1. تفسير العقل النظري والعملي: للعقل اصطلاحان أحدهما نظري والآخر عملي. ولا اختلاف في تعريف العقل النظري، بل الاختلاف يبرز في تفسير العقل العملي.
والعقل النظري هو الملكة التي يمكن بها فهم الأمور الـتـي لـيـس للإنسان دور في وجودها أو عدمها، بل هي ثابتة في محلّها. إذن فالقوة التي بها يمكن إدراك النظريات والعقائد، هي التي تسمى بالعقل النظري.
أما العقل العملي فيطلق على القوة التي بها يمكن إدراك الأمور العملية التي يكون وجودها وعدمها مرتبطين بالإرادة الإنسانية، مثل الوجوب والحرمة والحسن والقبح، والخير والشر، والنفع والضرر.
وتقسيم العقل إلى هذين القسمين بناءً على هذا التفسير، ناتج من النظر إلى متعلّق العقل لا النظر إلى العقل نفسه؛ لذا لا يمكن أن يكون صحيحاً، وإن ورد في كتب الكثير من الأعاظم.
إن قوى النفس يجب تقسيمها بالنظر إلى الشؤون المختلفة لهذه القوى بالذات؛ لأن الإنسان يقوم بأفعال مختلفة يؤدّيها بواسطة قوى مختلفة، فيجب تفسير تقسيم العقل النظري والعملي من خلال الأخذ بنظر الاعتبار تعدّد أعمال وقوى الإنسان. فعلى هذا يجب القول بامتلاك الإنسان لنوعين من القوى، يفهم بالنوع الأول، ويعمل بالثاني. والعقل النظري هو قوة الفكر والفهم، والعقل العملي هو قوة الدافع والإرادة والنية والتصميم و...، وإلى هذا التفسير يشير تقسيم قوى النفس إلى (العلّامة) و(العمالة) وعبارة (قوة الدرك والفعل) في عبارات الحكماء السابقين[1].
2. مراتب القوة النظرية والعملية: هناك مراتب للقوتين النظرية والعملية، تترتب على كل منها أحكام وفروع مختلفة:
أ. مراتب القوة النظرية: ومراتبها الطولية هي: الإحساس، التخيل، التوهم والتعقل. أما درجات إدراك الإنسان فتتكون من الإحساس والتخيل والتوهم والتعقل؛ فالإدراك أحياناً يكون جزئياً مقيداً بالمادة والوضع والمقدار والشكل، وأحياناً أخرى يكون مجرداً ومنزّهاً عن هذه الأمور.
والاحتمال والوهم والشك والظن والاطمئنان، وكذلك العلم والجزم واليقين هي أمور تنشأ من ضعف أو اعتدال أو شدة فهم القوة النظرية وهكذا فالعقل النظري هو الذي يتكفل بجميع الأمور التي تقع في المساحة الممتدة من مرحلة الإحساس إلى التعقل ومن الاحتمال إلى اليقين.
ومما يجدر ذكره أن تقسيم أنواع الإدراك تقسيماً رباعياً ثم ثلاثياً ثم ثنائياً، يشير إلى ما طرأ من تطوّر دقيق في المعرفة من مباني الحكمة المسائية إلى الحكمة المتعالية. لقد كان تقسيم الإدراك لدى ابن سينا في الإشارات والتنبيهات إلى أربعة أنواع[2]. ثم اتخذ هذا التقسيم المعهود شكلاً ثلاثياً من خلال ما جاء في الأسفار حيث أسقط الوهم من درجة الاعتبار؛ لأنّ الوهم هو نفس العقل المقيد[3]. أما ما جاء في تعليقة الأستاذ العلامة الطباطبائي فهو أن أصل الإحساس والتخيل يعود إلى واقعية معرفية واحدة[4]، وأن الفرق بين هذين الاثنين لا علاقة له بدرجة وجود المعرفة.
والبحث في هذه المعارف، وإن كان بصورة مختصرة إجمالية، يبعدنا عن الهدف المرسوم لهذا الكتاب.
ب. مراتب القوّة العملية: والعقل العملي يتكفّل بالأفعال؛ ولما كان العمل يحتمل القبح والحسن، فالعقل العملي يقوم بالأعمال الجيدة كما يقوم بالسيئة أيضاً. وكما أنّ العقل والقوة النظرية يفهمان أحياناً بصورة صحيحة، ويخطئان في أحيان أخرى؛ فكذلك العقل العملي يكون عمله ضعيفاً حيناً، ومتوسطاً حيناً آخر، كما يمكن أن يكون قوياً في حين آخر. والنيّة والإرادة والعزم هـي مـن شؤون العقل العملي.
3. تقسيم الناس على أساس العقل: أ. يستفاد من آيات القرآن الكريم وقوع الجهل في مقابل العقل العملي، كما وضعته الروايات أيضاً في مقابل العقل لا في مقابل العلم. إذن، فالإنسان في أول التقسيمات يكون إما عاقلاً أو جاهلاً، كما أنّ الجاهل إمّا أن يكون عالماً أو غير عالم.
ب. طبقاً لما يتبين من الروايات فإنّ العقل هو القوة التي ينطبق عليها وصف: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان[5]. وعلى أساس هذه الروايات فالناس إما من أهل الجنة أو من أهل جهنم، كما أنّ الذي في النار هو إمـا عـالم أو غير عالم.
ج. إن العقل هو القوة التي تسيطر على قوتي الشهوة والغضب الجامحتين. وعلى هذا الأساس فالناس إما في حصن أ ن أمين أو أنهم هائمون، والإنسان الهائم إما أن يكون عالماً أو غير عالم.
وهنا يجدر القول إن هذه التقسيمات تأخذ شكل حصر. عقلي ترجع فيه إلى قضيتين منفصلتين؛ لأنها تدور مدار النفي والإثبات. ومن هنا كان الموجود في القضية المنفصلة الحقيقيّة هو مقدّم وتال واحد فقط يستحيل اجتماعها وارتفاعها؛ لأن المقدم والتالي أحدهما يناقض الآخر؛ في حين يختلف الأمر في المنفصلة مانعة الجمع أو مانعة الخلو حيث يكون المفروض تعدّد المقدم والتالي. إذن فمتى ما كان لدينا حصر عقلي مثلث الأضلاع فيجب أن يؤول إلى قضيتين منفصلتين، أي يجب أن يقال :هكذا إنّ الإنسان إما عاقل أو لا وغير العاقل إما عالم أو لا. وحاصل هاتين القضيّتين هو تشكيل ثلاث فئات إنسانية أشارت إليها الروايات بهذا الشكل إن الإنسان أما أن يكون من أهل الجنة أو من أهل الناروأهل النار إما عالمون أو غير عالمين.
ورواية «ما العقل؟ قال: ما عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان هي بمثابة الأصل أما نقيضها فسيكون ما لا يُعبد به الرحمن ولا يُكتسب به الجنان، فليس بعقل وهو الذي أشارت إليه آية (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة: 130] وذكرته بعبارة السفيه والسفاهة.
والقضية الأولى تبيّن تقسيم الناس إلى عاقل وجاهل، والقضية الثانية ـ أي تقسيم الإنسان الجاهل إلى عالم وغير عالم. فتبينها روايات من قبيل «ربّ عالم قد قتله جهله، وعلمه معه لا ينفعه[6]»، أو «لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكا[7]»، لأن الجهل ـ الذي يجتمع مع العلم، ويصبح العلم مثله تماماً ـ يقابل العقل الذي هو القوة القامعة للغرائز لا العلم.
و(الجهل) يتناقض مع (العلم)، ولا يمكن الجمع بينهما، خلافاً للعلم وعدم العمل اللذين يمكن الجمع بينهما، كالشخص الذي يعلم أن الغيبة حرام ولكنه يستغيب الناس؛ وخلافاً أيضاً للحالة التي يكون فيها (العلم) عيـن (الجهل)، كالشخص الذي درس علمي الفيزياء والكيمياء، لكنه جعلهما وسيلة لتدمير الناس، أو كالعالم الذي يجعل من معلوماته أدوات لخداع الآخرين، أو العلماء الذي ينتحلون النحل ويضعونها في مقابل الأديان وما جاء به الأنبياء لها، ويبتدعون البدع المتناقضة مع السنن المعارفة، بل وصل الاجتراء بالبعض إلى أن يستخدموا علمهم وسيلة لادّعاء النبوة واختلاق الأديان.
وهذه الفئة من الناس جعلت عقلها النظري وعلمها في أسر الشهوة والغضب وصارت تتصرف بعلمها كالأسير المحكوم بالأشغال الشاقة: كم من عقل أسير تحت هوى أمير[8].
4. انفصال القوى النظرية والعملية ووحدتهما: تفترق القوى النظرية عن العملية في الأفراد الضعفاء والمتوسطين والعادين وهذا الانفكاك يؤدي الى تقسيم الناس الى أربع مجاميع:
أ. فالبعض يتمتعون بعقل نظري وعقل عملي مقتدورن ويطلق على أحدهم (العالم العادل) وهذه المجموعة تدرك الاحكام والحكم الالهية بصورة جيدة وطتبقها بقوة الايمان التي لديها.
ب. وبعض آخر يتمتع بعقل نظري قوي لكن عقله العملي ضعيف وهم الذين يقال لأحدهم: (عالم غير عادل) وهذه المجموعة تفهم المعارف والأحكام الالهية بصورة جيدة لكنها تفشل عند اختبارها.
ج. وهناك البعض ممن هم على عكس المجموعة الثانية فهم من أهل الاخلاص والأرادة والعزم لكنهم يعانون من ضعف البصيرة فهم يحتاجون الى من يأخذ بأيديهم.
د. والمجموعة الأخيرة هي من يعاني من ضعف كلا العقلين النظري والعملي أي إنهم متخلفون في الامور العلمية كما هم مبتلون بالفجور وارتكاب المعاصي وهم الذين يقال لهم: (الجاهل الفاسق).
وما ذكرناه يصور المراحل العادية والمتعارفة أما في المراحل العليا فالإنسان يصل الى مرتبة يكون فيها عقلاه النظري والعملي بعضهما الى جانب البعض.
ويصيران كالعلم والإرادة والعلم والقدرة وكلما تقدم أكثر كلما اقترب عقله النظري وعقله العملي من الوحدة فصاروا كالموجودات ما وراء الطبيعية.
[1] شرح المنظومة، ج 5، ص 167.
[2] الإشارات والتنبيهات، ج 2، ص 323
[3] راجع الحكمة المتعالية، ج 8، ص 215-217.
[4] راجع: المصدر نفسه، ص 212، تعليقة العلّامة الطباطبائي.
[6] نهج البلاغة، الحكمة 107.
[7] المصدر نفسه الحكمة 274
[8] المصدر نفسه الحكمة 211.