البرازيل سنة 1912 تُرى فيه جمهرة غزيرة من النجوم خلف الشمس في ذلك الوقت، محققة الظروف المثلى للتجربة. أُعدت لوحات هذا الحشد النجمي بينما كان بعيداً عن الشمس وانطلقت الحملة يحدوها الأمل بالنجاح، لولا أن أمطاراً غزيرة هطلت طوال اليوم، فلم يكن ثمة ما يُرصد سوى حجاب سحابي ليس إلا.
وأما الحملة الثانية فقد توفّر عليها علماء ألمان سنة 1914 وقعوا على كسوف أمكن رصده من شبه جزيرة القرم Crimea. وقد أظهرت الدراسات الفلكية ظروفاً مثالية لرصد الظاهرة، ودلالاتٍ على أنَّ حشداً نجمياً غنياً سيرى حول الشمس وقت الكسوف. وأعدت أيضاً لوحات هذا الحشد النجمي بعيداً عن الشمس، وانطلقت الحملة على جناح أمل واعد. وبدا كلُّ شيء يسير على ما يرام والأحوال الجوية طيبة، ولم يبقَ على الكسوف المنتظر سوى بضعة أيام عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، ووجدت الحملة نفسها فجأة في أراض معادية، فتمكّن بعض أفرادها من الفرار في الوقت المناسب، واعتقل البعض الآخر، ثم عاد الجميع أدراجهم إلى أرض الوطن في خاتمة المطاف بسلام، ولكن لم ينالوا شيئاً.
بدا نجم سعد يلوح لأينشتاين وهو يعمل ويُخطئ ويُسدد ويُصوّب، إلى أن أحرز تقدماً في صوغ الشكل النهائي لنظريته ووضع دقائق تفاصيلها، وعلماء الفلك ينتظرون.
وبقي الأمر كذلك حتى سنة 1919 حين نجحت حملة بريطانية قادها [آرثر ستانلي إدنگتون AS. Eddington) وكروملين Crommelin في رصد الظاهرة. وكان أينشتاين عندئذ قد توصل إلى الصيغة النهائية لنظرية النسبية العامة المستندة إلى التنبؤ الصحيح الذي أثبتت صحته الأرصادُ العملية.
الاكثر قراءة في النظرية النسبية العامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)