0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

الصداقة الأبوية مفتاح التأثير في المراهق

المؤلف:  مياسة شبع

المصدر:  فن التعامل مع المراهقين

الجزء والصفحة:  ص32 ــ 38

2026-10-11

22

+

-

20

عند التأمل في الروايات التربوية لأهل البيت (عَلَيْهِم السلام)، نجد أنها تؤكد على أهمية مصاحبة الأبناء، خصوصا في مرحلة المراهقة.

فقد ورد عن الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَام) قوله: ((دع ابنك يلعب سبع سنين، وألزمه نفسك سبعاً، فإن أفلح وإلا فإنه ممن لا خير فيه))(1).

في هذا الحديث الشريف، يرسم لنا الإمام منهجا تربويا متكاملا، يحدد الأسلوب الأمثل في التعامل مع الأبناء وفق مراحلهم العمرية. فمرحلة الطفولة المبكرة هي مرحلة لعب حيث يكون الطفل غير مميز، لذا ينبغي تركه لينمو في بيئة مليئة بالفرح والاكتشاف. ثم، مع وصوله إلى سن التمييز، تبدأ مرحلة التأديب والتوجيه، كما يشير الإمام بقول: ((ويؤدب سبعًا))، أي نغرس فيه القيم الأخلاقية والتربوية، لا سيما القيم الإسلامية.

أما في سن المراهقة، فيوصينا الإمام بملازمة الابن، حيث يقول: ((وألزمه نفسك سبع سنين))، في اللغة العربية، الفعل ((ألزم)) يأخذ معنى الإلزام والإجبار على فعل شيء معين، وعندما نقول ((ألزمه نفسه))، فهذا يعني جعله مقترنا به وملازما له بشكل دائم.

مثال: ((ألزم الطالب معلمه)): أي جعله رفيقا لمعلمه ومواظبا على التعلم منه. ((ألزمه بيته)): أي جعله ملازما لبيته دون خروج.

وفي الحديث، ((وألزمه نفسك سبع سنين))، تعني: اجعل نفسك مرتبطة به ولا تفارقه طيلة هذه المدة.

أي أن العلاقة في هذه المرحلة يجب أن تتحول إلى مصاحبة، فيكون الأب أو الأم قريبا من المراهق كالصديق والمرشد.

وقد أكد رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) على هذا الأسلوب التربوي في حديث آخر بقوله: ((لاعب ابنك سبعًا، وأدبه سبعًا، وصاحبه سبعًا))(2) وهنا يكمن السر في نجاح العلاقة بين الآباء والأبناء، فالمراهق يحتاج إلى من يفهمه، لا من يفرض عليه الأوامر والتوجيهات فقط. إن جعله يشعر بأن والديه هما أقرب الناس إليه، يمنحه الأمان النفسي ويحد من تأثير البيئة الخارجية عليه.

لكن يجب أن نعرف أن الصداقة ليست مجرد عنوان، بل لها مستويات. فقد صنف الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الأصدقاء إلى نوعين، بقوله: ((الْإِخْوَانُ صِنْفَانِ إِخْوَانُ الثَّقَةِ وَإِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ))(3).

فإخوان المكاشرة هم الذين تجمعنا بهم علاقة سطحية، قائمة على المجاملة والمصالح العابرة، أما إخوان الثقة فهم من نبوح لهم بأسرارنا، ونلجأ إليهم في أوقات الحاجة. ومن هنا، لا يكفي أن يكون الأب أو الأم مجرد ((صديق مكاشرة)) مع المراهق، بل يجب أن يسعيا ليكونا ((صديق ثقة))، يشعره بالأمان والاحتواء، فيكونان المرجع الأول له بدلا من أن يبحث عن ذلك في أوساط أخرى قد لا تكون آمنة.

إن هذا المفهوم التربوي العميق الذي قدمه أهل البيت (عَلَيْهِم السلام)، يتفق مع ما توصلت إليه الدراسات التربوية الحديثة، التي تؤكد أن أفضل طريقة للتعامل مع المراهقين هي مصادقتهم ومشاركتهم اهتماماتهم بدلا من معاملتهم بسلطة جامدة تقود إلى التمرد أو النفور. فكلما كانت العلاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، زاد تأثير الآباء على أبنائهم، وكانوا أكثر قدرة على توجيههم نحو الصواب.

رب تساؤل يرد: لماذا التأكيد على الصداقة؟

الجواب: لأن رابطة الصداقة تفوق في تأثيرها كل الروابط الأخرى، فهي أقوى من رابطة الأمومة، وأشد من رابطة الأبوة، وأعمق من رابطة الأخوة والقرابة. ولهذا، لا ينبغي أن يستغرب الآباء عندما يرون أبناءهم يتأثرون بأصدقائهم أكثر مما يتأثرون بهم، فالصداقة ليست مجرد علاقة عابرة، بل هي وحدة روحية تتجاوز الجسد، كما يقول أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلَام) أنه قال: ((الْأَصْدِقَاءُ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ فِي جُسُومٍ مُتَفَرِّقَةٍ))(4).

إن الصداقة المتينة تؤثر في سلوك الإنسان وتشكل شخصيته فهي تترك أثرًا عميقا في فكره وتصرفاته، ولذا أكدت النصوص الشرعية على أهمية اختيار الصديق الصالح، لما للصداقة من دور جوهري في توجيه الإنسان نحو الصلاح أو الانحراف.

فقد روي عن رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ): ((من خير حظّ المرء قرين صالح، جالس أهل الخير تكن منهم))(5).

وروي عن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ((صحبة الأخيار تكسب الخير - كالريح إذا مرت بالطيب حملت طيبا))(6).  

وكثيرا ما نسمع عن آباء وأمهات يشكون من تغير سلوك أبنائهم بعد مصادقتهم لأصدقاء غير صالحين، حيث يتحوّل الولد من الطاعة إلى العقوق، ومن الالتزام إلى التهاون، ومن الصلاة إلى تركها. وعلى الجانب الآخر، نجد أن الشاب الذي نشأ في بيئة غير ملتزمة لكنه ارتبط بصديق صالح، سرعان ما يتأثر به ويصبح أكثر التزاما واستقامة.

من هنا، فإن الحل الأمثل لا يكمن فقط في تحذير الأبناء من رفاق السوء، بل في بناء علاقة صداقة قوية معهم تجعلهم يتأثرون بوالديهم الصالحين أكثر من تأثرهم بغيرهم.

والصداقة ليست حكرًا على الغرباء كزملاء الدراسة أو العمل بل قد تنبع من أقرب الروابط الإنسانية، حيث يمكن أن يكون الصديق الحقيقي الأب، أو الأم، أو الأخ أو الأخت. فعندما تمتزج رابطة القرابة بروح الصداقة، تتجلى أسمى معاني الود والتآلف، وتتحول العلاقة الأسرية إلى مساحة من الثقة والاحتواء.

قيل لأحد الحكماء: ((أيما أحب إليك، أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقاً لي))(7).

قد تقول الأم بمرارة: ((أنا أتعامل مع ابني كصديقة، لكنني أراه ينجرف مع رفاق السوء بدلا من التأثر بي! فأنا أحرص على التمسك بتعاليم الدين، أصلي في وقتها، لا أسمع الأغاني، أبر والديّ، وألتزم بالحجاب الشرعي والعفة، ومع ذلك، ابني وابنتي يخالفانني تماما! لا يباليان بالصلاة، ينغمسان في سماع الأغاني، لا يبراني، وابنتي متبرجة... كأن صداقتي معهما لم تجد نفعا!)).

لكن عند التعمق في العلاقة، يتضح أنها ليست صداقة حقيقية، بل علاقة تقوم على الأوامر الصارمة دون مساحة للحوار والتفاهم بل بعض المراهقين يشبهون الأوامر التي يتلقاها من الوالدين بالأوامر التي يتلقاها الجندي من قائده في معسكر التدريب؛ وسبب ذلك أن الأم لم توازن بين الحزم والحنان في تعاملها مع أبنائها. فلا تزال تمارس الأوامر الصارمة دون مساحة للحوار، وتنزع إلى الانفعال ورفع الصوت، وربما التوبيخ، معتقدة أن هذا الأسلوب سيجعل أبناءها أكثر طاع.

وهنا يكمن الخطأ الجوهري، فالصداقة لا تُبنى بالقهر، ولا تُزهر في بيئة يسودها التسلط والانفعال. تأملي لو أن صديقتك المقربة صرخت في وجهكِ أو أهانتك، هل كنت ستشعرين بالقرب منها أم بالنفور؟ هل كنت ستتمسكين بها أم تبحثين عن بديل أكثر تفهما؟ كذلك هو حال ابنك، إن أردت أن يكون قريبا منك كصديق، فعامليه كما تحبين أن تعاملك صديقتك، بحب واحترام، لا بأوامر صارمة وانفعالات قاسية.

وحين يجد الابن في والديه أو أحدهما صديقا حقيقيا يصغي إليه، يفهم مشاعره، ويشاركه اهتماماته، فإنه سيشعر بالأمان والطمأنينة، ولن يكون بحاجة إلى البحث عن بدائل خارج الأسرة. لذا، فإن التربية لا تكتمل إلا عندما يحسن الآباء تحقيق التوازن بين دورهم كموجهين ودورهم كأصدقاء مقربين، مما يحول العلاقة من مجرد أوامر ونواه إلى رابطة قائمة على الحب، الاحترام، والتأثير العميق.

إذن، المشكلة الأساسية تكمن في أن الكثير من الآباء والمربين لا يدركون متطلبات بناء صداقة حقيقية مع أبنائهم، ولا يعرفون الحقوق التي يجب مراعاتها للحفاظ على علاقة قائمة على الثقة والاحترام. ولهذا، سنتناول هذه الأسس المهمة بالتفصيل في المبحث التالي، متطرقين إلى المبادئ الجوهرية التي تجعل الصداقة بين الوالدين والأبناء رابطة قوية تثري العلاقة الأسرية بدلا من أن تكون مجرد شعار فارغ لا أثر له في الواقع.

______________________________

(1) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 101 - ص 95.

(2) شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام) - ص 586.

(3) مصادقة الإخوان - الصدوق - ج 1 - ص 30.

(4) عيون الحكم والمواعظ - الواسطي - ص 63.

(5) وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 16 - ص 263.

(6) الخير والبركة في الكتاب والسنة - محمد الريشهري - ص 92.

(7) مروية عن عبد الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب القرشي وخالد بن صفوان القناص. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد