أسند (المجيء) و(الإتيان) في بعض الآيات إلى الله؛ كما في (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا[1])، (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ[2]).
وقد أسند (المجيء) إلى الله في الآية التي هي مورد البحث أيضاً، حيث قالت: إنّ هؤلاء لا ينتظرون سوى أن يأتيهم الله في ثنايا الغيوم المتراكمة الداكنة المظللة عليهم وأن تظهر ملائكة العذاب عليهم فتنهي حياتهم. هذا في حين أن الكتاب والسنة حالهما حال العقل السليم المنزه عن شوائب الوهم - لا يمكن قطعاً أن يصفا الله بمثل هذه الأوصاف المادية والصفات الموجبة للنقص والحاجة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[3])؛ لأنّ الله منزّه عن كل شكل من أشكال النقص والحاجة.
وقد ذكر المفسرون عند تحليلهم وجمعهم بين إسناد (الإتيان) إلى الله وتنزهه عن هذه الأوصاف المادية وجوهاً نكتفي هنا بالإشارة إلى اثنين منها:
1. تقدير مجيء (الأمر): يمكن تقسيم الآيات القرآنية حول إسناد الإتيان إلى الله تقسيماً أولياً إلى ثلاث مجموعات: أ. آيات القرآن الكريم المحكمة التي تصف الله بخالق الكون والغني المطلق وعديم النظير والند؛ كآيات (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ[4])، (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ[5])، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ[6]).
وهذه الآيات تنفي عن الله سبحانه أي فعل أو صفة يتضمن نقصاً أو عيباً. ومن هنا فيستحيل أن يوجد الله في حد معين، كأن يتواجد بين الغيوم أو في السماوات أو العرش، كما تتواجد فيه بقية الموجودات الأخرى؛ لأنه غني عن الزمان والمكان، وهو خالق الزمان والمكان والعرش، ولم يحل في شيء أو مكان أبداً لا في العرش ولا في غيره، ولا مثيل له ولا نظير.
ب. آيات القرآن المتشابهة التي تنسب (الإتيان) و(المجيء) إلى الله؛ كالآية التي هي مورد البحث وآية (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا[7])، وآية (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا[8]).
وبناء على الجمع العقلي يجب إرجاع آيات المجموعة الثانية (المتشابهات) إلى المجموعة الأولى (المحكمات) وردّ فرضيّات مجيء الله وذهابه؛ لأنها أوصاف ماديّة، والله هو الخالق لكل الأشياء ومنزه عن هذه الأوصاف.
والقرآن الكريم هو الذي فتح باب هذا الرأي والاجتهاد العقلي أمام المفسرين عندما قال: إن مجموعة من الآيات محكمة ومجموعة أخرى متشابهة. فالمجموعة الأولى هي (أم الكتاب، أما المتشابهات المندرجة ضمن المجموعة الثانية فيجب إرجاعها إلى أحضان المحكمات التي هي بمثابة أُمّ ومصدر ومرجع الكتاب كي تكتمل وبظهر معناها: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ[9]).
وكما تشير الظواهر القرآنية والبحوث الأصولية فإن حصيلة إرجاع المتشابهات إلى المحكمات هي ما تتكفل المجموعة الثالثة من آيات القرآن ببيانها.
ج. الآيات التي هي بمثابة شاهد الجمع بين مجموعتي الآيات السابقتين والمفسرة والمبينة لها؛ وهي تبيّن أنّ مضمون آيات المجموعة الثانية هو نسبة المجيء إلى أمر الله نظير: (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ[10])، (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ[11]).
وقد ورد مضمون الآية التي هي مورد البحث في بعض الآيات مع كلمة (أمر)، مما يصلح قرينة وشاهداً لفظياً مناسباً لتأييد هذا التحليل القرآني والأدبي: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[12])، كما أن عبارة (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) في الآية التي هي مورد البحث هي قرينة داخلية على حذف كلمة (أمر) في صدر الآية.
وعلى هذا، فالشواهد العقلية والنقلية تشهد أن المقصود من المجيء في الآية الشريفة هو مجيء أمر الله لا مجيء الله الموجب لثبوت النقص والأوصاف المادية الله سبحانه.
ومن هنا يلجأ المفسّرون والأدباء إلى تقدير كلمة (أمر) في الموارد التي تسند فيها أمثال هذه الأفعال إلى الله تعالى.
2. سلب جهات النقص:
بعد أن أورد العلّامة الطباطبائي رحمه الله التحليل القرآني والأدبي السابق والذي أشار إليه أكثر المفسّرين ذكر كلاماً لطيفاً ودقيقاً عقلياً وفلسفياً فقال: فهذا هو الذي يوجبه البحث الساذج في معنى هذه النسب (المجيء والاتيان) على ما يراه جمهور المفسرين لكن التدبر في كلامه تعالى يعطي لهذه النسب معنى أرق وألطف من ذلك وذلك أن أمثال (صفات الله الواردة في) قوله تعالى: (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ[13])، وقوله تعالى: (الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ[14])، وقوله تعالى: (أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ[15])، تفيد أنه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشؤونها وأطوارها مليء بما يهبه ويجود به (لأن معطي أي شيء يجب أن يكون واجدا له) وان كانت أفهامنا من جهة (قصورها و) اعتيادها بالمادة وأحكامها الجسمانية يصعب عليها تصور كيفية اتصافه تعالى ببعض ما يفيض على خلقه من الصفات ونسبته اليه تعالى.
(وهذه الاوصاف وأمثال المجيء والإتيان أيضا مادامت مسندة الى البدن والمادة والجسم فهي ملازمة للنقص وتعد من صفات الله السلبية).
لكن هذه المعاني اذا جردت عن قيود المادة وأوصاف الحدثان (لن تعود جزءا من أوصافه السلبية لأنها منزهة عن قيود النقص والعيب و) لم يكن في نسبته اليه تعالى محذور فالنقص والحاجة هو الملاك في سلب معنى من المعاني عنه تعاى فاذا لم يصاحب المعنى نقصا وحاجة لتجريده عنه صح اسناده اليه تعالى بل وجب ذلك لان كل ما يقع عليه اسم شيء فهو منه تعالى بوجه على ما يليق بكبريائه وعظمته.
فالمجيء والإتيان - الذي هو عندنا بمعنى قطع الجسم مسافة بينه وبين جسم آخر بالحركة واقترابه منه - إذا جُرد عن خصوصية المادة كان هو حصول القرب وارتفاع المانع والحاجز بين شيئين من جهة من الجهات، وحينئذ صح إسناده إليه تعالى حقيقة من غير مجاز؛ فإتيانه تعالى إليهم يعني ظهوره و] ارتفاع الموانع بينهم وبين قضائه فيهم ورؤيته، كما أن ذهابه يعني أنه غاب فلا نستطيع رؤيته حينئذ؛ لأنه أوجد ما يمنع من رؤيته.
وهذه من الحقائق القرآنية التي لم يوفق الأبحاث البرهانية لنيله إلا بعد إمعان في السير، وركوبها كل سهل ووعر، وإثبات التشكيك في الحقيقة الوجودية الأصيلة[16].
وهذا المطلب الدقيق يمكن استظهاره جيّداً من هذه العبارة الذهبية لأمير المؤمنين علي عليه السلام: (مع كلّ شيءٍ لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة[17])، فلا هو حال في الشيء ولا منعزل عنه.
وعلى أساس ما ذكرناه ففعل المجيء والذهاب) لا يكون من صفات الله السلبية إلا إذا اقترن بالجسم والمادة؛ أما إذا جُرِّد عن الجسم والمادة وكان بمعنى الظهور والقُرب والإحاطة؛ فلا مانع من إسناده إلى الله، ومن هنا ينتفي وجوب اعتبار هذه الآيات ضمن المتشابهات، بل نعيدها إلى المحكمات من خلال تقدير كلمة (أمر) أو ما شابهها.
تنبيه: قد يتخذ التجريد من الخصوصية سبباً للمجازية حيناً، وقد لا يكون سباً لذلك في حين آخر.
ويكمن سرّ هذا التفاوت في أنّ الخصوصية الملقاة إذا كانت مأخوذة في المفهوم، فتجريد ذلك المفهوم من بعض القيود المفهومية يصير سبباً لاستعمال اللفظ في غير المفهوم الموضوع له فيكون مجازاً. أما إذا كانت الخصوصية الملقاة من لواحق المصداق لا مأخوذةً في المفهوم، فمثل هذا التجريد لا يصلح سبباً للتجوز.
والبحث في العديد من الكلمات يشير إلى أن استعمالها مع التطورات الكبيرة في مصاديقها لا يصير سبباً في المجاز، مثل: الميزان، المصباح، القلم، السوط، السيف وأمثالها. ومن هنا انتقل هذا المعنى إلى المصطلح المتداول لدى أرباب المعرفة من أنّ (الألفاظ إنّما وضعت لأرواح المعاني أو المفاهيم العامة)، نظير المفهوم الجامع لكلمتي الذهاب والإياب)، إذ إنّه هو نفسه مفهوم الظهور والخفاء، أو الغيبة والشهود، وأمثال ذلك.
ملاحظة: إن الهوية المطلقة الإلهية - بالقدر الذي يمكن إدراكه لا يمكن إدراكها بالحس الظاهري أبداً في الدنيا (لا في النوم ولا في اليقظة) أو في البرزخ والقيامة.
كما لا يمكن إدراكها بالحسّ الباطني في النوم أو حالة المنام بعنوان التمثل؛ مثلما لا يمكن تمثلها في الوهم والخيال أيضاً. فإدراكها منحصر في حدود التجرّد التام العقلي) من جهة العلم الحصولي) والشهود المحض القلبي من جهة العلم الحضوري)؛ في حين يمكن تمثل الملائكة تمثلاً كاملاً، ويمكن للنفس الطاهرة في مرحلة المثال المنفصل أن تقيم معها رابطة شهوديّة. (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا[18]) ولا يخفى أن الأمر لو كان متعلقاً بملائكة الأرض لكان حكمها أكثر يسراً وسهولة.
[1] سورة الفجر، الآية 22.
[2] سورة النحل، الآية 26.
[3] سورة الشورى، الآية 11 .
[4] سورة الزمر، الآية 62.
[5] سورة فاطر، الآية 15 .
[6] سورة التوحيد، الآية 4 .
[7] سورة الفجر، الآية 22.
[9] سورة آل عمران، الآية .
[10] سورة غافر، الآية 78.
[11] سورة النحل، الآية 1.
[12] سورة النحل، الآية 33.
[16] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 104 .
[17] نهج البلاغة، الخطبة 1.
[18] سورة مريم، الآية 17 .