تطرقت الاية (187) من سورة البقرة كذلك الى موضوع تحريم المباشرة خلال الاعتكاف فقال تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) وقد ذكر هذا الحكم هاهنا لبيان أن الاعتكاف مشروط بالصوم لكن حكم المباشرة في كلا الحالتين مختلف ففي الصيام تجوز المباشرة في الليل بينما يحرم الجماع في الاعتكاف ليلا ونهارا.
وتأتي حرمة المباشرة في الاعتكاف لثلاث جهات رغم عدم تساوي تلك الجهات من حيث الوقت وغيره وأما الجهات المحصورة فهي: 1. بما أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد فإن الجماع فيه يكون محرما كما هو واضح.
2. إن الاعتكاف أمر مرتبط بالصيام ولا يحل للصائم المباشرة.
3. تم النهي عن الجماع في حال الاعتكاف حيث يستفيد من هذا النهي الخاص صحة الاعتكاف من حرمة المباشرة أي أن النهي المذكور يتضمن الوضعي المانع للاعتكاف فضلا عن النهي التكليفي ولاشك في هذا الحكم الوضعي أبدا، إذ يمكننا انتزاع الحكم الوضعي (المنع) من مثل النوع من النواهي المتعلقة بالمركب المؤلف من أجزاء وشروط معينة.
وتجدر الاشارة الى أن منع الجماع المذكور في النقطة الثالثة أعلاه يسري على جميع حالات الاعتكاف باستثناء حالتين اثنتين لا يسري المنع فيهما حيث يكون باستطاعة المعتكف في تينك الحالتين الخروج من المسجد لأداء بعض الاعمال الضرورية فإذا مارس الجماع خلال فترة وجوده خارج المسجد فإن ذلك لا يحسب ضمن المنع المذكور في النقطة الاولى أي حرمة المباشرة في المسجد.
وكذلك المنع المذكور في النقطة الثانية فهو غير مستمر لأن المعتكف لا يكون صائما خلال الليل فلا منع عليه من المباشرة رغم بقاء المنع المتعلق بالاعتكاف وهكذا يتبين لنا بأن منع المباشرة في حال الاعتكاف مستفاد من النهي الوارد في الاية والخاص بالمباشرة في تلك الحالة .فإذا كانت علة حرمة المباشرة محصورة في الحالة الاولى والثانية يكون المستفاد من الاية المذكورة هي حرمة الكتليف فقط لتعلق النهي بما هو خارج العبادة ويكون الاعتكاف صحيحا.
تذكير: 1. ليس الاعتكاف كالصلاة بحيث يكون مشروطا بالطهارة ولذلك فإن الاحتلام في الاعتكاف سواء أكان ذلك في الليل أو خلال النهار لا يبطل الاعتكاف وأما ما يتعلق بالاستمناء في حال الاعتكاف في الليل فلا بد من مراعاة الاحتياط لزوما وليس من جهة الافساد الحتمي أو المنع القاطع لأن موضوع النهي في القرآن هو المباشرة لا الجنابة.
2. يشمل جواز المباشرة جواز التقبيل وسائر اللذات الاخرى ولا تستلزم حرمة الجماع حرمة تلك الامور ولذلك فإن اثبات حرمتها يتطلب اقامة أدلة اخرى.
3. قال البعض بعدم اشتراط الاعتكاف بالصوم أو اعتبار هذا الاخير شرط لصحة الاعتكاف والدليل الذي يطرحه هؤلاء هو أولا: صحة الاعتكاف في شهر رمضان وبطلان أي صوم آخر في الشهر المذكور. ثانيا: صحة الاعتكاف في الليل وبطلان الصوم فيه[1].
وهذا الرأي ساقط كذلك كالآراء الاخرى التي انقضى تأريخ استهلاكها لان حقيقة الصوم تتمثل في أن يكون نهارا وهذه الحقيقة هي كذلك شرط لصحة الاعتكاف فلا ينبغي اذا توقع الصوم في الليل والمعتبر في الاعتكاف هو أصل الصيام بشكل مطلق سواء أكان الصوم واجبا أم مستحبا وسواء كان الصوم الواجب معينا أو غير معين وهو ما أشار اليه قوله النبي الاعظم ﷺ في كون الصوم هو الاصل: لا اعتكاف إلا بصوم[2].
[1] التفسير الكبير: المجلد 3 ، 5 / 114؛ الجامع لأحكام القرآن: المجلد 1، 2/ 311؛ کشف الأسرار: 1 / 506.
[2] صحيفة الإمام الرضا عليه السلام ، ص 67 ؛ نهج الحق وكشف الصدق، ص 465.