في العام الثلاثين من حكم «هوي آون» — حاكم جاو — تقلَّد «تیان دان» منصب رئيس وزراء جاو (ولُقِّب فخريًّا ﺑ «آن بنجون») [العام الثلاثون من حكم هوي آون، أي سنة 269ق.م، والثابت تاريخيًّا أن تيان دان لم يكن قد تولَّى بعدُ رئاسة الوزراء في ذلك العام، وكان قبل التاريخ بزمان يتولَّى قيادة قوات تشي وأبلى بلاءً حسنًا في الحرب ضد دولة يان، وفي 265ق.م. قامت دولة جاو بإهدائه إقطاعًا لا بأس به، وعينته قائدًا عامًّا للجيش، وفي العام التالي مباشرة شغل منصب رئيس الوزراء فيها]، وتصادف أنه التقى بالقائد العسكري الشهير «جاوشي»، وقال له: «لا أستطيع القول إني مستاء من طريقة توزيعك وقيادتك للقوات، وإنما أقول: إني لا أجد ما يحملني على الإعجاب بأسلوب القيادة نفسها، والسبب (الوحيد) في ذلك يرجع لطريقة استخدامك حشودًا هائلة من الأفراد في الاشتباكات فهذه الطريقة تعني أولًا: أن عدد المزارعين من الأهالي سيتناقص، بل لن يتمكن الناس من زراعة الأراضي، أصلًا، وثانيًا: فإن عملية نقل الحبوب إلى العتاد الحربي (لتموين القوات) ستعجز عن تلبية الطلبات المعتادة.
وإذن، فهي طريقة القعود جانبًا وتبديد الطاقة والجهد قبل بدء القتال، وهو ما يختلف تمامًا عما يمكن أن أفعله (في مثل هذه المواقف) وقد بلغني أن مجموع ما كان يحشده الملوك والأباطرة (العظام) في القتال لم يكن يزيد، بأي حال، عن ثلاثين ألف مقاتل، وهو عدد كان يكفي لإخضاع الممالك التي تحت السماء، لكنك تعتمد اليوم على حشود تبلغ المائة ألف أو المائتي ألف مقاتل للدخول في الاشتباكات، وهو الأمر الذي يضطرني إلى التحفُّظ على إبداء إعجابي.»
وتحدث مافو [لقب شرف للمدعو جاوشي] فقال: «لا يبدو أنك تفقه الكثير عن فنون الحرب والقتال، بل إنك لا تعرف أيضًا الصورة الكاملة عن الموقف الحالي على جبهات القتال، إن دولتي «أو»، و«قان» تملكان من السيوف القاطعة ما لو ضربت به أعناق الخيل وأجساد البقر، لقطعتها أشلاء مبعثرة، وإذا سلَّطتها على صفائح المعادن لمرقت فيها كما تمرق في أوهن المواد، وقسمتها قطعًا صغيرة تصنع منها الأطباق النحاسية والملاعق، أما إذا ضربت بها الأعمدة الحجرية المنتصبة لانكسرت السيوف شظايا متفرقة [حرفيًّا: تحطمت إلى ثلاث قطع متفرقة]، وإذا هوَيت بها على المقاعد الرخامية تحطمت السيوف شظايا ضئيلة متناثرة [حرفيًّا: تفرقت إلى مائة شظية].
وإذ نقوم الآن بدفع قوات تعدادها ثلاثون ألف مقاتل، فكأننا نضع السيف الضارب أمام كتلة عمود حجري بالغ الضخامة، ثم إن أحدًا منا لا قبل له بالمادة التي تُصنع منها سيوف دولتي «أو» و«قان»، فهي سيوف ذات مَضاء؛ حتى إن السيف الواحد منها لا يقطع الأشياء إلا بما زاد في سُمكه من الثخانة وفي نصله من الحِدة، ولا يكاد يبتر بِحَدِّه الأشياء، إلا بدقة جسده المعدني الرقيق [هكذا]. وحتى إذا توافرت للسيوف هاتان الصفتان دون أن تكون مزودةً بحمالة وقبضة ذات عوارض، ونصل رهيف الحد وعلائق مناسبة، فلن تصلح للضرب والطعان، وإلا أصابت الضارب قبل المضروب، فكيف يمكن للمرء أن يُحرز النصر، دون حشد قوات بهذه الكثافة (مائة، أو مائتي ألف مقاتل) وهو الحشد الذي يصعب في غيابه، تحقيق أي شيء؛ لأننا عندئذٍ نكون كمن نزل ساحة الحرب بين الممالك بقواتٍ قوامها ثلاثون ألف مقاتل وسيوف ثلمة النصال كليلة، بغير علائق ولا حمائل أو مقابض.
وإذا تأملنا أحوال البلاد في العصر القديم، ولاحظنا أن الأرض كانت موزعة — فيما بين البحار الأربعة (بطول الممالك وعرضها) — بين ما يزيد عن عشرة آلاف دويلة، وبرغم ما كانت عليه الأسوار المحيطة بتلك الدويلات من متانةٍ وقوة، فلم تكن تزيد — في أكثرها منعةً وضخامة — عن ثلاثين جانغ (تسعين مترًا تقريبًا)، وعلى الرغم مما قيل عن كثرة الأهالي واحتشاد الناس في الممالك، فلم يكن يزيد نصيب البلد الواحد من السكان عن ثلاثة آلاف عائلة؛ أي إنه لم تكن هناك أية مشكلة في حشد ثلاثين ألف مقاتل لمناوأة الواحد منها.
وإذا حاولنا اليوم — على سبيل المثال — تقسيم تلك الدول القديمة التي تجاوز عددها عشرة آلاف وقسمناها إلى سبع دولٍ كبرى ذات قدرات قتالية عالية، بحيث يصير في مقدور الدولة الواحدة منها تجهيز قوات ذات عدد وافر من المُقاتلين (مائة ألف مقاتل)، فإن أية قوة مكونة من ثلاثين ألف جندي، مهما ثابرت على القتال مع أي دولة من هذه السبع، فلن تجني سوى الهزيمة النكراء، مهما طالت بها السنون، تمامًا كما حدث لدولة تشي، وقد شهدت أنت بنفسك تلك التجربة، حيث كانت قد دفعت بجيش قوامه مائتا ألف جندي لمهاجمة تشو، وظل القتال دائرًا خمس سنواتٍ حتى أفرغ كل ما في جعبته وتوقف نهائيًّا بعد تلك المدة. وكذلك أيضًا حاولت دولة جاو مهاجمة دولة جونشان بقواتٍ تفوق المائتي ألف مقاتل، لكنها بعد خمس سنوات، ارتدَّت على أعقابها. وانظر الآن إلى دولتي «تشي»، و«هان» وهما تحشدان كل قواتهما في مواجهة بعضهما البعض في محاولة للتطويق المتبادل، فهل يعقل أن يأتي الآن من يزعم بأنه قادر على نجدة إحداهما بدفع ثلاثين ألف محارب؟ إن البلاد الآن تحوطها أسوار مرتفعة تبلغ ألف جانغ ويترقب الحرب على الجبهتين سكان كل واحدة منها، الذين لا يقل تعدادهم عن عشرة آلاف عائلة، إذ تدفع الآن بقوات تبلغ ثلاثين ألف مقاتل لحصار مدن حصينة عالية الأسوار [يبلغ ارتفاع أسوارها عشرة آلاف جانغ]، فإن ذلك العدد الضئيل من القوات لن يكفي لإحكام حصاره حول ضلع واحد من أضلاع المدن المسوَّرة، بل إنك لن تجد ما يتبقى (من القوات) لخوض المعارك الميدانية، (وهنا يبرز السؤال الأساسي) فما قيمة المُقاتلين الذين أرسلت بهم مددًا وعونًا للمُتحاربين؟ وفيم دفعهم إلى جبهات القتال، إذن؟».
وهنالك تنهد «آتنجون» عميقًا، قال: «أعترف بأني لم أبلغ ما أصبته بثاقب رأيك وسديد فكرك».