1. الفرق بين الحكومة والقضاء في الفقه: بينا في بحثنا التفسيري أنّ الزوج (المؤلي) إذا لم يقم بواجبه ووظيفته في قبال زوجته، فيمكن للزوجة إعمال حقها بالذهاب إلى الحاكم الإسلامي، لا إلى المحكمة وعند القاضي، لأنّ الحكومة تختلف عن القضاء في الإسلام، وإن أمكن أن يكون الحاكم قاضياً أيضاً، أو القاضي حاكماً كذلك.
وحدود القضاء هي الإنشاء اللفظي وصدور الحكم على أساس البينة واليمين وإنهاء الخصومة. إلّا أنّ (المحكوم عليه) إذا لم يقبل بحكم المحكمة، فعند ذلك يبدأ دور الحاكم الإسلامي ووالي المسلمين، فيحل المشكلة بالحبس أو العقوبات الأخرى.
تنبيه: إذا كان الفقيه جامعاً لشروط القضاء فيمكن له إصدار الحكم طبقاً للشاهد واليمين، كما يمكن له تنفيذ الحكم الصادر.
والقصد في هذا الكلام هو أن نقول:
أولاً: إنّ هذه الشؤون المذكورة تختلف أَحدها عن الآخر.
وثانياً: إمكانية تفكيك المسؤولية في النظام الإسلامي.
وثالثاً: إن الذي يحلّ مشكلة المرأة المؤلاة هو العمل التنفيذي لا القضاء المجرد، وإن كان التنفيذ فرعاً من أصل ثبوت حق المرأة من جهة وثبوت تكليف الرجل من جهة أُخرى.
وقد ذكر أكثر الفقهاء دور الحاكم الإسلامي في تنفيذ أحكام الإيلاء، حتى أولئك الذين لم يقبلوا بولاية الفقيه بشكلها الواسع منهم، أفتوا بهذا الدور في هذه المسألة[1]؛ لأن ما يؤيد هذا الموضوع ويدعمه هو الروايات التي سوف نورد نماذج منها في البحث الروائي.
كما أن تأثير واقتدار الحكومة الإسلامية في الأمور الاجتماعية قد ورد الحديث عنها في الأبواب الفقهية الأخرى أيضاً، حيث جاء في باب الطلاق: إن الزوج إذا فر وترك زوجته معلّقة، فإذا لم يعد بعد انقضاء مدة، أمكن للمرأة أن تذهب إلى الحاكم الإسلامي، فيعيّن القاضي أربع سنوات مهلة للعثور على الزوج وفي حالة عدم العثور عليه يطلق الحاكم المرأة بواسطة ولايته[2].
وهكذا تكون حدود القضاء متفاوتة مع حدود عمل الحكومة الإسلامية وإن كان القاضي حاكماً أحيانا أو الحاكم قاضياً أيضاً.
2. الوظيفة المشتركة للحكومة الإسلامية والشعب: تنقسم الأحكام الإلهية إلى عدة مجاميع:
أ. الأحكام التكليفية الفردية، وهي التي يجب على كل واحد القيام بها، ولا علاقة مباشرة لها مع الحكومة الإسلامية مثل وجوب الصلاة أو حرمة الغيبة.
ب. الأحكام الخاصة بالحكومة الإسلامية، وواجبات الإمام الشخصية التي لا يقع زمام تنفيذها بيد الناس مثل الحكم وفقاً للقاعدة الفقهية «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر[3]»، لأن هذه القاعدة لا تشبه حكم وجوب الصلاة كي يتمكن أي واحد أن يحكم وفقاً لها فيفصل في الخصومة بشهادة الشاهد العادل أو يمين الشخص المنكر أمامه، بل المسؤول عن تطبيق هذه القاعدة الفقهية هو الجهاز القضائي للحكومة الإسلامية، مثلما يكون تطبيق الحدود كقطع يد السارق (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: 38] وعقوبة الزاني (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2] من صلاحيات الجهاز القضائي والحكومة الإسلامية، ولا يستطيع الناس تطبيق القوانين المذكورة بأنفسهم. وهكذا مجازاة المحارب أيضاً حيث إنها موكولة إلى الإمام كما يقول الإمام الباقر عليه السلام عالم نقلاً عن أمير المؤمنين علي عاليه السلام فوض إلى الإمام في المحارب أن يصنع ما يشاء[4].
ج. الأحكام المشتركة بين الحكومة الإسلامية وجماعة الناس، وهـي التي يستطيع أي واحدة منهما الامتثال لها. مثل قاعدة (من استولى على شيء منه، فهو له[5]) التي يظهر منها كون (اليد) أمارة.
و(اليد) أمارة التمتع بالحق، وتشير إلى مشروعية تصرف الشخص الذي في يده ملك أو مُلك ما؛ لأنّ الأمارة الملكية أيضاً تتضمن تمتع المتولين بالنفوذ والسلطنة على المال، ويحق لهم التعامل بأموال الوقف أو أموال موكلهم أو وصيهم مع مراعاة الشروط. فالمتولي رغم كونه ليس مالكاً للمال، إلّا أنّه مَلِك.
وقاعدة (اليد) معتبرة للناس العاديين في السوق وللجهاز القضائي والقاضي أيضاً كعامة الناس يحكم بصحة تصرف صاحب (اليد)، ويطلب البينة الشرعية من مدعي المالكية.
وهكذا أيضاً تكون أحكام الإيلاء مشتركة بين الحكومة الإسلامية وعامة الناس، ولكن ليس إحداهما في عرض الأخرى، مثل قاعدة اليد و...، بل في طول بعضهما.
أي يمكن للشخص المؤلى أولاً أن يختار بين الرجوع أو الطلاق دون الحضور في المحكمة ولا يبقي زوجته معلّقة لا تعرف مصيرها.
وثانياً في حالة عدم إقدام الزوج تستطيع الزوجة أن تذهب إلى الحاكم الإسلامي كي يجبر زوجها على اختيار واحد من هذين العملين.
وثالثاً لو أن الشخص لم يقم بأحد هذين العملين حتى بالإجبار، فهنا تبرز مسألة الطلاق كأحد ثمرات الولاية، حيث يقوم الحاكم الإسلامي من خلال ولايته القهرية على الممتنع عن القيام بواجبه بطلاق المرأة بالنيابة عن الزوج.
إذن، فبعض الأحكام المذكورة مشترك بين الحكومة والأفراد بصورة طولية لا عرضية.
3. الفرق بين السميع والسامع: (السميع) وصف للذات و(السامع) وصف للفعل اذ لا يشترط وجود المسموع عند وصف الله بـ (السميع).
ومعنى السميع هو أن الفرد بسبب اتصافه بإحدى الصفات الكمالية يكون بحيث متى ما وجد شيء مسموع فهو يسمعه ولا يشترط الوجود الفعلي للمسموع في صدق ذلك وأصل هذه الصفة يعود الى أن ذلك الشخص حي وخال من أي نقص أو مرض أي يمكن تحليل معنى السميع بأنه (الحي الكامل).
أما السامع فهو بمعنى ذلك الشخص الذي يسمع المسموع الموجود.
والله كان سميعا في الأزل كما أنه سميع في (اللايزال) أيضا لكنه لم يكن سامعا في الأزل لعدم وجود مسموع في الأزل فمتى وجد المسموع يكون الله متصفا بـ (السامع[6]).
[1] جواهر الکلام، ج 33، ص 315-316.
[2] راجع وسائل الشيعة، ج 22، ص 158.
[3] راجع عوالي اللآلئ، ج 2، ص 345؛ العناوين، ج 2، ص 588.
[4] وسائل الشيعة، ج 22، ص 377
[5] المصدر نفسه، ج 26، ص 216.
[6] التبيان ج2 ص236-237 مع بعض التحرير والتنقيح