وفيما يلي بعض النقاط الواجب ذكرها حول قوله تعالى: (فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ):
1. تمثل هذه العبارة تكرارا لذيل الاية السابقة لأن هذه الاخيرة كانت قد تناولت احتمال امتناع المشركين عن القتال داخل المسجد الحرام في حين تطرقت الاية اعلاه الى مسألة عدم امتناعهم وكفهم عن إثارة الفتنة والتخلي عن الشرك.
2. ذكر المفسرون معان مختلفة لكلمة (عُدْوَانَ) لكن يبدو أن جميع تلك المعاني تشير إلى أن مفهوم العدوان هنا هو العقوبة والقتل والاعتداء وهذا يعني أنه إذا تخلى المشركون عن عبادة الاصنام فلا يجوز قتلهم أو الاعتداء عليهم وكما ذكرنا فإن الكفر ليس كالأمور المستحقة للحد والتي إذا ثبت فيها الحد لم تسقط ولو بالتوبة بل إذا ترك الكافرون كفرهم وهجروا عقيدتهم الفاسدة ودخلوا في الاسلام فلا عقوبة عليهم[1].
ومن المعلوم أن الكفر الابتدائي ليس كالارتداد الذي ينقسم الى الارتداد الفطري والملي ولكل منهما حكمه الخاص به والموضح بالتفصيل في كتب الفقه بل إن جميع الحقوق الالهية متنازل عنها في الكفر الابتدائي وذلك على أساس القاعدة المشهورة: الإسلام يجب ما قبله[2]، مما يستوجب الامتثال بعد ذلك لإحكام الاسلام.
3. إن كلمة (عُدْوَانَ) في الاية المذكورة تشبه قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ[3]). أي أنها من باب المجاز والمشاكلة لا الحقيقة ولهذا فهي لا تقبل القياس والمقارنة بمعنى أنه لا يمكننا القول: لا ظلم إلا على الظالمين[4]، فالعدوان على الظالمين ليس اعتداء: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ[5]) (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا[6]) ولذلك فإن السر في استخدام كلمة (عُدْوَانَ) في الاية الشريفة هو أن الظالم نفسه يعتبر ذلك اعتداء وإلا فإن الحكم الالهي العادل يمثل اعتدالا بالنسبة للظالم وليس اعتداء.
4. لما كان قوله تعالى: (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) يشتمل على علة الحكم فقد استعيض به عن جزاء الشرك لأنه صرح بعلة الحكم ومعنى ذلك أنه إذا تخلى المشركون عن شركهم وكفوا أيديهم عن إشعال الفتنة وآمنوا بما آمن به المسلمون فلن يقاتلوا لأن القتال لا يجوز إلا مع الظالمين[7]. ونقل الآلوسي عن آخرين قولهم: بأن معنى عبارة (فَلَا عُدْوَانَ) هو الجزاء[8].
5. المقصود بـ(الظَّالِمِينَ) هم المشركون والكفار وذلك بقرينة قوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[9]) وأما استخدام الوصف مكان الضمير فيدل على أن الشرك والفتنة يشملان كذلك ظلمهم لأنفسهم أي أنهم يظلمون أنفسهم بشركهم وفتنتهم وكذا ظلمهم للآخرين فإذا تخلوا عن شركهم وكفوا عن ظلمهم فلن يستحقوا أن يتعدى عليهم.
[1] تفسير القرآن والعقل: 1/ 114
[2] تفسير القمي: 2/ 27 بحار الانوار :67/ 272
[4] التبيان: 2 / 148 ؛ راجع أيضاً: مجمع البيان: 1 - 2/ 513. قال شيخ الطائفة الطوسي قدس سره في التبيان: قوله: (فَإِنِ انتَهَوْا) معناه امتنعوا من الكفر وأذعنوا بالإسلام، (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أي فلا قتل عليهم، ولا قتل إلا على الكافرين المقيمين على الكفر. وسمي القتل عدواناً مجازاً من حيث كان عقوبة على العدوان والظلم، كما قال: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) وكما قال: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) وكما قال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم) وحسن ذلك لازدواج الكلام ومزاوجته هاهنا على المعنى؛ لأن تقديره (فَإِنِ انتَهَوْا) عـن العدوان (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) فإن قيل: أيجوز أن تقول: لا ظلم إلا على الظالمين كما جاز (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)؟ قلنا: على القياس لا يجوز؛ لأن ذلك مجاز ، والمجاز لا يُقاس عليه ـ عند المحصلين - لئلا تلتبس الحقيقة بالمجاز، وإنّما جاز في المزاوجة لأن الكلام معه أبلغ.
[7] تفسير الميزان: 2 / 63. قال الأستاذ العلامة الطباطبائي قدس سره: أي فإن انتهوا عن الفتنة وآمنوا بما آمنتم به فلا تقاتلوهم فلا عدوان إلا على الظالمين، فهو من وضع السبب موضع المسبب.. فالآية كقوله تعالى: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) وقوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ...) والمعنى أ والمعنى أنهم لو هتكوا حرمة الشهر الحرام بالقتال فيه، وقد هتكوا حين صدوا النبي ﷺ وأصحابه عن الحج عام الحديبية، ورموهم بالسهام والحجارة، جاز للمؤمنين أن يقاتلوهم فيه وليس بهنك، فإنّما يجاهدون في سبيل الله ويمتثلون أمره في إعلاء كلمته، ولو هتكوا حرمة الحرم والمسجد الحرام بالقتال فيه وعنده جاز للمؤمنين معاً ملتهم بالمثل، فقوله: ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) بيان خاص عقب ببيان عام يشمل جميع الحرمات وأعم من هذا البيان العام قوله تعالى عقيبه: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ). فالمعنى أنّ الله سبحانه إنما شرع القصاص في الشهر الحرام؛ لأنه شرع القصاص في جميع الحرمات وإنما شرع القصاص في الحرمات؛ لأنـه شرع جواز الاعتداء بالمثل.
[8] روح المعاني: 2 / 115.