لم يجوّز بعض الفقهاء[1] مطلق المباشرة في الاعتكاف بما في ذلك الجماع واللمس والتقبيل مستندين في ذلك الى اطلاق قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) إلا أن هذا الاستدلال ليس صحيحا للأسباب التالية: 1. تعتبر جملة (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) في وسط الاية قرينة داخلية ومتصلة تدل على أن عبارة (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ) لا تتضمن اي أطلاق وقد بينا سابقا بأن المستفاد من هذه العبارة هو جواز المباشرة فقط والذي كان محرما قبل نزول الاية وليس مطلق المباشرة الذي لم يكن محرما لتكون الاية بذلك ناسخة.
2. رغم كون عنوان المباشرة يشير الى الاطلاق شاملا كل أنواع الأستمتاع إلا أنه توجد قرينة خارجية منفصلة تشير الى أن الاطلاق في مثل هذه الموارد يتعلق بالجامع والرفث والقرينة هي أن القرآن الكريم استخدام بعض الكلمات التي أريد بها الجماع خاصة مثل الرفث والمباشرة في هذه الاية والإتيان[2] والملامسة[3] والمقاربة[4] وتغشى[5] لا مطلق التمتع وكل تلك الكلمات هي مصطلحات كني بها عن الجماع خاصة وهذا الانصراف يحول دون الاطلاق.
3. لا وجود للظهور القوي في الاعتكاف بالمصطلح الفقهي في قوله تعالى: (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) بل ربما يبين حكما من أحكام المساجد والمراد به أمه لا يجوز لكم الجماع طالما كنتم موجودين في المساجد وعاكفين فيها لكن مطلق المباشرة غير محرمة في المساجد باستثناء الجماع وعليه فإن الاية لا تفيد حرمة المباشرة مطلقا في حال الاعتكاف ورغم أن كلمة (عَاكِفُونَ) تشعر بالاعتكاف المعروف لكنها لا تعتبر حجة بالقدر الظهوري.
وأما الروايات فهي الاخرى تعتبر الجماع خاصة محرما وفقا للحكم التكليفي وموجبا للكفارة وفقا للحكم الوضعي وهو ما سنتحدث عنه في البحث الروائي بالإضافة الى ذلك فإن الشهرة في الحكم بحرمة المباشرة مطلقا في حال الاعتكاف لم تصل حد الاجماع وحتى لو افترضنا بلوغها حد الاجماع فإن ذلك لن يكون حجة لكونها ادراكية وليست تعبدية إذا لا يمكن الاكتفاء بذلك والحكم بحرمة المباشرة مطلقا إلا ضمن الاحتياط الذي يعتبر راجحا وحسنا في كل الاحوال.
فإذا لم يكن هناك دليل واضح على مثل هذه الحرمة يكفي الاستناد الى الاطلاقات الاولية وأصالة الحلية وحديث الرفع لنفي الحرمة المحتملة وذلك لأن الحرمة المطلقة للمباشرة تتطلب دليلا لا جوازا.
تذكير: إذا كانت عبارة (فِي الْمَسَاجِدِ) بمثابة بيان مقوم للاعتكاف فإن مقصود الاية سيكون كالتالي: لا يحق للمعتكف الجماع لأن الاعتكاف مقوم بالاستقرار في المسجد والمكوث فيه وكل شيء يكون المكوث في المسجد مقوما له لا ينسجم مع الجماع ولكن إذا لم تكن العبارة المذكورة بمنزلة المقوم للاعتكاف بل حالة عارضة فإنها لا تتضمن أي دليل على حتمية أن يكون الاعتكاف في المساجد فضلا عن افتقادها للدليل الذي يثبت منافاة الاعتكاف مع الجماع.
وقد ورد في روايات المعصومين عليهم السلام بالتفصيل كل ما يتعلق يكون الاعتكاف متقوما بالمسجد وأنه لا ينسجم أصلا مع الجماع كما أنه لا يمكن الاستنباط من القرآن الكريم على كون الاعتكاف مشروط بالصيام بل من الروايات فقط[6]. ومن المعروف أن الصيام في حال الاعتكاف يتعلق بالنهار بينما تكون حرمة جماع المعتكف في الليل والنهار وفي داخل المسجد وخارجه.
[1] العروة الوثقى: 2 / 87 قال العلّامة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره: «يُحرم على المعتكف أمور أحدها مباشرة النساء بالجماع في القبل أو الدير وباللمس والتقبيل بشهوة ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، فيُحرم على المعتكفة أيضاً الجماع واللمس والتقبيل بشهوة، والأقوى عدم حرمة النظر بشهوة إلى من يجوز النظر إليه وإن كان الأحوط اجتنابه أيضا. الثاني: الاستمناء على الأحوط إن كان على الوجه الحلال كالنظر إلى حليلته الموجب له. الثالث: شم الطيب مع التلذذ وكذا الريحان وأمّا مع عدم التلذذ كما إذا كان فاقد لحاسة الشم مثلاً فلا بأس به الرابع: البيع والشراء بل مطلق التجارة مع عدم الضرورة على الأحوط، ولا بأس بالاشتغال بالأمور الدنيوية من المباحات حتى الخياطة والنساجة ونحوهما وإن كان الأحوط الترك إلا مع الاضطرار إليها، بل لا بأس بالبيع والشراء إذا مست الحاجة إليهما للأكل والشرب مع تعذر التوكيل أو النقل بغير البيع الخامس: المماراة، أي المجادلة على أمر دنيوي أو ديني بقصد الغلبة إظهار الفضيلة وأما بقصد إظهار الحق ورد الخصم عن الخطأ فلا بأس به، بل هو من أفضل الطاعات، فالمدار على القصد والنية فلكل امرئ ما نوى من خير أو شر، والأقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد وإزالة الشعر ولبس المخيط ونحو ذلك وإن كان أحوط. مسألة 1: لا فرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل والنهار. نعم، المحرمات من حيث الصوم كالأكل الشرب والارتماس ونحوها مختصة بالنهار.
[2] (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ).
[3] (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ).
[4] (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ).
[5] (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا). غَشِيَ غَشْيَاً وغِشَايَةَ الأَمرُ فُلاناً: عَطَاهُ وحَلْ بِه... وغَشِيَ المَرأةَ: دَخَلَ عَليها. (المنجد في اللغة: مادة «غشي»).
[6] وسائل الشيعة: 10 / 535 - 538. قال الحر العاملي قدس سره: محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام - في حديث - قال: (وتصوم ما دُمْتَ مُعتكفاً). وبإسناده عن الزهري، عن علي بن الحسين عليه السلام - في حديث - قال: (وَصَوم الاعتكاف واجب). وبإسناده عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لا اعتكاف إلا يصوم... الحديث. وفي عيون الأخبار بأسانيد تقدمت في إسباغ الوضوء، عن الرضا عن آبائه عليه السلام قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لا اعتكاف إلا بالصّوم. عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام ـ في حديث ـ قال: «وَمَن اعتكف صام». عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا اعتكف العبد فليصم... الحديث».