ذكرنا بعض المقدّمات المتعلّقة بطبيعة الدعاء، وما يتحتّم علينا معرفته عندما نتوجّه الى الله تبارك وتعالى، واليوم نحاول أن نذكر مقدّمة ثانية لها دخل في توضيح مفهوم الدّعاء. أنتم تعلمون أنَّنا جميعًا نُصلّي، لكن صلاة الإمام المعصوم (عليه السلام) غير صلاة الآخرين، وصلاة العالم غير صلاة المتعلِّم، مع أنَّ أفعال الصلاة هي صلاة واحدة، تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، وقد ورد في الحديث الشريف: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)) (1) فالأفعال واحدة، والأقوال واحدة.
إنَّ الصلاة التي نصلّيها نفسها كان يصلّيها النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله)، وكان يصلّيها الأئمة الهداة (عليهم السلام)، والوضوء أيضاً هو الوضوء الذي كان يتوضأ النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، لكن لا شكّ هناك فرق كبير بين صلاة الإمام (عليه السلام) وصلواتنا، وما ذاك إلَّا للحالة المعرفيّة الكبيرة الهائلة التي يمتلكها الإمام المعصوم (عليه السلام).
وكذلك حينما نُقارن صلاة العالم سنجدها تختلف عن صلاتنا، وهذا الاختلاف ناشئ من سعة المعرفة واليقين بالله تبارك وتعالى، فالإمام زين العابدين (عليه السلام) صاحب الدعاء الذي نعيش في رحابه كان قمّة في العبادة والخضوع والخشوع أمام الله (عزَّ وجلَّ)، حتّى لُقّب بزين العابدين وسيّد السّاجدين (عليه السلام).
فكان قد اصفرّ لونه من السّهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصّلاة.
وكان إذا توضّأ للصلاة يصفرّ لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء، فيقول: ((أَتَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقُوم)) (2).
وفي رواية أخرى كان الإمام (عليه السلام) عندما يحين وقت الصلاة يتغيّر حاله، وعندما سُئِل عن ذلك، قال: ((جَـاءَ وَقتُ الصَّلاةِ، وَقتُ أَمـانَة عَرضَها اللهُ عَلَى السَّمواتِ وَالأَرضِ ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: 72])) (3).
وهذه الأمانة لا ندري هل ننهض بها أو لا ننهض، وقطعًا خوف الإمام (عليه السلام) من الله تعالى يزداد؛ لأنَّه نابع من علم ويقين ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وكلَّما كان الإنسان عالماً كلّما ازدادت خشيته، ويقصد بالعلم هنا العلم بعظمة الله تعالى وبما عند الله تعالى من ثواب وعقاب، وما أعدّه لعباده، وهذه الخشية لا تكون حالة وقتية وتنتهي وفق أمدٍ معيّن، وإنَّما لا بُدَّ للمؤمن أن يعيش دائمًا بين الخوف والرّجاء، فكما يخاف الله تعالى يرجو الله تعالى؛ أي يكون في حالة توازن لا إفراط، ولا تفريط فيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) متشابه القرآن ومختلفه، لابن شهرآشوب: 2 / 170.
(2) كشف الغمة في معرفة الأئمّة:2 / 74.
(3) عوالي اللئالي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة: 1 / 324.