إن من خصائص وميزات أي كتاب حكيم كالقرآن الكريم ببيانه للمصداق البارز والمقصود الى جانب تقديمه للنماذج الاخرى للمبدأ الكلي في الاية وقد بينت الاية المفسرة أيضا مبدأ كليا يتمثل في لزوم وضرورة الانفاق والامتناع عن إهلاك النفس أو القوة الممنوحة حيث يعتبر الانفاق في سبيل الدفاع عن الدين أحد نماذج ذلك الانفاق فيما يعتقد البعض أن نماذج هذه الاية الشريفة قد تبلغ التسعة[1]، ومنها ما يلي: 1. مراعاة الاعتدال في الانفاق: من المعلوم أن الافراط في الانفاق أو التفريط فيه يؤديان الى التهلكة ولذلك نهى سبحانه في الاية المفسرة عن سلوك أي منهما: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) هذا إذا ما افترضنا أنها تتناول مسألة كيفية الانفاق فإذا كان الانفاق القاصر أو البخل يؤديان الى التهلكة فمن باب أولى أن يكون ترك الانفاق أصلا هو سبب أكبر للهلاك وعلى هذا فإن الاية الشريفة تأمر: أولا أن يكون المسلمون من أهل الانفاق. وثانيا: ألا يكونوا ممن تعودوا على الاسراف والتبذير والتفريط أن من شأن ترك الاعتدال أن يغل الايدي ويفني أصحابها إذا ينبغي أن نكون من أهل الاعتدال في الانفاق وهذا ماورد في وصف عباد الرحمن في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا[2]) ومخاطبته عز وجل لرسوله الكريم ﷺ قائلا: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا[3]).
2. توفير نفقات الجهاد: إن من أبرز مصاديق هذه الاية بعد أن ثبت تناسبها مع ما قبلها من الايات هو ضرورة الانفاق في حال الدفاع عن النظام الاسلامي وقد ذكر بعض المفسرين من أمثال الطبري والشيخ الطوسي قدس سره وأبي حيان الاندلسي ممن عدوا مصاديق اخرى لهذه الاية واتفقوا على عموميتها ذكروا أن المصداق الابرز للآية الشريفة هو نفقات الدفاع عن الاسلام[4].
ومن المعروف أن ترك الانفاق وعدم توفير نفقات الجهاد ستكون لهما تأثيرات سلبية كارثية ولهذا نهي المسلمون عن ذلك ومن المعروف كذلك أن عملية تجهيز المقاتلين المسلمين بما يحتاجونه من العدة والسلاح والمعدات العسكرية ووسائل الدفاع الاخرى وضمان معيشة عوائل هؤلاء المقاتلين وأفراد أسرهم هي عملية مكلفة وإذ لم يتم اتخاذ التدابير اللازمة لتغطية كل تلك النفقات والمصاريف فقد تفقد البلاد وسائلها الدفاعية أو يكون مصيرها الفشل والاندحار إمام عدوها وفي كلتا الحالتين سيستحوذ الاستعمار على مقدارتها وسيقوم باستغلال أفرادها واستعبادهم وهذا هو الهلاك المحقق ومن الجهة الاخرى فإن المجتمع الاسلامي سيبتلى بعد ذلك بالكفر والنفاق والتهلكة المعنوية لان حياة الانسان إنما تبقى ببقائه على التوحيد وعبادة الله سبحانه وتعالى أما غير المؤمن فهو بلغة القرآن الكريم وثقافة شخص ميت لا حياة فيه وإن كان في الظاهر يبدوا حيا.
ولا ننسى بأن الكفار يبذلون أموالا طائلة في سبيل القضاء على يدن الله ويسعون الى سيادة الفتنة والشرك: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ[5]) إذا فعلى المسلمين كذلك أن ينفقوا في سبيل الله لكي يستمر دينه في الحياة والبقاء في ظل الجهاد ولكي تستأصل جذور الكفر ويتجنب المسلمون الوقوع في التهلكة.
3. القضاء على الفقر: قضت مشيئة الله عز وجل وإرادته اختبار بعض عباده بالفقر والبعض الاخر بالغنى والثروة[6]، وأمر الاغنياء بدورهم تحمل مسؤولية مساعدة وإعانة الفقراء والمساكين وتعيين جزء من أموالهم لهذا الغرض: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[7]) فإهمال الفقراء وعدم الاهتمام باحتياجاتهم ورعاية مسائلهم وشؤونهم قد يتسبب في إفسادهم وعصيانهم ضد النظام الاسلامي ومن هنا يصبح الانفاق على الفقراء أمرا واجبا وضروريا ولا تقتصر الانفاقات الواجبة على الخمس والزكاة والكفارات أما شابهها بل يتوجب كذلك الانفاق على الفقراء والمساكين الذين لم تؤمن الميزانيات العامة حقوقهم ومتطلباتهم بشكل كاف فإذا كان الغني الذي يقوم بتأدية وتسديد جميع الاموال والمبالغ الشرعية هو الوحيد الذي يعلم بفقر أو حاجة أحد من الناس توجب عليه سد حاجة ذلك الفقير كواجب عيني وإذا كان آخرون غيره يعلمون ذلك أيضا وجب عليهم واجبا كفائيا جميعا الحفاظ على حياة ذلك الفقير وانقاذه من فقره وإن لم يكن مسلما وفقا لمبدأ الحفاظ على النفس المحترمة.
فمن الواجب على الانسان توفير نفقاته الشخصية ونفقات أسرته لكيلا يصبح أحدهم عالة على المجتمع وإذا عجز الشخص المثابر الباحث عن العمل عن إيجاد شغل أوعمل يمكنه من الاستمرار في العيش أو امتنع الاخرون عن اعطائه عمل ما أو تشغيله وأهملته الحكومة ولم تشعر بمسؤوليتها تجاهه أو كانت عاجزة عن تلبية احتياجاته فظل جائعا ومحتاجا فمن الطبيعي ألا تكون أمام هذا الشخص أية فرصة سوى انتظار الموت أو سلوك طريق غير مشروعة ليضمن حياته وحياة أسرته. إذا فالسبيل الوحيدة لسد الطريق أمام العصيان والفساد والحفاظ على النظام الاسلامي هي أن يقوم من يعلم بحال مثل هؤلاء الاشخاص بتوفير عوامل الحياة لهم كواجب عيني أو كفائي وذلك من الاموال الشرعية المعروفة كالخمس والزكاة أو الأموال الاخرى وهكذا فإن قوله تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) معاه المسارعة والمبادرة الى ازالة الفقر الاقتصادي بين الناس لكي نحافظ على أنفسنا وديننا من التهلكة ونحول دون وقوع الفقراء والبائسين في حبائل الانحراف ومصائد العصيان والهرج والمرج.
4. ضرورة دفع الضرائب: يجب على الناس وجوبا كفائيا تسديد ودفع نفقات الحكومة الاسلامية (ونعني بذلك الضرائب) وإلا فقد يتسببوا في وقوعهم في التهلكة وفيما يلي بعض النقاط المهمة حول هذا الموضوع: أ. يتم تسديد القسم الاعظم من نفقات الحكومة الاسلامية بالدرجة الاولى عبر الانفال (أي: النفط والغاز والمعادن وغيرها من الثروات الاخرى) والمعروف أن الانفال تتعلق بالله سبحانه ورسوله ﷺ وبالنظام الاسلامي ل بالإفراد أو الامة لأنها لا تعتبر جزءا من الأموال العامة بل تعود الى المذهب أو المؤسسة التي يديرها النبي ﷺ أو الإمام المعصوم عليه السلام أو نائبه.
ب. إذا لم تكن الانفال كافية لتسديد نفقات النظام الاسلامي وجب تعويض ذلك النقص أو العجز من الأموال الشرعية كالخمس والزكاة والكفارات وأموال النذر.
ت. اذا أستمر العجز في تسديد النفقات وبقيت المشاكل المالية للنظام الاسلامي كما هي رغم الاستعانة بالانفال والأموال الشرعية كان من الواجب على الامة الاسلامية واجبا كفائيا دفع الضرائب لرفع ما تبقى من تلك المشاكل وإلا فسوف يعرضون أنفسهم للتهلكة (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
هذا وتقع مسؤولية دفع الضرائب في الأساس على الذين يتلقون الخدمات والدعم من الحكومة الإسلامية وباستطاعة هذه الاخيرة أن تتقاضى الضرائب من هؤلاء الافراد لتأمين احتياجاتها وإذا ظلت المشاكل المالية للحكومة الاسلامية على حالها دون تغيير وجب على الناس وجوبا كفائيا تسديد نفقات الحكومة في مجال الدفاع والمياه وما شابههما مما كلفها مبالغ طائلة ولم يكن الحصول عليها سهلا ومجانا وذلك لكي يتجنبوا السقوط في هاوية التهلكة الاجتماعية.
وسوف نشير في بحثنا الروائي أيضا الى مجموعة أخرى من مصاديق هذه الاية.
[1] تفسير البحر المحيط: 2 / 78. قال أبو حيان الأندلسي: وفي تفسير «التهلكة» أقوال: أحدها: ترك الجهاد والإخلاد إلى الراحة وإصلاح الأموال. الثاني: ترك النفقة في سبيل الله خوف العيلة. الثالث: التقحم في العدو بلا نكاية. الرابع: التصدق بالخبيث الخامس: الإسراف بإنفاق كــل المال، قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) و(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) السادس: الانهماك في المعاصي ليأسه من قبول توبته السابع القنوط من التوبة؛ الثامن: السفر للجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم إلى الإنقطاع في الطريق أو إلى كونهم عالة على الناس. التاسع: إحباط الثواب أمّا بالمنّ أو الرياء والشمعة كقوله: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) وهذه الأقوال كلها تحتمل هذه الآية.
[4] جامع البيان: المجلد 2.2/ 264 تفسير التبيان: 2/ 151 تفسير البحر المحيط: 2/ 78.
[6] (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ).