مفهوم التصرف المادي في الأراضي الزراعية
المؤلف:
احمد عبد الأمير عبد الرب
المصدر:
الرقابة الإدارية على التصرفات في الأراضي الزراعية
الجزء والصفحة:
ص 34-38
2026-08-03
19
يعرف التصرف المادي بأنه : " الأعمال المادية التي تؤدي إلى استهلاك الشيء أو إتلافه أو التغيير فيه (1) ، وما نقصده بالتصرف المادي هنا كل تصرف مادي (فعلي) لا يؤدي إلى تغيير في الحقوق العينية كزراعة الأرض ( استغلال الأرض ) أو البناء فيها أو تجريفها، وبهذا يخرج من هذا المفهوم بعض التصرفات المادية (الفعلية) التي تؤدي تغير في الحقوق العينية، والتي تعد تصرفاً عقاريا كتصحيح جنس الأرض الزراعية أو إفرازها أو توحيدها(2)، ولكون هذه الأخيرة خاضعة لرقابة دوائر التسجيل العقاري، إذ لا يعتد بها مالم تسجل فيها، فمن الأفضل بحثها ضمن الفرع الخاص بالتصرفات القانونية العقارية.
لا ريب أن استغلال الأرض يعد من أهم التصرفات المادية التي تجري على الأراضي الزراعية بصنوفها وأنواعها كافة، إذ أن الفائدة المرجوة من الأرض الزراعية تكمن في استغلالها والانتفاع بها، ويعرف الاستغلال بصورة عامة بأنه : " القيام بالأعمال اللازمة للحصول على غلة الشيء وثماره" (3)، فاستغلال الدار يكون بتأجيرها والبستان بالحصول على ثمارها، أما الاستغلال الزراعي، فقد عُرف بمقتضى الفقرة (الخامسة) من المادة (الثانية) من قانون توحيد أصناف الأراضي رقم (53) لسنة 1976 على النحو الآتي: "يقصد بالاستغلال الزراعي لأغراض هذا القانون، استغلال الأرض لأغراض الإنتاج النباتي أو الحيواني ".
إن استغلال الأرض الزراعية بما يتفق مع طبيعتها التزام يفرضه القانون في كل من العراق ومصر على حائزي الأراضي الزراعية كافة سواء أكانوا مالكين أم مستأجرين، ويترتب على مخالفة أحكام الاستغلال جزاءً جنائياً أو إدارياً يختلف باختلاف الدول كما سنرى، ويقتضي المشرع المصري ان يكون الاستغلال وفق التعامل الزراعي المألوف(4)، فالقوانين الزراعية والعرف الزراعي هي التي تحدد الاتفاق بين المؤجر والمستأجر ، فلا يجوز لهما الاتفاق على ما يخالف أحكامها بوصفها تمثل النظام العام في المجتمع وهي قواعد آمرة (5) ، و أوجب القانون المصري على المستأجر بذل العناية المطلوبة في زراعة الأرض، وهذه العناية هي التي يبذله الشخص بشؤنه الخاصة، أي وفق المعيار الشخصي، أما العناية بالنسبة للمحافظة على الأرض من التلف، فان المعيار المعتمد هو معيار موضوعي، أي انه عناية الشخص المعتاد (6).
ولم يبتعد المشرع العراقي عن موقف نظيره المصري، إذ الزم قانون توحيد أصناف الأراضي سالف الذكر بموجب الفقرة (الأولى) من (المادة الثانية منه، صاحب حق التصرف أن يستغل الأرض لأغراض الإنتاج النباتي أو الحيواني، وإجراء التصرفات التي تقتضيها تلك الأغراض وفقاً للقوانين المرعية، ويشمل الاستغلال الزراعي: الزراعة الحقلية أو غرس الأشجار المثمرة أو أشجار الغابات أو تنمية الثروة الحيوانية وغير ذلك من مجالات التنمية الزراعية والأمر كذلك في الأراضي الموزعة، إذ يلتزم الموزع عليه بزراعة الأرض الموزعة عليه وبذل العناية الواجبة في استغلالها، ومعيار تطبيق ذلك العرف السائد في كل منطقة، فالعناية اللازمة في استغلال الأرض أمر نسبي يختلف من منطقة إلى أُخرى(7).
كذلك الحال بالنسبة للمستأجر ، إذ يجب أن يكون استغلاله للأرض الزراعية موافقاً لمقتضيات الاستغلال المألوف (8) ، ففي الأراضي المؤجرة فأن الالتزام باستغلال الأرض للغرض المؤجرة من أجله واجب على المستأجرين كافة سواء في العراق أم في مصر ، فطالما تشير النصوص القانونية إلى هذا الالتزام، ونذكر على سبيل المثال ما نصت الفقرة الثانية) من المادة (الرابعة) من قانون رقم (35) لسنة 1983 بقولها : " لا يجوز استغلال الأرض المؤجرة في غير الأغراض التي أجرت من أجلها"، وبذات المضمون نصت الفقرة (الرابعة) من المادة (الثامنة) من التعليمات رقم (7) لسنة 1989(9)، وكذلك الحال بالنسبة لعقود التفرغ الزراعي، فقد أوجب القانون رقم (24) لسنة 2013 على الزام المستأجر باستغلال الأرض الزراعية المستأجرة للأغراض التي استؤجرت من أجلها (10).
ومفاد ما تقدم بأن الأرض الزراعية يجب أن تستغل للأغراض التي تتفق طبيعتها، وليس لأغراض أخرى كالبناء سواء كان للسكن أم غيره إلا بالحدود والشروط المرسومة في القانون، ومن ذلك ما قضت به وبصورة صريحة التعليمات رقم (132) لسنة 1976 ، إذ منعت صاحب حق التصرف من استغلال الأرض أو إقامة منشآت عقارية لغير الأغراض الزراعية، أو ترك استثمار الأرض من دون عذر مشروع (11) ، وسنتحدث في الفصل الثاني بصورة مفصلة عن النصوص القانونية المتعلقة باستغلال الأرض الزراعية، والجزاء الإداري المترتب عن ترك زراعة الأرض والبناء فيها خلافاً للقانون.
والسؤال المطروح هنا هل يشترط ان يستغل صاحب الأرض الزراعية الأرض بنفسه؟، فبالنسبة لمالك الأرض الزراعية لا يشترط ذلك، فله أن يستغل الأرض بواسطه غيره بتأجيرها للغير، وهذا ما يتفق عليه كل من التشريع في العراق ومصر، مع الإشارة إلى اختلافهما في طريقة التأجير، فالمشرع المصري أجاز لمالك الأرض تأجيرها مقابل بدل نقدي أو مزارعة، في حين نجد ان المشرع العراقي لم يجز للاشخاص إلا طريقة المزارعة .
أما بالنسبة لصاحب حق التصرف فالملاحظ أن قانون الإصلاح الزراعي العراقي النافذ لم يتطلب زراعته للأرض بنفسه، ويستبان ذلك من منطوق الفقرة (ب) من المادة (13) منه، والتي نصت على انه:" كل ارض زراعية مفوضة بالطابو (مملوكة للدولة ) .... يثبت أن صاحبها لم يزرعها بنفسه أو بغيره موسمين متتاليين... تعتبر محلولة..."، فعبارة (بغيره) الواردة في المادة آنفا تدل على إمكانية صاحب حق التصرف أن يستغل الأرض بواسطة غيره، ويتضح ذلك بصورة اكثر صراحة في نصوص قانون الإصلاح الزراعي التي سمحت لصاحب حق التصرف باستغلال الأرض بطريق المزارعة، ويرى الباحث بأن ذلك لا يتعارض مع نصوص قانون توحيد أصناف الأراضي رقم (53) لسنة 1976 التي اشترطت أن يتخذ صاحب حق التصرف الزراعة مهنةً رئيسة له، وذلك بمقتضى الفقرة (الثالثة) من المادة (الثالثة) بقولها : " يطفاً حق التصرف في الأراضي المملوكة للدولة... ثالثا- اذا كان صاحب حق التصرف لا يتخذ من الزراعة مهنة رئيسية له "، كون ان أحكام المزارعة تقضي بأن يستغل صاحب الأرض أرضه بطريقة مباشرة، وبهذه الصورة يتحقق شرط امتهانه الزراعة.
وبالنسبة للموزع عليه فيتفق كل من قانون الإصلاح الزراعي في العراق ومصر على ان يزرع الأرض الموزع عليه بنفسه، ويعد ذلك شرطاً أساسياً في استمرار التوزيع، فلا ينقل التوزيع من اللجان الإدارية المختصة إلا لوريث واحد يحترف الزراعة (12).
أما بالنسبة للمستأجر ، ففي مصر في ظل نصوص قانون الإصلاح الزراعي الملغاة التي كانت تنظم الإيجار الزراعي كان يجب على المستأجر أن يزرع الأرض بنفسه، ولكن أُلغيت هذه النصوص بصدور القانون (96) لسنة 1992 الذي نظم موضوع الإيجار الزراعي وأخضعها للقانون المدني الذي لم يشترط ذلك (13) . أما في العراق لا يشترط في الوقت الحالي أن يزرع المستأجر الأرض بنفسه بعد أن الغي شرط احتراف الزراعة فيمن يتعاقد معهم على إيجار أراضي الإصلاح الزراعي بموجب القرار (803) لسنة 1987(14) ، بعدما كان من الشروط الأساسية في بعض القوانين. من الجدير ذكره بأنه في بعض الأحيان قد يكون الاستغلال الزراعي مقيداً بنوع معين من القيود، ويخضع للقيود الإدارية التي تفرضها المصلحة العامة، ومن ذلك على سبيل المثال ما نصت عليه المادة (الثامنة) من قانون تأجير وإدارة الأراضي المستصلحة رقم (79) لسنة 1985، إذ نصت على انه اذا لم يلتزم مالك الأرض المستصلحة أو صاحب حق التصرف فيها... بالدورة الزراعية المقررة أو العناية بشبكات الري والبزل أو امتنع عن زراعة الأرض فينذر من قبل الدائرة الزراعية المختصة في المحافظة.."، ومن هذا القبيل منعت المادة (الثالثة) من التعليمات رقم (12) لسنة 1987 مالك الأرض من الغراس أو تربية الحيوان في الأرض المستصلحة، ومن جهة أخرى قد تحدد العقود نوع الاستغلال الزراعي، فعلى سبيل المثال لا يجوز استغلال الأرض المستأجرة وفق أحكام القرار رقم (178) لسنة 1984 إلا لأغراض إنتاج بيض المائدة؛ كونه الغرض الأساس من تأجير هذه العقود (15).
__________
1- ينظر عبد الله غزاي العزاوي دراسات في قانون التسجيل العقاري مطبعة الخيرات . بغداد، 2001، ص56.
2- ينظر مصطفى مجيد، شرح قانون التسجيل العقاري رقم (34) لسنة 1971، ج 1، مطبعة الإرشاد، بغداد 1973، الناشر مكتبة السنهوري، 2008، ص 36.
3- ينظر د. غني حسون طه و محمد طه البشير ، الحقوق العينية الأصلية، ج 1، الناشر العاتك لصناعة الكتب، القاهرة، توزيع المكتبة القانونية، بغداد، بدون سنة طبع، ص 46.
4- تنص المادة (613) من القانون المدني المصري على أنه: " يجب ان يكون استغلال المستأجر للأرض الزراعية موافقاً لمقتضيات الاستغلال المألوف، وعلى المستأجر بوجه خاص أن يعمل على أن تبقى الأرض صالحة للإنتاج، ولا يجوز له دون رضا المؤجر أن يدخل في الطريقة المتبعة في استغلالها أي تغيير جوهري يمتد إلى ما بعد انقضاء عقد الإيجار ".
5- ينظر د .سعيد عبد السلام الوجيز في أحكام إيجار الأراضي الزراعية، ط 1 ، بدون مكان طبع، 2005، ص 104.
6- ينظر د. عصام أنور سليم، القانون الزراعي طبقاً للتعديلات المعاصرة، ط2، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2006، ص 437.
7- ينظر د. عبد الواحد كرم في الإصلاح الزراعي دراسة مقارنة لقوانين الإصلاح الزراعي في العراق وسورية ومصر، مطبعة الآداب في النجف الأشرف، 1972 ، ص 100.
8- وبهذا نصت الفقرة (الأولى) من المادة (804) من القانون المدني العراقي بقولها : " يجب أن يكون استغلال المستأجر للأرض الزراعية موافقاً لمقتضيات الاستغلال المألوف....".
9- صدرت هذه التعليمات لتنفيذ القرار رقم (455 ) لسنة 1983 ، ونشرت بجريدة الوقائع العراقية بالعدد (3274) في 25- 9 - 1989.
10- ينظر الفقرة (الثالثة / ب) من المادة (الثانية) من القانون (24) لسنة 2013.
11- ينظر الفقرة ( ثالثا/ 31 ) من المادة (الثانية) من التعليمات رقم (132) لسنة 1976.
12- تنص الفقرة (الثانية) من المادة (الأولى) من التعليمات رقم (69) لسنة 1973 على أنه: " على ورثة الموزع عليه المتوفى إخبار مديرية التعاون الزراعي بوفاة مورثهم خلال الموسم الزراعي التي حصلت فيه الوفاة، وتقديم القسام النظامي وحجة الوصاية على القاصرين ان وجدوا)، واعتماد احمد محترفي الزراعة منهم للتعامل مع الإصلاح الزراعي ..
13- ينظر د. عصام أنور سليم، مصدر سابق، ص، 438-439.
14- ينظر الفقرة (الأولى) من القرار رقم (803) لسنة 1987 المنشور بجريدة الوقائع العراقية بالعدد (3173)في 1987/10/26
15- تنص المادة (18) من التعليمات رقم (88) لسنة 1984 ، الصادرة تنفيذاً للقرار آنفاً على انه: " لا يجوز تغيير الصفة القانونية التي يتم بموجبها تأجير الأرض"، كما نصت المادة (15) من ذات التعليمات على انه :- لا يجوز الجمع بين مشروع تربية الدجاج لإنتاج بيض المائدة ومشروع تربية الدواجن لأغراض اللحم من قبل المستأجر في القطعة المؤجرة له".
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة