0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء

الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية

الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية

علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت

الفيزياء الحديثة

النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية

الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي

فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد

الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر

علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء

المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة

الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات

الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء وفلسفة العلم

الفيزياء العامة

مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

قليلاً جداً عن مآزق الكون

المؤلف:  نيل ديغراس تايسون

المصدر:  عن هذا الكون الفسيح

الجزء والصفحة:  ص103

2026-07-07

62

+

-

20

محاضرة في قاعة كارنيجي - شارع 92 نيويورك، 1 شباط 2007. واخيراً، بعد كل ما عرفناه من حقائق كونية، هناك من يريدنا أن نصدق أن ذلك كله كان من أجل نوع واحد من أنواع الحياة وهو الإنسان، من بين ملايين أشكال الحياة الأخرى على سطح الأرض، الأرض التي هي كوكب من بين مليارات الكواكب الأخرى، التي تدور حول مئات المليارات من النجوم التي تشبه شمسنا وهذه المليارات من النجوم تقع في مجرة واحدة، من بين مليارات المجرّات الأخرى. أيهما أكثر إحتمالية؟، إن الكون كله قد صُمم من أجلنا، أم إننا فقط نشعر مجرّد

شعور بأن الكون قد صمم لأجلنا؟»

مايكل شير مر من كتاب (Why Darwin Matters: The Case Against Intelligent Design)

ربما لم يسبق لأي مفردة في علوم الفيزياء الكونية والفلك أن حازت إهتماماً من عامة الناس مثلما حصل مع الثقوب السوداء). لكن علينا قبل كل شيء أن نوضح الطبيعة التي ينظر بها علماء الفيزياء الفلكية الى الأشياء، إنها تختلف جذرياً عما اعتاد عليه الناس في وسائلهم اليومية.

لو بدأنا مع كوكبنا الأرض في الحقيقة إنه ليس (كرة) متكاملة، فخلال مئات ملايين السنين من الدوران حول محورها، اتسعت قليلاً في منطقة الوسط، وصارت (مفلطحة)، بالحقيقة فإن نصفها الجنوبي أكثر (فلطحة) من نصفها الشمالي. أذكر هذه الأشياء لأنني أريد أن أقول إن الفيزياء الفلكية على سبيل المثال لا تعترف بأن قمة جبل أيفرست (8868 متراً عن سطح البحر) هي أعلى قمة في العالم. الأعلى يجب أن يقاس من بعده عن مركز الكرة الأرضية، المركز الحقيقي الوحيد. ولو أخذنا هذا البعد من المركز كمعيار لأعلى نقطة على سطح الأرض، سنجد أن بعض جبال الأكوادور هي الأعلى في ارتفاعها (أي في بعدها عن مركز الأرض). ولنتذكر أن قوّة الجاذبية الأرضية تتأثر تماماً بهذا البعد عن المركز.

هذا مثال فقط لسوء التصوّر الذي انتقل وانتشر بيننا عن طبيعة شكل الأرض، ومن دون فهم شكلها لا يمكن فهم الأمور الأخرى المتعلقة بنشأة الكون وطبيعة موقعنا بالنسبة للمجرّة.

هناك مسألة أخرى، هناك نماذج مُصنّعة تباع للكرة الأرضية، نماذج فيها بعض التجسيم، بحيث تبدو الجبال بارزة على سطح الأنموذج، ويمكن أن نتلمسها ونتحسس ارتفاعها بأصابعنا الواضح عن سطح النموذج، هذا أيضاً تصوّر خاطئ تماماً. لأن أعلى الجبال لو افترضناها أنها جبال هيملايا مثلاً، فإنها ترتفع بحدود 8 كيلومترات، عن السطح المجاور لها. ولو طبقنا هذا على أبعاد الأنموذج، بشكل نسبة وتناسب، كي نصف الحقيقة، فإنها ستكون أقل من ارتفاع خطوط بصمة الأصبع، لأنه ببساطة الارتفاع بـ 8 كيلومترات، لن يكون محسوساً بالمقارنة مع محيط الأرض البالغ أكثر من 40 ألف كيلومتراً. وكذلك منطقة (خندق ماريانا)، تحت المحيط الهادئ شرق الصين، حيث يُعد أعمق نقطة على سطح الأرض بـ 11 كيلومتراً تقريباً. ومن المفيد أن نتذكر (لماذا) تكوّن هذا الخندق، إذ أنه نتاج مباشر لالتقاء صفيحتين تكتونيتين، إحداهما هي صفيحة المحيط الهادئ، وهي الأكبر في قشرة الأرض على الاطلاق. في الحقيقة، أن جبال الأكوادور (تعلو) عن أعلى قمة في ايفريست بـ 500 متر تقريباً، وأعني بالارتفاع هنا هو الابتعاد عن مركز الأرض. أما مركز الأرض من وجهة نظر الفيزياء الفلكية، فإنها مركز الثقل الحقيقي لها، وهو لا يقع في المركز المتصوّر للكرة لعدة أسباب؛  أولها: إن الأرض ليست كرة منتظمة.

ثانيها: أن الأرض ليست متساوية في كثافات المادة التي تتشكل منها، فالبحار على سبيل المثال على سطحها أقل كثافة من الصخور واليابسة، فضلاً عن أن المادة المنصهرة المتحركة فيها تكتسب هي الأخرى حركة مستمرة نتيجة دوران الأرض حول محورها، ونتيجة الدوران المداري حول الشمس، وبالتأكيد سيكون هناك انتقال كُتلي بشكل دوامات داخلية، هذه كلها تجعل من المستحيل عملياً أن يكون مركز الأرض الجغرافي متطابقا مع مركز ثقلها الكُتلي. رغم ذلك، فعلينا ألا نتوقع هذا الانزياح بأن يكون كبيراً جداً نظراً للفوارق النسبية في حجم الأرض.

عندما نتحدث عن الحقائق الفلكية والحركات الدورية التي يشهدها الكون، علينا أن نتحلّى بمستوى عال من التصوّرات العديد من الناس يسألونني عن مرحلة ما قبل الكون. لقد مرّ على البشرية وقت ما كان فيه علماء الفيزياء (علماء كبار ومهمون) يعتقدون أنهم يمكن لهم أن يجدوا حلاً لكل مستعصيات الكون نظرية تفسّر كل شيء. قد نتفاجأ بمدى حماقة الجنس البشري وهو يسعى الى تفسير ظواهر وحقائق يراها بعينه دون أن تكون لديه قراءات حقيقية (Data).

وواحد من الأسئلة التي كانت ولا تزال مثار نقاش هي؛ ما الذي كان هناك قبل ظهور الكون؟ ، أعني ما هي الفكرة التي تترسخ اليوم (بوجود قراءات عديدة ومتنوعة عن الكون؟ كيف يمكن أن يكون هناك (لا شيء)، ثم ظهر هناك (شيء)؟.

الأمر لا يقتصر على أننا ليس لدينا ، (فكرة)، أو (تصوّر) عن هذا الموضوع، إنما الأمر مرة أخرى يتطلب خيالاً وقدرة على التصوّر تتجاوز ما هو متاح.

والحزمة الأكثر أهمية من بين هذه الأفكار التي تفسر نشأة الكون، كلها تأخذنا بطريقة أو بأخرى الى مفهوم تعدد الأكوان (Multi - universe concept)، وهي نظرية تحاول أن تدعم الشروح المتعلقة بوجود كون يدعم الحياة البايولوجية التي نعيشها. وتفترض أن حياتنا هذه هي (الوحيدة) التي صادف أن تدعم الحياة، وطريقة عشوائية تماما، وربما كان هناك (بضعة أكوان فقط) تدعم حياة مثل حياتنا هذه.

لتوسعة التصور عن العشوائية التامة التي نشأت فيها الحياة على الأرض، ثم بدأت تخطّ لنفسها نسقها في الاستمرار. وقديماً كان العلماء يظنون بأن هناك شيئا مميزا في الأرض أو الانسان أو البشرية بما جعل الاختيار العاقل يقع على الأرض لتكون حاضنة لنشأة الحياة. لنفترض المثال التالي:

لو أننا جلبنا 10000 شخص، وطلبنا منهم رمي قطعة نقود. ستكون النتيجة تقريباً أن نصفهم ستظهر له الصورة Head ) والنصف الآخر ستظهر له (الكتابة Tail). ولو طلبنا من النصف الذين ظهرت لهم (الصورة Head ) أن يكونوا على جنب ونترك الباقين يمضون. الآن نكرر الطلب مع هؤلاء (ولنفترض أنها كانوا بحدود 5000 شخص). ومرّة أخرى استبقينا فقط الذين ظهرت لهم (الصورة)، وثم نكرر العملية معهم، وهكذا دائماً نكرر العملية مع الذين تظهر لهم (الصورة) بينما نترك الذين تظهر لهم (الكتابة) خارج التجربة، في النهاية سيبقى اثنان فقط، وأحدهم ستظهر له الصورة، بينما ستظهر للآخر الكتابة. وحتى لو ظهرت الصورة لكليهما، فإن تكرار العملية لبضع مرات إضافية سيكون من المؤكد ظهور (الكتابة) لدى أحدهم.

في | النهاية سيكون لدينا شخص واحد فقط، لو راجعنا عملية رميه لقطعة النقود، سيكون قد رماها 13 أو 14 مرة، وفي كل مرة تظهر له (الصورة)، هل تتخيلون أن بإمكان أي منا الآن أن يرمي : قطعة النقود لـ 14 مرة، وأن تكون كلها تظهر على وجه (الصورة)؟. إنه أمر أشبه بالمستحيل لو حاولنا تنفيذه، ولو قضى شخص حياته يجرب الأمر لعدد من المرات، وفي كلّ تجربة يرمي النقود ل14 مرة متتالية، فهناك احتمال أن تنقضي حياته دون أن يفلح في تحقيق هذا الشيء.

أما هذا الشخص الذي ظهرت لديه بالفعل قطعة النقود على وجه (الصورة) لـ 14 مرة متتالية في التجربة، فليس هناك شيء مميز فيه، سوى أن الأمر جرى وفق عشوائية تامة، لا علاقة لها بالشخص نفسه، فهو ليس مميزاً بأي معيار.

هذا تقريباً ما حدث مع تحوّل الأرض الى مكان قابل لنمو الحياة. لكن من المفيد أن نعرف إننا نتحدث هنا عن أكوان متعددة وليس عن كون واحد، قد يفيد تشبيه كل كون بأنه أشبه بالفقاعة التي تتسع باستمرار. لكن الفضل يعود لـ دوغلاس هيو أيفيريت (Everette) () الذي منحنا هذا التصور عن الأكوان المتعددة. وفي الحقيقة، كانت هذه النظرية مفتاحاً لبعض الحلول في التصورات التي تتلازم مع فهمنا للكون.

أيفيريت لم يطرح أنموذجه للأكوان المتعددة ـ عام 1954ـ بطريقة مرتاحة، بل إنه واجه رفضاً من أهم علماء عصره. وعن عمله يقول ماكس تيغمارك (Tegmark)، الباحث الكبير في معهد ماساتشوسيت للتكنولوجيا؛ إن شروح ايفيريت كانت ربما بأهمية نظرية آينشتاين في النسبية، لكنها لم تلاقِ ترحيباً من علماء عصره. وكان أهم الرافضين لأفكار أيفيريت هو نيل بور Niels Bohr)، الذي يُعد أحد الآباء المؤسسين لتفسير ميكانيزما الكوانتم على ضوء النظرية النسبية لأينشتاين.

لا أستطيع أن أجزم بذلك، لكن عمل أيفيريت السابق في الـ (CIA)، ربما يكون قد ألهمه شيئاً من هذه النظرية، إذ كان ضمن فريق تقع عليه مهمة تقدير أعداد ضحايا الضربة النووية فيما لو اندلعت حرب نووية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وكان عليه أن يضع مجموعة اجراءات واحتياطات حسابية تجعل بالامكان تقليل عدد الضحايا الأميركيين، وزيادة عدد الضحايا السوفيات.

فكرة تقول بأن هناك أكوانا أخرى شبيهة بكوننا وهي أكوان موازية لبعضها البعض ومتفرعة من كوننا الذي هو بدوره متفرع عن أكوان أخرى، وفي كل كون من هذه الأكوان هناك صورة للحياة التي في كوننا ولكن مع بعض الاختلافات، حيث أن كل حدث كان يمكن أن يحدث في كوننا هو يحدث بالفعل في كون مواز آخر .. فمثلا في كون مواز معين الديناصورات لم تنقرض إنما استطاعت التكيف والبقاء على قيد الحياة بينما الانسان هو من انقرض، وفي كون مواز آخر، الحرب العالمية الثانية انتهت بانتصار دول المحور وليس الحلفاء، وهكذا.

الفكرة ليست سفسطة كلامية بقدر ما هي (إمكانية رياضية)، يمكن اثباتها عبر حلول رياضية لمعادلات نشأة الكون .

في الحقيقة أن إيفيريت جاء بفكرة الأكوان المتعددة هذه في محاولة منه لحل أحد ألغاز ميكانيزما الكم، وهو مبدأ (عدم اليقين) لهايز مبرغ أو معضلة القياس في ميكانيزما الكم والذي يقول أنه في حالة دراستنا لمادة كمية جزيئات أقل من (الذرة فإننا سنلاحظ أنها تتصرف بشكل غير منضبط، وهذا ما يجعلنا غير متأكدين لا من طبيعة هذه المواد الكمية، ولا من خصائصها. .. فمثلا عن دراستنا لسلوك الفوتونات الضوئية نجد أنها أحيانا تتصرف كجسيمات (particles) وأحياناً أخرى تتصرف كموجات (waves)، وذلك هو صلب الفكرة في نظرية الكم،

وكما رأينا في شرح النظرية فإن كل تلك الجسيمات تكون موجودة بكل احتمالاتها في حالة (superposition ) أو ما يعرف بـ (التراكب الكمي)، ولكن بمجرد رصدنا لها ستنهار دالتها الموجية ويحدث لها (collapse) وهكذا تعطينا احتمالا واحدا فقط، يعني عملية رصدنا له أجبرته على اتخاذ حالة واحدة فقط يظهر فيها من بين كل الاحتمالات الأخرى) وهنا تدخل ايفيريت وقال بأن ما يحدث عند الرصد أو القياس ليس انهياراً لتلك الاحتمالات بل أن كل تلك الاحتمالات تحدث بالفعل، ولكن في أكوان أخرى متفرعة عن كوننا هذا عددها يساوي عدد احتمالات الرصد وبالتالي كل تلك الاحتمالات تحدث في هذه الأكوان المتعددة .. ولتبسيط الفكرة لنأخذ مثالا عن قطة شرودينجر التي كانت مثالاً في موضوع نظرية الكم:

قطة شرودينجر بعد مرور ساعة من وضعها في الصندوق كان لها احتمالان فقط: إما أن تكون حية، وإما أن تكون ميتة.

وحسب نظرية الكم هي القطة فعليا حية وميتة في نفس الوقت لأن كل ذرات المادة المشعة التي وضعت معها تتحلل ولا تتحلل في نفس الوقت وبالتالي فالقطة نفسها أصبحت في حالة تراكب كمي (superposition) وهنا يقول شرودينجر بأنه حينما نفتح الصندوق الذي فيه القطة لا محال ستتخذ إحتمالا واحدا فقط من الاحتمالين (مثلا حية) والاحتمال الآخر الذي هو ميتة) يُمحى أو يزول أو بتعبير رياضي ينهار انهيار الدالة الموجية ويختفي من الوجود تماماً، ولكن هنا إيفيريت قد اختلف مع شرودنجر، وقال بأن الأحتمال الآخر يحدث بالفعل ولا يزول، بل إنه يحدث في كون مواز آخر بمعنى أن القطة ستكون ميتة في كون آخر لدى شرودينجر آخر قام بنفس هذه التجربة على القطّة ولكنه في كون آخر من هذا الوجود مواز لكوننا.

طبعا هذا الكلام معناه أن كل حدث يقع في كوننا ينجم عنه نشوء أكوان أخرى متفرعة عددها مساو لعدد احتمالات نتائج الحدث الذي وقع بالفعل، وهذا معناه أن هذه الاكوان المتعددة تتكون في كل لحظة وفي كل ثانية وأن عددها لا نهائي!

طبعا هذا الطرح النظري لـ إيفيريت أثار جدلاً واسعاً جداً، وولد نتيجته عدة أسئلة لا يوجد لها جواب منها:

متى بالضبط تكونت هذه العوالم أو الاكوان؟، وكيف يمكنها أن تتكون بهذه السرعة؟، أم أنها موجودة منذ البداية؟، ولكن كيف وما علاقتها ببعضها البعض؟ وأي الكون الاصلي وأي الكون التابع؟.

وغيرها الكثير من الأسئلة.. وهذا ما جعل فكرة إيفيريت تقابل بالرفض من طرف معظم علماء الفيزياء واعتبرت مجرد خيال علمي، ولذلك يعتبر هذا الأساس للنظرية هو الأساس الأضعف في نظرية الأكوان المتعددة، وهذا ما جعل ملف نظرية الأكوان المتعددة يُغلق ويرفض تماماً في الأوساط العلمية لمدة طويلة جداً الى أن جاءت نظرية جديدة اسمها نظرية الأوتار الفائقة (Superstring theory) والتي أعادت الاعتبار لنظرية الاكوان المتعددة.

لكن الأمر الجدّي في العِلم إنه لا يعتمد على مدى استغرابنا من المواضيع والحقائق، فعلى سبيل المثال كانت فيزياء الكوانتم تبدو حتى للعلماء بما يشبه الهلوسات، وهي غريبة تماماً عن مفاهيمهم الفيزيائية. الآن الوضع اختلف جداً، فالعلماء يتعاطون معها على أنها جانب حقيقي من الفيزياء، وهناك أدلة وبراهين تعزز النظريات التي تحدثت بادئ الأمر عن شرح فيزياء الكوانتم. والمثير في هذه النظرية هو أننا يمكن أن نشير الى وقت ولادة كوننا، لأن هناك أكوانا كانت قد انتهت ولادتها لحظة ولادة الكون الذي نعيش فيه.

والآن، حين نقول: «كان هناك لاشيء قبل انبثاق الكون»، أولاً علينا أن نفهم أن لاشيء» هذا، له مستويات متعددة. ولو خرجنا الى الفضاء، ولم يكن هناك هواء على سبيل المثال، يمكن أن نقول إنه لا شيء». لكننا هنا نترك الكون حيث ستكون الحالة هو انعدام الفضاء «نفسه، وهذا لا يمكن أن نطلق عليه «لاشيء». ولو نأينا بأنفسنا عن مناقشة الأشياء التي لا نعرفها، وربما الأفضل أن نناقش الأشياء التي انبثقت في الكون (الكون نفسه انبثق في لحظة ما). وهنا بالتأكيد سنعود الى مناقشة مسألة المادة المضادة، لكن نظرية الأكوان المتعددة تشترك مع النسبية لأينشتاين، بأنها تؤكد حقيقة هي: ليس كل الدقائق الموجودة في هذا الكون لديها نظير مقابل لها. وهذا واحد من أكثر العجائب والألغاز أهمية في هذا الكون.

وربما من المفيد أن أتكلم هنا ببعض الخلفية عن هذا الموضوع. وتحديداً قبل 13.7 مليار سنة، كان الكون أصغر بكثير من حالته التي هو عليها الآن، وأكثر كثافة بكثير، وأعلى في ارتفاع درجة حرارته كان

ساخناً الى درجة أن المادة والطاقة كانتا تشكلان هذا «الحساء» المختلط. الآن نحن نجلس هنا، ويمكن أن نراهن على إننا لن (ننبثق) في لحظة معينة لنتحول الى (طاقة)، ونختفي في أركان الفضاء، لكن الوضع كان يختلف مع بداية نشوء الكون لماذا لا نتوقع حدوث هذا الأمر الآن؟،

لأننا نعيش في بيئة لا يحدث فيها هذا الفعل طوال الوقت على العكس من بيئة النجوم، حيث يحدث هذا الأمر دائماً وباستمرار.

في الحقيقة لو كنا منغمسين في تلك البيئة (لنفترض إننا لن نتبخر وقتها)، فليس غريباً أن نرى في كل لحظة دقائق تظهر الى الوجود من الطاقة. أي إنها تتحول من شكلها تحت عنوان الطاقة الى شكلها تحت عنوان المادة، أو أن نشاهد العكس، إنه أمر طبيعي جداً. نعود الى الوراء في التاريخ، الى بدايات الكون، ربما سنشاهد «كرة» من الطاقة، وطالما أن الكون يبرد فعليه نجد أن هذه الطاقة تتحول تدريجياً الى مادة.

لكن لو كانت درجة الحرارة مرتفعة بما يكفي، فإن العملية ستكون قابلة للانعكاس (تفاعل انعكاسي)، المادة تتحول الى طاقة، والطاقة تتحول الى مادة. لكن الأمور وصلت الى مرحلة ما، كان فيها حوض الطاقة ليس ساخناً بما فيه الكفاية كي ينتج المزيد من الدقائق (المادة).

إن كانت هذه هي الحالة فإن كل المادة، والمادة المضادة، ستتلاقى وتسحق بعضها بعضاً، وسيكون هناك عمود من الضوء ينتشر في كل مكان، ويصبح كل ما في الكون هو ضوء مستمر بالانتشار. لكن هذا ليس ما حدث في الحقيقة، هذا ليس الكون الذي نعيش فيه عملياً. إن كوننا فيه موازنة غير مستقرة بين المادة والمادة المضادة.

إن المادة المضادة هي عكس المادّة وهي المادة في شكل دقائقها دون الذرية (في شكلها الأوطأ من الحالة الذرية). وخواصها معاكسة الخواص المادة ولها شحنة كهربائية معاكسة لشحنة المادة. وكان العالم البريطاني بول ديراك Paul Dirac الحائز على جائزة نوبل، هو أول من تنبأ بوجودها. وقد وضع ما يعرف اليوم بـ (معادلة ديراك). وهي معادلة (نسبوية) تحتسب معادلة الموجات بوجود متغير التأثير الكهرومغناطيسي (يعني المعادلة تأخذ بعين الاعتبار وجود هذا التأثير)، وهي الحالة الطبيعية في الموجات الكونية، أو بغيابه (وهي حالة افتراضية مختبرية). وأطلق ديراك أسم الفيرميون (Fermion)، على الدقائق الأصغر من الذرة.

واحدة من التطبيقات المتوقعة لهذه الاستكشافات، أن التكنولوجيا إذا تمكنت من مصادمة دقائق الفيرميون (هنا) على الأرجح سيجري استخدام نظائر الهيدورجين الثقيلة، اذا اصطدمت بطبقة من اليورانيوم، أو بطبقة من البروتونات المضادة لليروانيوم، فإن اندماجاً سيحصل بعد سحق كل الفيرونات لبعضها البعض، وهذا التفاعل يمكن أن يحرك مركبة فضائية بأضعاف الطاقة التي تتحرك بها حالياً المركبات المتوفرة، هذا يعني سرعات أعلى ومديات أبعد في الوصول ضمن هذا الكون الفسيح.

إذن، لقد ولد الكون من عملية (غياب التوازن) هذه بين المادة المضادة والمادة في الحقيقة، فإن لكل 100 مليون زوج من دقائق المادة والمادة المضادة، هناك دقيقة واحدة (الجمع دقائق)، تطفو على ظهر عدم التوازن هذا، وتنتقل بين الطاقة والمادة.

وهذه واحدة من أكبر ألغاز الكون التي لا نعرف بالتحديد سببها، لدينا في الحقيقة بعض الأفكار عنها، لكن لا شيء مؤكد.

لكن لنتصور أن كل المجرات والسحائب الغازية، بنجومها وكواكبها، والدقائق التي تملأ الكون قد نتجت عن هذا الواحد من 100 مليون من الدقائق، حيث لم ينسحق مع نظيره، وظهر الكون، وكل شيء آخر هو مجرد ضوء. هذا الضوء الذي نراه، وجزء منه هي الموجات الكهرومغناطيسية التي التقطناها.

والآن، إما أن نقول بأننا محظوظون، أو أن نقول إن هناك 100 مليون كون آخر، وإننا الآن نتحدث فقط في هذا الكون الذي تصح فيه هذه المعلومات. وهذا لا يجعل منا محظوظين، إنما هي مجرد واقعية آنية. فالفكرة التي سبق أن شرحتها في لعبة 10000 شخص مع رمي قطعة النقود، هي ذاتها هنا إن تفكيرنا غير مؤهل لاستيعاب هذه الحقائق من وجهة نظر احصائية. وإن فكرة أننا قد جرى (إختيارنا) من بين آخرين كي نفوز بالحياة ستغدو فكرة ساخرة. بالتأكيد أن فكرة تخصيص الكون كله لك ومن أجلك ستكون فكرة ساخرة تماماً.

وأنا هنا أحاول أن أجلب انتباهكم وإدراككم الى حقيقة، هي مهما كانت الحقائق في الكون، فإن تاريخ استكشافاتنا تقول لنا إننا لسنا مميزين بأي شكل من الأشكال. وإذا كنتم مقتنعين بأن الجنس البشري جنس مميز فقط انظروا الى تاريخ هذه الأفكار، وكيف كانت خاطئة تماماً في فكرتها عن كل شيء، الكون البداية، المادة، الأرض. تمهلوا للحظة، وانظروا كيف كانت هذه الأفكار مغلوطة، ثم بعد ذلك سيواصل العلم استكشافاته.

العديد يسألني ماذا كان قبل الانفجار العظيم؟ ببساطة لا نعرف، ولسنا متأكدين لأنه لا توجد لدينا قراءات بهذا الخصوص. أعني أنني لا أمانع أن أذهب في الاتجاه السلبي لخط التاريخ، الأمر يشبه الاختيار العشوائي لبداية التقاويم. مثلاً التقويم المسيحي يبدأ من السنة صفر من ميلاد المسيح، والتقويم الإسلامي ! له علاقة بمحمد والتقويم الصيني له علاقة بحدث ما هناك، وهناك تقويم يهودي، هذه هي التقاويم العشوائية التي اختير فيها رأس البداية بطريقة لا علاقة لها بشروع الكون في أحداثه الجسام.

الآن كل ما متوفر لدينا لنبدأ به تقويم الكون هو (الانفجار العظيم) ولو جاء اليوم الذي يمكن فيه بدء التقويم من تاريخ (قبل) الانفجار العظيم، بالتأكيد العلماء سيرحبون بهذه الطريقة الجديدة ساعتها. لكن، كوننا قد أشرنا بداية الزمن مع الانفجار العظيم، هذا لا يمنعني من التفكير في ما قبل ذلك الحدث. لكن الأهم من هذا، حالياً ليس لدينا فكرة عن كيفية البحث في ما قبل الانفجار العظيم، على الرغم من أن الكلمة (ما قبل) لا يمكن أن تكون صحيحة هنا، لأن الزمن نفسه بدأ مع الانفجار العظيم. طبعاً ليس من الحكمة أن نتصور أن هناك مانعاً دائمياً سيحجزنا وسيحول بيننا وبين فهم (ما قبل) الانفجار العظيم.

علينا أن نفهم إمكانية أن يولد بعدنا جيل، سيكون أكثر فهماً منا، وستتراكم لديه قراءات معرفية أكبر مما هو متراكم لدينا الآن، وعندها سيكون متاحاً ومحتملاً جداً أن يحصل هذا الجيل على حلول وأجوبة للأسئلة التي نواجهها الآن ونظن أن لا حل لها.

وكثيرا ما يطرح الناس تساؤلاً مماثلاً لكن هذه المرة عن المكان وليس عن الزمان. وحين يعرفون أن الكون قد ولد قبل 13.7 مليار سنة، يكون السؤال؛ ماذا يوجد في نهاية هذا الاتجاه اليمين مثلاً)، أو أن يكون؛ ماذا يوجد في نهاية الاتجاه المقابل (اليسار مثلاً). الأمر يحتاج الى تركيز قليل. أقول؛ لأن الضوء لا يسير بسرعة لا نهاية لها، أعني أن الضوء سريع جداً لكنها ليست سرعة (مالانهاية) فالضوء يسير بسرع عة (300 ألف كيلومتر / ثانية)، إن سرعة الضوء محدودة، أي أن لها حداً لا تتجاوزه. وبالمقاييس الكونية ستكون سرعة الضوء بطيئة، بحيث يمكن أن يزعجنا أمر إجراء مكالمة هاتفية مع شخص على سطح القمر ، لأن التأخير في الرد وسماع الإجابة سيكون بحدود 3 4 ثواني. هذا هو الوقت الذي يستغرقه الضوء للوصول الى القمر، وكذلك يستغرق تقريباً ثماني دقائق كي يصل من الشمس إلينا. ويستغرق 100 ألف سنة كي يعبر المجرة (درب التبانة). وربما يستغرق مليار سنة للوصول الى مجرّة أخرى. ويستغرق 13.7 مليار سنة لعبور الكون الذي نعرفه، إذن فهو يستغرق وقتاً، لنثبت هذه الحقيقة، الضوء يستغرق وقتاً لقطع المسافات. وفي المقابل هناك حقيقة أخرى، أن الكون لديه تاريخ معيّن ولد به ونشأ فيه، وهي 13.7 مليار سنة قبل الآن. هنا لتتصوّر (كونا) كبيراً بما لانهاية له. وتصوّر نفسك أنت في موقع يقع وسط هذا الكون الذي لا نهاية له)، وفي هذه الحالة أخبرك بأن هذا الكون قد نشأ قبل 13.7 مليار سنة، ومن هناك سننطلق الى سطح الكرة أو الدائرة المحيطة بك، والتي تبعد عنك 13.7 مليار سنة. بعبارة أخرى، إذهب الى البقعة التي يصل إليها الضوء القادم من الأجرام بعد أن قطع 13.7 مليار سنة ليصل اليك. ستجد نفسك في تلك الحالة وأنت تشاهد تلك الأجرام وهي تولد للتو . لماذا؟ لأن الضوء الذي انبعث مع ولادتها قد وصلك الآن فقط ولو اقتربت قليلاً (أي تراجع موقعك نحو نقطة انطلاقك الأولى)، فسوف ترى الضوء الذي صدر عن الأجرام التي ولدت للتو، لكنه ضوء استغرق في وصوله أربعة مليارات سنة مثلاً. ولو تراجعت قليلاً، سترى الأشياء التي حدثت قبل ثلاثة مليارات سنة مثلاً، ولو تراجعت أكثر سترى الأشياء التي حدثت قبل بضع سنوات، الى أن تعود الى بقعتك التي انطلقت منها، لحظتها سترى الأشياء بحالها المعاصر الآني.

لهذا، فإن هناك حدودا لأبعد الأشياء التي يمكن أن تراها، وسط كون لا نهاية له. انتظر مليار سنة أخرى، وستتمكن من رؤية أفق يبعد عنك 14.7 مليار سنة بدلاً من 13.7.

والشيء المثير للاهتمام في الكون الذي نعيش فيه، هو أنه طالما كان هناك مجرات، فإن هناك أفقاً يحتويها ويتسع باستمرار ليضمها. وستكون دائماً شاهداً على ولادة شيء في هذا الكون. الجزء المهم، لو تصورنا أن حدث الانفجار العظيم قد انتقل عبر المجرّة. حيث لم يكن هناك مجرّة، لكن هذا ينبئ بأن الأفق المنظور حينها سيصل الى حدود حيث لا توجد فيها مجرات إضافية. هذا سيصل بك حقاً الى حافة الكون (حيث لا كون بعده)، أما الآن فإننا يمكن أن نصف فقط حدود الأفق الممكن حولنا. وهذا الأفق مازال يتسع ويمنح المجال بعداً آخر للتصوّر، ومازال يوصل إشارة الانفجار العظيم ولو سألنا من هو الذي ولد قبل خمسة مليارات سنة في هذا الكون؟، ستكون الإجابة أنها المجرات التي تبعد عنا الآن خمسة مليارات سنة ضوئية.

والمثير أن كل نقطة في الكون لها أفقها الخاص بها في كل الاتجاهات. فلو كنا نقف هنا، فإننا (هنا) نقف على حافة الكون بالنسبة لمجرة تبعد 13.7 مليار سنة باتجاه اليمين مثلاً.

والآن فقط يصلهم ضوؤنا الذي انطلق قبل 13.7 مليار سنة، الآن يصلهم فقط. لهذا فهم يروننا من خلال إشارة الانفجار العظيم، إننا نمثل لهم إشارة الانفجار العظيم. الأمر يشبه كما لو أن كل سفينة في البحر لها محيطها الخاص من الأفق القابل للرؤية.

وقديماً كنا نعتقد أن كلمة (كون)، إنما تعني كل شيء ممكن وجوده. الآن صار لها معنى آخر، فهي تعني من وجهة نظر الفيزياء الكونية، كل شيء قابل للرؤيا، وتعني كل شيء يمكن أن يصل اليه الضوء. فعندما نسأل كم هو حجم الكون؟، تكون الإجابة أنه الكون الذي يمكن أن يصله الضوء الذي انطلق منذ 13.7 مليار سنة. وعندما نسأل كم عدد النجوم في الكون؟ ، فهو رقم (1021) من النجوم. وعلينا أن نحدد، أن هناك الكون القابل للرؤية، وهناك الكون الذي يتمدد اليه الضوء ويتسع معه ليتسع الكون كله. وأنا أضع احتمالاً أن هناك في نهاية المنطقة التي يصل اليها ضوء الكون بالفعل، فإن قوانين الفيزياء قد تكون ليست هي العاملة لدينا.

وهذا ما جلبته نظرية الأكوان المتعددة، حيث تحتمل أن قوانين : الفيزياء ستكون بحاجة الى بعض التعديل في تخوم الكون ما نحتاج اليه لفهم هذه الخاصية، هو ألا نكون أول من يستكشف المنطقة التي لا تعمل فيها قوانين الفيزياء كما ينبغي.

طيب، لماذا علينا أن نعرف المزيد عن مكان ربما لا تعمل فيه قوانين الفيزياء؟.

في حياتنا اليومية، منذ أن نتناول طعام الإفطار وثم الذهاب الى العمل، والعودة الى البيت أو الذهاب الى التسوق، لا أحد سيسألك عن مكان لا تعمل فيه قوانين الفيزياء. أعتقد أن الرغبة في أن نعرف هي التي تدفع بنا الى المزيد من البحث بهذا الشأن. وهذه الرغبة تكون عادة عابرة للثقافات، واستمرت تتقد وتؤثر عبر التاريخ في معارفنا الانسانية. الأمر يفرق فقط في كمية تدفق هذه الرغبة. الأمر يفرق أيضاً عن الجلوس في كهف، والنظر عبر الوادي، وأن تحدّث نفسك وتتساءل عما يمكن أن يكون هناك في الجانب الثاني من الوادي. ربما لن يكون هناك أي دافع للتساؤل، فلديك في هذا الوادي كل شيء، فلماذا تسأل عن الطرف الآخر؟. في الحقيقة إن القدرة الاستكشافية للبشر أثبتت دائماً أننا في حالة متغيرة ومتفاعلة من تقدير احتياجاتنا، وتخمين أفكارنا عن أنفسنا إجابة السؤال من نحن؟). دائماً اثبتت البشرية أن هذا الأمر كان متغيراً ومتطوراً باستمرار.

ليس بوسعي أن أدعي هنا أنني أو أي باحث آخر يعرف كيف تسري قوانين الفيزياء في أكوان أخرى، لكنني أنظر الى تاريخ العلم وتشكلاته، وتاريخ الاستكشاف، ولا يسعني أنكار أن الجنس البشري كان ينظر دائماً الى ما بعد الأفق المتاح له أن الجنس البشري له هذه الميزة، إن لم نقل إنه التزام لازم الانسان بأن يعرف أكثر على طول الخط.

وبالمناسبة، نحن نعيش في أمة غنية، والغنى هنا يضع المزيد من الواجبات عليها والغنى يعني أيضاً أننا كأميركيين يمكن لنا أن نوفي مدفوعاتنا المعيشية ومتطلبات التطور وعجلة الحياة، وفوق هذا نوفر القليل من المال من أجل المزيد من الاستكشافات.

وربما أسخر من بعض الناس الذين يضعون أرواحهم في خطر بينما يحاولون تسلّق الجبال، لكن عليّ أن أعترف إن هذه هي روح الاستكشاف الروح التي تدفعنا الى خلق الدوافع لأجل استكشاف حقيقة ما تبدو عليه العوالم الأخرى.

ربما يكون طريفاً أن أبين أن كل ما نشاهده في السماء الصافية من نجوم في الليل، وكل ما نشاهده على الأرض، كل ما نعرفه وكل ما نحبه إنما لا يشكل سوى 4% من الكون .

كل المادة والطاقة، كل الفوتونات وكل النيوترونات. كل شيء، هو لا يزيد عن 4 % من محتوى الطاقة في الكون. البعض يقول إن هذا أمر ا محزن، لكنني أتساءل هل إنه محزن لأنه (قليل)، أم لأننا لا نعرف أي دليل على الـ 96 % المتبقية ؟

هذه الـ 96% المتبقية من الكون، والتي لم يجرِ فحصها أو اختبارها أو استكشافها بعد تدعى الطاقة المعتمة Dark Energy ) وهو مصطلح يطلق على القوى أو المسببات التي لا نحمل لها تفسيرات لحد الآن. يمكن الى درجة ما وصفها بأنها نوع من الجاذبية التي لا نمتلك دليلاً عنها.

وفي عام 1999، صار معلوماً لدى العلماء بأن التوسع في الكون إنما يجري بصورة متسارعة وليس بمعدل ثابت، الأمر الذي غير الحسابات السابقة عن حجم المادة المضادة أو الطاقة المعتمة الموجودة في الكون. ومن المهم هنا أن نفسر مسألة المادة المعتمة والطاقة المعتمة بأنها لا تشبه فكرة (الأثير) التي سادت الى غاية القرن التاسع عشر، حيث كان العلماء يظنون أن الضوء حتى ينتقل في الفضاء فهو بحاجة الى وسط ناقل وأطلقوا عليها مصطلح (الأثير). وفي الحقيقة لم يكن هناك دليل على وجوده، وقد كان مجرد افتراض علمي. بعد ذلك عرفوا أن الموجة الكهرومغناطيسية ليست بحاجة الى وسيط ناقل. فهي بامكانها أن تنتقل في الفضاء المفرغ الذي نسميه الاشيء».

الفرق في مسألة المادة المعتمة أو الطاقة المعتمة هنا أنها قابلة للقياس، فالعلماء لم يفترضوها أو يفترضوا وجودها، إنها موجودة. وهناك دلائل قوية وبائنة على وجودها إلا أننا لا نفهم مصدرها لحد الآن.

إذا نظرنا الى المكونات الكيميائية لما نسميه بـ «الحياة» ربما تتذكرون من أهم دروس علم الأحياء فإن المادة الأساسية هي الماء. ويبدو لنا من موازنة الحياة عبر توفر الماء جزيئة HO) ، يظهر لنا أولوية الهيدروجين لتوفر الحياة، ثم الأوكسجين، ويأتي بالدرجة الثالثة عنصر الكاربون (C)، ثم يليه النايتروجين، بعد ذلك تتوالى العناصر الأخرى المتبقية. ولو اطلعنا على المكونات المادية للكون، لوجدنا أن العنصر الأول الأكثر انتشاراً هو الهيدروجين، ويليه في الوفرة عنصر الهيليوم، ويليه في الوفرة الأوكسجين ثم الكاربون هذا يعني أن الحياة بمفهومنا متطابقة ومتناغمة مع المواد الأكثر شيوعاً في الكون، ومن بينها الكاربون وهو المادة الأكثر نشاطاً في الجدول الكيميائي الدوري.

لهذا، إذا كان هناك عملية تجريبية في الكون، وفقاً لنتائج غامضة، والعملية تهدف الى خلق حياة بطريقة أو بأخرى، فإن الكاربون يمثل الاختيار الأفضل المتوافر تحت اليد.

ما أقوله هنا، هو ربما أن علينا ألا نتفاجأ بوجود حياة، لأنها حياة مبنية على الكاربون. ربما أمكننا القول إن الحياة هي هبة العلاقة المتميزة بين الكاربون والأوكسجين والهيدروجين. هذا ما قد يعكس تصوّراتنا بأننا متميزون كوننا ننعم بالحياة. دعوني أقول لكم متى يمكن أن نعتبر أنفسنا على جانب من التميز ، لو افترضنا أن الحياة مبنية على عنصر (البزموث Bi حيث أن هذا العنصر نادر جداً، أما أن تكون الحياة مبنية على الكاربون والأوكسجين والهيدروجين، فهذا يعني أن (الحياة) قد ظهرت على الأرض من بين مليارات آلاف) المليارات) من حالات التواجد سوية لهذه العناصر، في آلاف المليارات من مجاميع الظروف الفيزيائية المتنوعة من ضغط وحرارة وخواص أخرى، وفقط ظهرت هنا على الأرض لأن الظروف العشوائية توافقت أن توفر (أرضاً) للحياة. ولنتذكر أنها وفرتها لشكل من أشكال النشاط اي الحياة) تتوافر عناصره في الكون أكثر من أي عناصر أخرى على الاطلاق.

ولو أعيد صياغة هذه المناقشة بالقول: نظراً للفاعلية والخصوبة الكيميائية التي يتمتع بها عنصر الكاربون، وقدرته على التوافق مع باقي المكونات من العناصر في الكون فإن هذا الأمر يعد أساسياً للحياة التي نعرفها، وعليه، ليس لديّ أي سبب يدعوني الى الشك بأن تشكل الحياة ونشوؤها خروجاً عن هذا «الحساء» الكيميائي، ليس إلا مسألة وقت، ولا أراه ظاهرة نادرة أو استثنائية، لأن عدد الأنساق التي يوفرها الكون لتنوعات أواصر الكاربون والهيدروجين والأوكسجين هو عدد هائل حقاً بما تعنيه الكلمة من تصوّر.

خلال السنوات العشرين الماضية، يمكنني القول أن تقييمات انتشار الحياة (كاحتمالية وجوها في الكون قد تقدمت. تعرفون أن الأرض عمرها في حدود 4.5 مليار سنة، أتكلم هنا عن المدارس التي تسمح بتدريس هذه المعلومات لطلبة الثانوية ولو نظرنا الى الأدلة الأحفورية التي تشير الى ظهور الحياة على سطح الأرض، فإنها في العموم تعود الى 3.5 مليار سنة ماضية، الفرق هنا في الزمن اللازم (وهو مليار سنة)، يمثل ساعة التوقيت التي تطلبها الأمر لمجموعة العناصر المهيئة للحياة وعلى رأسها الكاربون كي تنتظم بطريقة تنبثق بها الحياة بأولى أشكالها. لكن الذي يحدث خلال السنوات العشرين الأخيرة، هو العثور على أدلة متزايدة بأن الأشكال الأولى للحياة قد ظهرت في وقت أبكر من ذلك، بعض الأدلة تشير الى 3.9 مليار سنة ماضية، هذا يعني أن التطور العلمي الأخير قد أدى الى تقليص الوقت اللازم لتوقعاتنا في ظهور الاشكال الأولى من الحياة على سطح الأرض.

هذا يغير مستوى الاحتمالية في وقوع حدث الحياة في مكان آخر غير الأرض، الأمر ينعقد هنا بمفهوم رياضي، خلاصته: إن كان الأمر قد تطلب وقتاً أقصر مما بدا لنا في بداية البحوث لنشوء الحياة (مع توفر منظومات العناصر الكيميائية اللازمة)، هذا يعني إنه تطلب وقتاً أقل في مكان آخر. وهذا ما يرفع مستوى التوقعات.

وعندما تقدمت الكومبيوترات وصارت كفاءتها تتضاعف خلال سنوات قليلة وربما خلال شهور قليلة علمنا أن الكون بالأصل لم يعطنا الشمس والنجوم والكوكب دفعة واحدة. لقد كان هناك خلط كبير واضطراب عظيم وتفاعل واسع بطريقة يصعب تنظيمها في أرقام مليارية. وهذا الاضطراب آخذ تدريجياً بالاستقرار نتيجة التجاذب المتبادل بين الكواكب والأجرام السماوية، وكذلك نتيجة لـ (الطاقة المعتمة). وما أعطتنا أياه الكومبيوترات من احتساب لأشكال القصف الكوني الذي حصل على سطح الأرض، استمر لقرابة 600 مليون عام، وهو أمر أدى الى ارتفاع في درجات الحرارة لهذا أقول إنه ليس من العدالة أن نبدأ باحتساب ساعة توقيت الحياة منذ 4.5 مليار سنة ماضية، لأن الحياة لم تكن لديها فرصة أن تتشكل حينما كان سطح الأرض يموج بالمواد المنصهرة. وكان من الضروري أن تنتظر حتى تبرد المادة حيث سيتمكن عندها الكاربون من تحرير سحره والتفاعل الحيوي مع باقي المكونات. هذه المعرفة قلصت الوقت اللازم لبدء أشكال الحياة الأولى، والآن صرنا نعتقد أن الحياة بدأت أسرع مما كان يتصوّره العلماء قبل مائة عام. ولنتذكر، إننا لو كنا نجد أن من الصعب تشكيل الظروف الملائمة لبدء الحياة في المختبرات، فهذا لا يعني أن الطبيعة قد وجدت نفس الصعوبة بدورها.

وصياغة الأمور بهذا الشكل، ليست إلا عذراً غير مقبول تفسره الأنا الإنسانية المتعالية.

أعرف أن هناك من يسأل عن تطور الذكاء الإنساني وهل أنه يعاني ارتداداً نحو العنف، خاصة فيما يتعلق بقضايا الارهاب المعاصرة، وهناك ربط بين الناس الذين يعتنقون الاديان وبين تبني العنف.

الأمر ربما يتجاوز قضية الدين أو العقائد، ربما أمكننا أن نستخلص الجدل بعيداً قليلاً عن المؤثرات الدينية. وهنا يمكن لنا مناقشة مشكلة تظهر لنا عندما يحوز شخص ما، أو أي مجموعة من الناس على مشاعر (يقينية) بأنهم قد امتلكوا بالفعل الحقيقة التي لا تتجزأ، بينما الآخرون ليست لديهم هذه الحقيقة.

وهذا ممكن أن يحدث بوجود الدين أو من دون وجوده. ربما يمكن العلماء، كما سبق أن حصل مع النظام النازي على سبيل أن يحدث مع المثال، حيث كان لديهم منظومة عقائدية إيمانية مبنية على أسس جينية. وكانت قناعتهم لا تتجزأ بأن العرق الآري هو المكلف بقيادة الانسانية. وحينما يكون الانسان جزءاً من منظومة تتبنى إيماناً دوغمائياً مسيطراً، وهذا الإيمان لا يخضع للتعليق أو الانتقاد، أو حتى الى إعادة النظر. وفي أي وقت يظهر لنا معتقد إيماني لا يخضع لإعادة النظر، فعلينا أن نتوقع خليطاً قابلاً للاشتعال، حين يتمكن هذا المعتقد الإيماني من الولوج ألمانيا الى مصادر القوة، ويحوز السلطة. وهذا ما حصل بالفعل في النازية. وهو ذات الشيء الذي يحدث حين تتحصل الدولة الدينية على القوة العسكرية المهينة. أما إذا لم يحز هذا المعتقد الإيماني على القوّة العسكرية، فهو سيبقى نوعا من الإيمان البريء) الذي نفترض أنه لن يؤذي أحداً ما. وعلى خلاف مما يطرحه ريتشارد دوكنز، فإنا لن أجوب المدن والبلدان وأحاول أن أخبر الناس ما الذي عليهم أن يتبنوه من عقائد أو إيمان، فالأمر لا يعنيني وهو ليس بواجبي. لقد قلت لدوكنز، بأنه عالم يبتغي إيصال الوسائل العلمية الى الجماهير، فإذا كان سيواجه الناس حسب معتقادتهم الإيمانية في الحقيقة فإن ما يفعله هو استثناء نسبة مهمة من الذين يهدف بالفعل الى الوصول اليهم بمفاهيمه العلمية. هذا إذا كان سيخاطب فقط الناس الذين يؤمنون بما يقوله. فالقاعدة هنا بالنسبة لي التي تنطلق منها المقاييس، هي أنني لا أهتم بما يؤمن به الآخرون طالما أن هذه المنظومة الايمانية لا تؤذي أحداً.

لكن، إذا كان ما تؤمن به قد وقع في خطأ كارثي، وأنك ترغب بتمرير هذه الغلطة التاريخية على أنها حقيقة الى طلاب درس علمي مثلاً، فأنا أسجل اعتراضاً كبيراً هنا. إذا كان هذا الخطأ) الذي أملاه المعتقد سيمرر الى الحضور في حلقة دينية، فلا بأس أو أن يمرر في ندوة للمؤمنين بهذا المعتقد، أيضاً لا أرى بأساً في ذلك، أو أن يطرح في حلقة دراسية تدرس تاريخ الأفكار والمعتقدات أيضاً لا بأس من ذلك. لكن الامر في بعض الأحيان يختلف كثيراً عن هذه التوصيفات.

هل تتذكرون القضية التي كشفتها (نيويورك تايمز)؟ حين تم تسريب تسجيل لأحد المدرّسين في مدرسة ثانوية في نيوجيرسي وهو يلقي درساً في التاريخ، كان يخبر الطلاب بأنهم سيحترقون في الجحيم إن لم يؤمنوا بربوبية المسيح. ووقتها كان هناك جدل كبير واحتجاج واسع على اعتبار ضرورة فصل الكنيسة وتعاليمها عن الدولة والنظام، وأن هذا يعد خرقاً للتعديلات الدستورية التي ضمنت حرية المعتقد والفكر والضمير، وقتها طرحت أن هذا الموضوع لا علاقة له بفصل الكنيسة عن النظام العام والمؤسسات العامة. إنه يتعلّق بموضوع أكثر بساطة، وهو ضرورة إبعاد الجهلة المتخلفين من ذوي الضعف في التفكير والخمول العقلي عن العمل في المؤسسات التعليمية.

ومن بين ما يدرّسه هذا المدرّس أنه يخبر طلابه بأنه لم يكن هناك أي انفجار عظيم، وأن أي شيء يقال عن تكوّن المجرات هو رجم بالغيب ويطلب منهم ألا يصدّقوا بوجود أحفوريات تحفظ أجساد آثار حياة الديناصورات. والى مستوى معين لا يمكنني السكوت والاستماع لهذا. برأيي ان إنكار المدرّس لحدوث الإنفجار العظيم، وتشكل المجرات، وأن ما يقوله للتلاميذ عن (كذب) الإحفوريات بشأن الديناصورات، لهو أخطر بكثير من تهديدهم بالحرق في جهنم إذا لم يؤمنوا بربوبية المسيح وأنه هو المخلّص.

صحيح أن كل ثقافة إنسانية نشأت لم تكن بمعزل عن الدين وقد تبنت بالتأكيد ديناً ما، لكن هذا شيء، والسماح لأشخاص بأن يمرروا معتقداتهم الدينية على أنها حقائق علمية) الى التلاميذ في المدارس العامة شيء آخر. وبالتأكيد أنا هنا لست من أجل تغيير فضاء الدين في المجتمع، فهناك الكثير من المحتوى المفيد ربما الفنون والموسيقى والأدب، كلها لها تأثرات دينية إيجابية. لكنني أركز على أن هناك محتوى علميا متزايدا، وهناك فرصة محدودة لمشاركة الناس هذا المحتوى وبالتالي علينا ألا نترك مجالاً لإعاقة هذه الجهود، لا من الدين ولا من مؤثر غيره.

وللحديث قليلاً عن الثقوب السوداء، أعرف أن البعض متشوّق لسماع المزيد. لكن بالنسبة للثقوب السوداء في الكون دائماً هناك المزيد. الآن وأنتم تجلسون، أو خلال مشيكم منتصبين، تعرفون حقيقة علمية هي أن أقدامكم أقرب الى مركز الجاذبية الأرضي من رؤوسكم.

وهذا يعني أن قوة الجاذبية الأرضية تجذب الأقدام أكثر مما تجذب به رؤوسنا، لكن هذا الفرق ضئيل للغاية الى درجة لا يمكن الإحساس به. لكن لننتقل بتصوّراتنا الى الثقوب السوداء، فلو افترضنا أن شخصاً ما سينزل في ثقب أسود، وأوّل ما يمد رجليه فإن أقدامه ستنجذب مادياً نحو مركز الثقب. إن قطر الأرض بحدود 12700 كيلومتراً، وطول الشخص العادي بحدود 1.8 متراً، وبالتالي أن الفرق بين جذب مركز الأرض لأقدامنا عما يجذب به رؤوسنا سيكون بنسبة (e 1.4) %. وهذه قيمة ضئيلة جداً، لكن لو قسنا نفس الشيء على ما سيحدث لو أن أحداً ما أنزل أقدامه في ثقب أسود (إفتراض لغرض الشرح)، فإن أقدامه ستخضع لجذب أعلى من قبل مركز الثقب الأسود. وعند تسليط قوة جذب الثقب الأسود على أي جسم ساقط فيه، فإن الجذب سيصل الى مرحلة يكون فيها أعلى من قوة ترابط جسيمات وجزيئات ذلك الجسم مع بعضها، وبالتالي ينقسم الجسم الساقط حسب المتوالية الى قسمين، أربعة اقسام، ثمانية الى ما حد معين). سيواصل الجسم الساقط الإنقسام متأثراً بقوة جاذبية مركز الثقب الأسود الى أن يصل الى مرحلة تكون فيها كل ذرّات ذلك الجسم منفردة بذاتها.

لكن ليس هذا ما قد يحدث إنما سينهدم النسيج المتواشج بين الزمن والمكان كما وصفته النظرية النسبية العامة. هذا النسيج أو المعقد، سيتقلّص من مساحة واسعة الى مساحة ضيقة. في الحقيقة سيتقلص المكان والحيّز الى شكل قمعي مخروطي)، ومعه سينحني الزمن بطريقة أكثر تعقيداً.

تكونت الثقوب السوداء ابتداء من انبعاث الضوء عن النجوم، ثم يتكون الثقب الأسود بعد انتهاء حياه النجوم بانفجارها فتمر بمراحل متحولة في النهاية سيتحول الى ثقب أسود. لكن ما يُحدد مصير النجم بعد انفجاره هو ما يُسمى حد تشاندرا سیخار Chandrasekhar)، هذا الحد هو مقدار الكتلة التي تساوي (1.4 كتلة شمسية)، والذي إن لم يتجاوزه النجم فسيتحول إلى قزم أبيض، وإن تجاوزه فإنه سيتحول في مستقبله إما إلى نجم نيوتروني أو ثقب أسود. أما الشمس التي تتوسط مجموعتنا الشمسية، والتي تدور حولها الأرض وكواكب المجموعة، فمن المستحيل أن تتحول الى ثقب أسود وذلك لصغر حجمها لكنها في النهاية ستتحول الى قزم أبيض يمتص الثقب الأسود الضوء المار بجانبه بفعل الجاذبية وهو يبدو لمن يراقبه من الخارج كأنه منطقة من العدم إذ لا يمكن لأي إشارة أو موجة أو جسيم الإفلات من منطقة تأثيره، حتى الضوء الذي هو أسرع شيء متحرّك فى الوجود لا يفلت منه فيبدو بذلك أسود. ولتتحول الكرة الأرضية إلى ثقب أسود، يستدعي ذلك تحولها إلى كرة صغيرة نصف قطرها (9 ملم) وكتلتها نفس كتلة الأرض الحالية، بمعنى انضغاط مادتها لجعلها بلا فراغات بينية في ذراتها وبين جسيمات نوی ذراتها، مما يجعلها صغيرة ككرة الطاولة في الحجم بينما يبقى وزنها الهائل على ما هو عليه.

 

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد