"النوم هو أفضل الطرق للتأمل" الدالاي لاما
يعد النوم بالنسبة للكثيرين مجرد إجراء روتيني. قد تشعر أثناء نومك أن عقلك يتوقف عن العمل ببساطة، لكن ليس الأمر كذلك على الإطلاق، فعقلك يمر كل ليلة بعدة مراحل لها تأثيرات مهمة على صحتك بشكل عام، وعلى صحة عقلك بشكل خاص. فليس من باب العبث أنك تقضي ثلث يومك في النوم. أي قرابة 30 عامًا من عمرك، صدقني، لم يكن جسمك ليخصص له هذا الجزء الكبير من الوقت، إذا لم يكن النوم آلية بيولوجية ضرورية لسلامة دماغك وعقلك حتى أنه يمكن على الفور ملاحظة تأثيرات ليلة سيئة بدون نوم على أدائك العقلي، الاجتماعي، والعاطفي. تماما مثل ملاحظة فوائد ليلة هانئة من النوم العميق. ورغم هذا وبعيدا عن التأثير الفوري على وظائفك العقلية وحالتك المزاجية، يؤدي النوم دورًا مهما في العناية بالدماغ على المدى الطويل. فالقدرة على خلق روابط جديدة، التذكر أو توفير الراحة للجهاز الدماغي الوعائي ترتبط بشدة بالنوم؛ لهذا يمكننا القول بأن النوم الجيد يعد أحد أهم العوامل الحامية للأعصاب.
للأسف، تتدهور جودة النوم في مجتمعنا فنجد مشاكل النوم تؤثر على واحد من كل أربعة بالغين على الأقل. والأسوأ أن النوم الذي يوفر الراحة التامة في مرحلة الطفولة، عادةً ما يتضاءل في مرحلة البلوغ، من حيث عدد الساعات، وكذلك جودة الراحة التي يوفرها فيؤكد علماء البيولوجيا العصبية أن هذا التدهور في جودة النوم ذو علاقة بالاستعداد البيولوجي للعناية بالأطفال بهذه الكيفية، عندما يصبح الشخص في سن الإنجاب وفقا لظروفه البيولوجية الخاصة، وأيضًا مع الظروف الثقافية، يبدأ جسمه في اختبار سلسلة من التغيرات التي تجعل عدد ساعات النوم أقل. من بين التغيرات الأخرى التي نختبرها في عمر الثلاثين، مواعيد ساعات النوم. فعند سن العشرين يطور دماغنا قدرة مذهلة على السهر، وبحلول الثلاثين يبدأ الميل إلى النوم في وقت مبكر، والاستيقاظ مع أول ضوء للصباح (في مواكبة لدورات النوم لدى الأطفال)، ثم يظهر التغير النهائي مع إنجاب الأطفال، وسواء شئنا أم لا، ينتهي الأمر بإحداث تغيير في نظام النوم بأكمله؛ حيث يتعين على الوالدين تلبية احتياجات إطعام المولود الجديد، يقدر ما يفقده الوالدين خلال السنة الأولى من حياة الطفل قرابة من 400 إلى 700 ساعة من النوم (تقريبا ساعتين في اليوم). بالإضافة إلى عدد ساعات النوم، تؤثر ولادة الطفل أيضًا على جودة نوم والديه. ومنذ تلك اللحظة يصبح النوم مجزءا بشكل أكبر وخفيفًا، وتصبح دورات النوم العميق أقصر، مما يسهل على الوالدين، حتى أثناء النوم، أن يكونا منتبهين لأي تهديدات محتملة ضد أبنائهم. كما يؤثر النوم غير العميق من أجل الانتباه على الأطفال بشكل كبير على جودة النوم، وعلى قدرة الدماغ على تكوين روابط عصبية، وكذلك على خصائصه في تجديد الجسم. وسواء لديك أطفال أم لا، تظهر التغيرات في دورة النوم في قرابة سن الثلاثين؛ حيث يمكن أن تُحدث تأثيرًا كبيرًا على إدراكك، عواطفك، والطريقة التي يشيخ بها دماغك.
النوم والراحة.
الفائدة الأولى التي يحصل عليها جسمك من ساعات النوم هي الراحة. أثناء نومك، يدخل جسمك في حالة من الاسترخاء؛ حيث ينفصل تماما جسمك وعقلك عن البيئة المحيطة بهدف التعافي من الجهد الذي بذلته خلال اليوم، والاستعداد ليوم آخر من النشاط، يتسبب النوم في استرخاء عضلاتك، فيبرد دماغك حرفيا، ويستعيد جسمك الأحماض الأمينية، البروتينات والمواد الأخرى التي تحتاجها لأداء أفضل. وعليه، فالكفاءة الطاقية عامل حاسم للحفاظ على عقل متيقظ ومزاج جيد. وقد يحدث الإرهاق الزائد بسبب قلة النوم، نفس الآثار التي يسببها سوء التغذية.
لقد قضينا جميعًا بعض الليالي دون نوم، في هذه الحالة، تسمح لنا احتياطات الطاقة في جسمنا بتجاوز الصعوبات التي نمر بها في الصباح. بينما ننتظر بفارغ الصبر اللحظة التي نستطيع فيها أن نخلد إلى النوم. ورغم قابلية تحمل هذا، إلا أن قضاء ليلة واحدة بدون نوم تكفي لملاحظة كيف تنخفض مستويات انتباهنا وتركيزنا، ونشعر بالإرهاق، ونبدأ في المعاناة من النسيان اليومي والصعوبات في حل المشاكل المعقدة (بسبب نقص التركيز في الأساس). من حُسن الحظ، أن هذه الاضطرابات العرضية في النوم مؤقتة، ويمكن لليلة واحدة من النوم العميق أن تكون كافية لاستعادة النشاط الذهني.
ومع ذلك، عندما يتأثر النوم بالاضطراب بشكل منتظم، كما في حالات الأرق أو توقف التنفس أثناء النوم اضطراب تنفسي يوقظ الشخص عدة مرات خلال ساعات النوم قد تظهر المشاكل. مثل الإرهاق المزمن، أو ضعف الجهاز المناعي. في هذه الحالات قد يزيد تأثير عدم الراحة، المشاكل العاطفية، والعقلية، بل ويمكن أن تصبح مزمنة، ولا سبيل لعلاجها أيضًا. في مثل تلك الحالات، يعاني الدماغ بشكل مزمن بطأً في اتخاذ القرارات، القلق، الشعور بالكآبة انخفاض الثقة بالنفس ومشاكل في الذاكرة على المدى الطويل.
وربما كانت أحد أهم فوائد النوم الجيد لدماغك هي المحافظة على نظام القلب والأوعية الدموية في حالة مثالية. أثناء مراحل النوم العميق، التي تعتبر فترة من الراحة الأيضية، يتباطأ نظام القلب والأوعية الدموية، ما يمنح القلب فترة من الراحة والإصلاح، نعلم أن الأشخاص الذين يعانون انقطاع التنفس أثناء النوم أو قلة النوم لفترات طويلة قد يعانون قلبا متعباً، ويصبحون أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، هذه المعلومة ذات أهمية خاصة في الصحة الدماغية، فسبب أكثر من نصف الإصابات الدماغية فشل في نظام القلب والأوعية الدموية. كذلك وجد أن هناك ارتباطا وثيقا بين توقف التنفس أثناء النوم وخطر الإصابة بمشاكل الذاكرة والخرف في حالات نقص تدفق الأكسجين إلى الدماغ بشكل ملحوظ، والتي تكون حسّاسة بشكل خاص في بعض مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة ومرض الزهايمر. ورغم أنني لا أرغب في قول إن الشخير أو قلة النوم يمكن أن يسبب مرض الزهايمر، إلا أنني أرى أنه من المهم التوعية بأهمية النوم بالنسبة لنظام قلبك والأوعية الدموية وكذلك لعقلك.
النوم، الذاكرة، والمخزون المعرفي
ستصبح ذاكرتك من أكثر الوظائف العقلية انتفاعا عند اتباع عادات الراحة الجيدة، وذلك لأن النوم يعد جزءًا من العمليات الأساسية التي تسمح بتخزين الذكريات الجديدة في دماغك، يقع في إحدى مراحل النوم المسماة بمرحلة (أر. إي. أم) (اختصارًا عن الإنجليزية حركة العين السريعة) جزء كبير من ترسيخ التجارب المعاشة خلال النهار في الذاكرة. بمعنى، في هذه المرحلة ينظم الدماغ التجارب التي عاشها خلال النهار، وفي هذا التنظيم يضفي معنى للذكريات بطريقة دائمة، تمكننا من استعادتها بعد أسابيع، شهور، وحتى سنوات. هناك مثال مشابه قد يساعدك على فهم ما يحدث في تلك المرحلة من ترسيخ الذكريات، هو أن تتخيل نفسك جالسا، تتصفح صور الصيف، وتستبعد بعضها لعدم أهميته، أو لتكراره، وتحتفظ بتلك التي تعتبر مهمة في ألبوم مناسب. الحقيقة أن الذكريات لا يتم تخزينها في مكان معين بالدماغ، بل توزع عبر قشرة الدماغ بأكملها، لكن بالطبع هناك سجلا كبيرا للذكريات يسمح بالاختيار والبحث عن كل واحدة منها، يتم حفظ هذا السجل في منطقة بالدماغ تُعرف باسم قرن آمون، وهي أول منطقة في الدماغ يهاجمها الزهايمر (ومن هنا تنشأ مشاكل الذاكرة المعروفة في هذا المرض).
إن عملية إعادة تنظيم ذكريات اليوم وتخزينها مع ذكريات بعيدة هي التي تسبب الأحلام؛ حيث يتذكر بعض الأشخاص أحلامهم والبعض الآخر لا، لكن الجميع يحلم أربع أو خمس مرات كل ليلة. ومن العوامل التي تحدد تذكرنا لما حلمنا به من عدمه قرب الحلم من لحظة الاستيقاظ. فإذا استيقظت مباشرة بعد نهاية دورة (آر. إي. إم)، فغالبًا ستتذكر الأحلام التي راودتك للتو، وعامل آخر يتدخل في تذكر الحلم هو شدة العاطفة بالحلم نفسه؛ لهذا يعتقد الكثيرون أنهم يحلمون فقط بأمور سعيدة جدا، أو على النقيض، بكوابيس مقلقة.
تماما كما يحدث مع تجاربنا الأخرى خلال اليوم، يتم تشفير وتخزين الخبرات العاطفية في ذاكرتك أثناء النوم. في الواقع، يبدو تخزين هذا النوع من الذكريات ذا أولوية؛ حيث يمكن أن تكون تلك الذكريات العاطفية مهمة جدا لبقائنا على قيد الحياة. إن تذكر من ساعدنا، وتحت أي ظروف يمكن أن يكون أمرًا حاسما لراحتنا، وكذلك تذكر ظروف قيام شخص ما بمهاجمتنا، يتعرف الدماغ سريعا على هذه المعلومة حسب الاقتضاء، ويعطي الأولوية لحفظ هذه الذكريات على ذكريات أخرى كتذكر وجه البائع في محل الأدوات، تسبب عملية ربط الذكريات الحديثة مع الذكريات القديمة، جنباً إلى جنب مع مهام الأرشفة ومكونها العاطفي العالي، ذلك الطابع السريالي والمقلق الذي يمنح الأحلام تلك الهالة من الغموض والجاذبية، تعتبر حركة (آر إي أم) أو حركة العين السريعة (التي تظهر فيها الأحلام) مهمة جدا للذاكرة والبقاء الذاتي والتي، رغم أنها تظهر عادة في الدورة الأخيرة من النوم، عندما نقضي وقتا طويلا بلا نوم تنشط تلقائيا بمجرد إغلاق العينين. ربما تتذكر كيف دعاك عقلك بعد أن قضيت ليلة بدون نوم في اليوم التالي إلى إغلاق عينيك لأخذ قيلولة قصيرة والتي تجلب، على الفور، في غضون أربع أو خمس ثواني، أحلاما صغيرة، يعتقد الخبراء أن الدماغ الذي لم ينل قسطاً من النوم بحاجة إلى الأحلام أكثر من الراحة تماما مثل التائه في الصحراء الذي يختار المياه قبل الطعام.
تدعم عمليات تخزين الذكريات التي تحدث خلال الليل عنصرا آخر يمكن أن يساعد في تأخير شيخوخة الدماغ. طوال اليوم، ولكن بشكل أكثر وضوحًا عندما ننام، خاصةً خلال مرحلة حركة العين السريعة، يفرز الدماغ هرمونا يُعرف باسم هرمون النمو، يساعد هذا الهرمون في تكوين روابط عصبية جديدة، مما يسهل بالتالي تسجيل الذكريات اليومية وربطها بذكريات الماضي. في الطفولة، يستفيد الأطفال بشكل واضح من هذه العلاقة بين النوم والتطور العقلي، مما يؤكد، كما نعلم جميعا، على العبارة الشهيرة "إن أدمغة الأطفال مثل الإسفنجة". خلال هذه السنوات يحتاج الطفل ساعات طويلة من النوم، الذي عادةً ما يكون ذا جودة عالية من حيث قدرته على توفير راحة عميقة مما يمكنه من تكوين روابط عصبية جديدة. كذلك سيستفيد أي شخص سافر إلى بلد أجنبي من هذه الظاهرة، وهي النوم العميق الذي يشبه نوم الأطفال. عادةً ما يختبر المسافرون أحلاما شديدة الوضوح، وهو ليس سوى تمرين للدماغ للتكيف مع بيئة جديدة وتذكر كل ما يمكن أن يساعده على البقاء في مكان غير مألوف. على سبيل المثال، إذا سافرت إلى خارج وطنك، فإن الانطباعات الأولية ستجعلك تقضي الليالي الأولى وأنت تحلم بوجوه الأشخاص الذين رأيتهم، تسمع أصواتهم، أو تتجول في الشوارع التي تقودك إلى الفندق، في محاولة للتكيف مع تعبيراتهم الجسدية، لهجاتهم، أو طريقة الدخول والخروج من مكان إقامتك المؤقتة. مثل المسافرين والأطفال، يكون الأشخاص في المواقف الاستثنائية، كالأيام التي تسبق امتحانا مهما، أو الذين تم تشخيصهم حديثا بمرض خطير، أو إذا كانوا يستعدون لحدث مهم مثل الزفاف مثلا، يكون لديهم أحلام مليئة بالحيوية تجهزهم لمواجهة هذه المواقف، يمكن لهذه الأمثلة أن تساعدك في فهم أهمية النوم في بناء الدماغ. فإن الاحتياطي المعرفي هو عامل حماية ضد أمراض مثل الزهايمر أو فقدان الذاكرة المرتبط بالعمر، ويعتمد تطوير هذا الاحتياطي المعرفي على إنشاء روابط عصبية جديدة تحمي عقولنا من تأثير الزمن وأمراضه في هذا السياق، فإن استثمار الوقت في نوم جيد يعد مفيدا لاحتياطنا المعرفي؛ لأنه يرسخ التمارين العقلية أو التعلم الجديد الذي تقوم به خلال اليوم.
للأسف، كما يحدث مع دورات النوم الأخرى، عندما نتقدم في العمر تصبح فترات النوم العميق (أر. إي. أم) أقصر تدريجيا، مما يؤثر على قدرتنا على إنشاء روابط جديدة وعلى التذكر. على الرغم من أننا لا نستطيع عكس الزمن، ولن نعود إلى النوم بعمق كما كنا نفعل في سن الثالثة، فإن الباحثين في مجال النوم يمكنهم تقديم مجموعة من التوصيات المثيرة للاهتمام لزيادة كمية وجودة نومك ومساعدتك على الاستفادة من فائدته على مخزونك المعرفي.
النوم والعواطف
إذا كان لديك أطفال صغار فلا بد وأنك تعرف مدى أهمية النوم والراحة على الحالة المزاجية، كما يعرفها من يعاني الأرق المزمن. أحد أكثر الطرق فعالية لإضعاف العقل هي حرمانه من النوم. يعرف الخبراء العسكريون في استجواباتهم ذلك جيدا، أن العقل المدرب بشكل جيد، يمكنه في الظروف العادية أن يتحمل الضغط والتهديد، لكنه يصبح ضعيفًا بعد يومين فقط من الحرمان من النوم. فالنوم والمزاج يرتبطان ارتباطا وثيقا، يكفي تقليل عدد ساعات النوم لمدة يوم أو يومين للتسبب في تغييرات مؤقتة في حالتك المزاجية وتركيزك. تسببت الليالي التي قضيتها ساهرا مع زوجتي للاعتناء بأطفالنا المرضى في زيادة الانفعال مع مرور الساعات دون أن نتمكن من النوم، وجعل اليوم التالي مرهقا بسبب التعب، الخمول، والانزعاج، الذي يتبدد فقط عندما نتمكن من النوم، تكرار حدوث هذا الحرمان من النوم، يمكن أن يؤدي الى اضطراب في الحالة المزاجية مثل القلق أو الاكتئاب.
على النقيض، يمكن للنوم الصحي أن يحسن من حالتك النفسية، فقد أظهرت دراسة حديثة أن كمية وجودة النوم ترتبط بشكل وثيق بالحالة المزاجية للأصحاء. ووفقا لنتائج الدراسة، فالنوم لمدة 7 ساعات أو أكثر ونيل قسط كاف من الراحة يجعل حالتنا المزاجية جيدة جدا أو ممتازة في اليوم التالي بنسبة 70%. أما النوم لأقل من 7 ساعات في اليوم، يعني احتمالية وصول الحالة المزاجية إلى مستويات تقتصر على 40% فقط. تشير بيانات الدراسات المختلفة إلى أن الحالة المزاجية مجرد أحد جوانب تجربة الشعور بالراحة التي تتأثر بعادات النوم. فأولئك الذين ينامون عدد ساعات أكثر، يشعرون بمزيد من الطاقة والقدرة على الإنتاج، بينما أولئك الذين ينامون عدد ساعات قليلة يشعرون بمزيد من التعب والتوتر والإحباط. ومن المدهش أن الشعور بالإحباط يعد أحد التصورات التي يدركها بشكل شبه دائم العديد من الأشخاص الذين يعانون عادة قلة النوم. وإذا استمرت تلك الأحوال فقد تؤدي إلى الاكتئاب. ورغم أن احتياجات الراحة تختلف من شخص إلى آخر، إلا أنه من الواضح أنه كلما زاد عدد ساعات النوم والراحة كلما كان المزاج أفضل.
أحد نتائج التقدم التكنولوجي الذي شهدناه في القرون الأخيرة، هو تقليص عدد الساعات المخصصة للنوم. في العصر الفيكتوري، قبل ظهور الثورة الصناعية كان الناس ينامون من 9 إلى 10 ساعات يوميا، تشهد على ذلك يوميات الفلاحين، الخدم وسيدات المجتمع في ذلك الوقت. في عالم بدون صخب أو تلفاز، يحين موعد النوم بعد العشاء بقليل. في الوقت الحاضر، ينام معظم الناس ما بين 7 و 8 ساعات وليس من قبيل الصدفة أننا كنا ننام ساعتين إضافيتين من قبل، تنام الحيوانات المشابهة للإنسان، مثل القردة، الريسوس، البابون، إنسان الغاب، والشمبانزي بمعدل 10 ساعات يوميا فيما يبدو أنه نمط نوم طبيعي أيضًا للبشر. ربما لم يسمح لك إيقاع العمل، السهرات الليلية، أو قضاء الوقت مساءً أمام التلفاز بملاحظة فقدان ساعات نومك، لكنك لاحظت أنه أثناء عطلتك تنام كحيوان الكسلان ربما في محاولة لتعويض ساعات نومك مثل إنسان الغاب، يمكنك أيضًا ملاحظة أنك تنام عدد ساعات أقل مما يحتاجه دماغك، من بعض الأعراض الأخرى مثل النوم في غضون أقل من 10 دقائق عند ذهابك إلى الفراش (في الوقت الذي عادة يحتاج العقل إلى قرابة 10-20 دقيقة للاستعداد)، أو إذا شعرت في الصباح أن المنبه يوقظك حرفيًا من أحلامك بدلا من أن تستيقظ بشكل طبيعي.
بالعودة إلى العصر الفيكتوري، علينا أن نفكر بعمق في انخفاض عدد ساعات النوم بمجتمعنا حاليا. فكما رأينا، فإن تقليل ساعة واحدة من النوم لشخص معتاد على النوم لمدة 8 ساعات يمكن أن يسبب التعب، الإحباط، أو الحزن. إذن، كيف سيكون تأثير تقليل عدد ساعات النوم بشكل دائم على المجتمع بأكمله؟ من المحتمل أن يكون تحديد ساعات الراحة في عصر ما بعد الثورة الصناعية قد أسهم في انتشار التعب، الإحباط، أو الكآبة بشكل شائع في مجتمعنا. لقد قدم التطور التكنولوجي، اليوم أكثر من أي وقت مضى، وعدا بجلب السعادة وجعلها في متناول اليد. ومع ذلك، يبدو أن ما يقدمه من راحة ليس كافيا لتعويض ساعات النوم التي فقدناها.
لقد رأينا كيف يمكن أن يعجل تقليل عدد ساعات النوم من شيخوخة الدماغ، ويؤدي إلى ضعف الجهاز المناعي، تقليل القدرة على التركيز، التذكر، وحل المشاكل، وكذلك في التسبب في تأثيرات ضارة على الحالة المزاجية. وعلى نقيض ذلك، يبدو أن الابتعاد عن النمط الذي يفرضه عصرنا، والنوم لعدد ساعات أكثر قليلا، هو ميل فطري للإنسان، يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات منعشة لعقلك ومزاجك. حتى ننهي هذا الموضوع، أدعوك إلى العودة إلى العصر الفيكتوري، قم بإطفاء المصابيح، الكمبيوتر، والتلفاز، والنوم بعمق لفترة أطول. وإذا لم تستيقظ غدًا مرتاحًا أكثر، أو نشيطا فلا داعي للتكرار. أما إذا كانت نتائج التجربة إيجابية، فأنا أشجعك على التحقق خلال أسبوع من تأثير النوم لساعة إضافية في اليوم على حالتك المزاجية، مستوى نشاطك، أو قدرتك على التركيز. استرح.
نصائح عملية..
النوم هو مرادف الراحة الذهنية. رغم ذلك، من الشائع جدا وجود مشاكل في الاستغراق والحفاظ على النوم بشكل كبير بسبب عادات تعيق دماغنا من الانفصال عن التوترات اليومية. فيما يلي أقدم لك بعض النصائح التي تساعدك على الحصول على قسط كاف من النوم:
ـ أنشئ روتينا ثابتاً قبل أن تذهب إلى النوم. ارتد البيجاما، اغسل أسنانك، اتخذ نفس الوضعية. هكذا سيعتاد عقلك على النوم.
ـ خصص الساعة الأخيرة من اليوم للقراءة في الفراش، تنشط القراءة مجموعة من الدوائر التي ستساعدك على النوم قبل مرور نصف ساعة.
ـ تجنب الانفعال الشديد بعد العشاء، تجنب المناقشات، الأفلام أو الروايات المثيرة. فبإمكانها منعك من النوم.
ـ تجنب العمل أو التحدث عن العمل بعد العشاء، لا تستقبل مكالمات العمل أو رسائل البريد الإلكتروني، خصص هذا الوقت من اليوم للتحدث عن الأشياء التي تساعدك على الراحة والاسترخاء، مما يجعل النوم أسهل.
ـ خصص غرفة النوم للنوم وللراحة فقط لا تتناول طعامك بها، لا تشاهد التلفاز أو تستخدم الكمبيوتر داخل غرفة النوم، يجب أن ترتبط صورة غرفة نومك كملجأ للراحة في دماغك.
ـ رغم أن التليفون المحمول يقوم بعمل المنبه في بعض الأحيان، إلا أنك ستحظى بنوم أفضل إذا أبعدته عن غرفتك ليلا، أبعد جدول مهامك ومشغولياتك عن ذهنك وستشعر براحة أفضل.
ـ نم في الظلام، أغلق الستائر لتجنب إنارة الشوارع، وقم بإطفاء أنوار المنزل. فالدماغ البشري مبرمج على عدم العمل في الظلام التام. إذا كنت بحاجة إلى الضوء لتنام فقم باختيار أضواء خافتة ذات ضوء أزرق، فهي تشبه لمعان النجوم (والتي تسبب إزعاجا أقل للدماغ).