وحين كان يعود أحد الولاة من أفريقية، ويشيد منزلًا جميلًا كان جاره الساكن في بيت أبيه العتيق يغار منه، ويستنكف أن يظل ساكنًا في ذلك البيت الرث القديم المبني باللبن. وكان روماني العصر الجديد قد شاهد في جنوب إيطالية منازل اليونانيين، وخَبَر ما يتمتع بها أصحابها من الراحة والهناء، فضلًا عن ابتهاجهم بجمال منظرها الخارجي، فلم يلبث أن أضاف إلى بيته رواقًا معمدًا، تنفتح منه أبواب تؤدي إلى غرف النوم والطعام والمكتبة والاستراحة، وكان في مؤخره المطبخ، وربما كانت هنا غرفة الأكل أيضًا. وصارت الدار الوسطى التي تحدق بها سائر غرف المنزل، الذي كان يظهر فيه رب البيت ما لديه من التماثيل والتصاوير وثمار الفنون ونفائس غنائم الحرب، التي جيء بها من الشرق.
ولم يكن في المنازل الرومانية القديمة شيء من الأثاث الفاخر. وكان المعتمدون السياسيون من القرطاجيين يضحكون حين كانوا يرون في المآدب المتتابعة التي كانوا يُدعون إليها آنية المائدة الفضية تنتقل من بيت إلى بيت بطريق العارية. وقبل الحرب القرطاجية بأمد يسير غُرِّم أحد القناصل المعزولين؛ لأنه وُجد لديه من الآنية الفضية ما زنته أربعة كيلو غرامات ونصف كيلو. وبعد ذلك بجيل واحد كان لدى أحد أغنياء الرومان من الآنية الفضية ما زنته أربعة آلاف وخمسمائة كيلوغرام. وروي أن أحد القواد الذين فتحوا مقدونية دخل رومة ومعه مائتان وخمسون مركبة مشحونة تماثيل وتصاوير يونانية. والقائد الذي أخضع اليونان غنم خمسمائة تمثال، بعضها من البرونز والبعض الآخر من الرخام، والذي دمَّر قرطاجة ملأ رومة بالمنحوتات اليونانية، وبلَّط أحد أغنياء بومباي البلدة الصغيرة غرفة الطعام في منزله بفسيفساء هلينية، تمثل الإسكندر في موقعة إيسوس. وكانت هذه الصورة قبل أن وصلت إلى بومباي، تزين أرض أحد المنازل الفخمة في الإسكندرية في العصر الهليني.
وأدخل الرومانيون إلى منازلهم كثيرًا من أسباب الراحة، التي كانت في منازل الهلينيين كالأنابيب لجر المياه والحمامات وأشياء أخرى، وكانت البيوت المتقنة تحوي أنابيب فخار لنقل الهواء الحار إلى الغرف المهمة في المنزل. وكان في المطبخ كثير من أواني البرونز أنفس مما نشاهد في مطابخ اليوم.
واستدعت عيشة الرفاهية والرخاء وجود عدد كبير من الخدَم، فكان لكل عمل في البيت خادم خصوصي، حتى فَرْكُ جسم رب البيت بعد الحمام كان له خادم خصوصي أيضًا، ولكن وجود الطهاة لم يكن أمرًا سهلًا، وكان الروماني الغني يؤدي خمسة وعشرين ألف فرنك ذهبًا أجرة طاهٍ يجيد الطبخ (1).
وإذا كان لعيشة الرفاهية والترف التي دخلت من الشرق تأثير سيئ في أخلاق بعض الرومانيين، فإنها أيقظت البعض الآخر، ونقلتهم إلى حياة جديدة أرقى جدًّا من حياتهم الأولى بتأثير العبقرية اليونانية في الفن والأدب والعلم والفلسفة. فقد كان في رومة عند ختام الحرب الصقلية (241ق.م.) رقيق يوناني اسمه أندرونيكوس، أعتقه سيده فأصبح حرًّا. فهذا إذ رأى شغف الرومان بالآداب اليونانية، شرع في نقل الأوديسي إلى اللاتينية؛ لتكون ترجمته كتابًا مدرسيًّا لأولاد الرومان، ثم ترجم للكبار المآسي اليونانية وكثيرًا من الروايات الهزلية، فكان أول أديب في التاريخ توخى ترجمات فنية، صقلها الأدب، وجلاها حسن الذوق (2).
وبعد استيلاء رومة على بلاد اليونان، زاد امتزاج اليونانيين بالرومانيين، وتوثقت بينهم عُرى الألفة والوئام، وكان بين الألف يوناني الذين أُتي بهم رهائن (168) إلى رومة، وكلهم من الأكابر والأعيان، رجل فذ على جانب كبير من العلم والفضل ودماثة الأخلاق يُدعى بوليبيوس. واتفق حين وصوله أن حلَّ ضيفًا في بيت سكيبيو وأخيه، اللذين حظي عندهما ورافقهما في حملاتهما الحربية، وكان عزيزًا مكرمًا. وقد شاهد بأم عينه خراب قرطاجة وكورنثوس، وكتب تاريخًا خالدًا للحروب الرومانية باللغة اليونانية (3)، وفي السنة 155 ق.م. تزعَّم فلاسفة ثلاثة وفد أثينة إلى رومة، فاستقروا فيها وأدخلوا إليها درس الفلسفة اليونانية. وهؤلاء الثلاثة هم: «كرنيذس Carneades» (4)، و«ذيوجانس Diogenes» الرواقي البابلي (5)، و«كريتولاوس Critolaus» (6)، وأمَّ رومة غيرهم بين حين وآخر لإلقاء محاضرات على مسامع الجمهور، فأقبل عليها الراغبون في التهذيب إقبال الظماء إلى الماء، وقصد أثينة شبان رومانيون لإتمام دروسهم فيها. وشغف «أميليوس بولوس Ameilius Paullus» الفاتح الروماني بالمخطوطات اليونانية، فاستولى في أثناء الحرب المقدونية على مكتبة برسفس، وأحضرها معه إلى رومة، وأسس أول مكتبة خصوصية فيها (7)، وأصبح أغنياء الرومانيين بعد ذلك حين تشييد منازل جديدة يحسبون للمكاتب حسابًا، فيعينون لها غرفًا مخصوصة، ونشأت طبقة من أهل الأدب كان من ضمنها أفضل القواد الرومانيين.
ولم يكن يسوغ لأحد أن ينتمي إلى هذه الطبقة الراقية ما لم يكن لديه مكتبة مملوءة بأنفس الدروج اللاتينية واليونانية. وكانت هذه الطبقة المهذبة تحسن استعمال اللغة اليونانية كما تجيد اللاتينية، وتكون بين هذه الطبقة الراقية والطبقة الجاهلة هوَّة عظيمة، لم يكن لها وجود في أول عصر الجمهورية أيام كانت البلاد في طور الزراعة وسكانها من طبقة الفلاحين (8).
..................................................
(1) CARRINGTON, C., Some Anc. Italian Country Houses, Antiquity, 1934, 261 ff.; BOETHIUS, A., Develop of Domestic Arch. in Rome, AJ Arch., 1934, 158 ff.
(2) WARMINGTON, E.H., Remains of Old Latin (Loeb) II; MIRMONT, H. de la Ville, Etudes s. l’Ancienne Poks. Lat., (1903), 5–201.
(3) CUNTZ, O., Polybius und sein Werk, (1902) ; LAQUEUR, R., Polybius, (1913) ; WUNDERER, C., Polybius, (1927) ; WALBANK, F.W., JHS, 1938, Class. Quart., 1943, 1945.
(4) ARNIM, H. von, Real-Encyc., X, 1954.
(5) ARNIM, H, von, Stoicorum Veterum Fragmenta, III, 210–243.
(6) SUSEMIHL, Gesch. Gr. Lit. Alex., I, 153.
(7) POLYBIUS, XVIII, 35; PLUTARCH, Aemilius Paullus; De SANCTIS, Star. Rom., IV, 315, 419, 457, 613.
(8) KENYON, F.G., Books and Readers in Ancient Greece and Rome, (1935) ; JONES, H.S., Companion to Roman History, (1912), 138–141.