(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 244].
خلاصة التفسير: إن الجهاد (الابتدائي والدفاعي) من الاحكام الدينية الواجبة والجهاد المطلوب والمقبول هو الذي يكون (في سبيل الله) والذي يكون من أجل انتشار الدين واتساع مساحة حاكميته لا الذي يكون من أجل حب السلطة الدنيوية والاستيلاء على البلدان.
والمجيء بصفتي (سميع) و(عليم) في آخر الاية هو تهديد للمنافقين المخربين بأن الله يسمع كلامهم المنافق الذي يحرض على عدم الانفاق والاستهزاء بمن يقوم بذلك وتثبيط همم الناس عن الجهاد في سبيل الله فيفضح مكرهم ويجعله عديم الفائدة هذا من جانب.
ومن جانب آخر تقول هاتان الكلمتان للمقاتلين المؤمنين بأن الله يسمع دعاءكم وتوسلاتكم وأنه يستجيب لها.
وثمرة سمع الله وعلمه تظهر حينا بصورة تثبيت القلوب وإرسال ملائكة النصر والغيث المناسب وبصورة ارعاب العدو والردود العلمية والعملية على شبهات المنافقين حينا آخر.
تفسير المفردات: سميع: (السمع) هو قوة في الاذن تدرك بها الاصوات و(السمع) له استعمالات:
1. نفس الأذن وقوة السمع: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ) [البقرة: 7].
2. عملية السمع: (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) [الشعراء: 212].
3. الفهم والادراك: (حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) [التوبة: 6]، (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) [النساء: 46].
4. الطاعة والعمل بالمدركات: (قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) [الأنفال: 21]، أي قالوا فهمنا ولكنهم لا يعلمون بموجب هذا الفهم.
وحيثما أثبت الله (السمع) للمؤمنين أو سلبه عن الكافرين أو حث الجميع عليه ورغبهم فيه فالمقصود منه هو تصور المعنى والتفكر فيه والمراد من كون الله سميعا هو علمه بالمسموعات وتحريه بالمجازاة عليها[1].
تناسب الآيات: تم بيان بعض أحكام العائلة في الآيات السابقة -أي آيات الطلاق- من أجل تحكيم بناء النظام العائلي وتنظيم العلاقات السليمة بين أعضائه وفي الايات القادمة الى الاية 251 -أي آيات القتال- تم تبيين أحكام الجهاد للدفاع عن الأمة وصيانة عقيدتها ومقدساتها لأن سلامة العائلة وصلاحها[2]، يتوقفان على سلامة المجتمع وصلاحه مثلما يتشكل المجتمع الصالح من العوائل الصالحة.
والآية الشريفة التي هي مورد البحث تقع في مقدمة الايات الإحدى عشر التي تأتي في سياق القتال والجهاد وتنتهي بعبارة (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة: 254]. ويستفاد من اتصال آيات تشريع وجوب الجهاد مع آيات الترغيب بالانفاق وبيان قصة طالوت وداود وجالوت في أماكن متقاربة أن هذه المجموعة من الآيات قد نزلت في وقت واحد.
وقد تقيد (القتال) في هذه الايات كما في سائر المواضع بقيد (في سبيل الله) ولتقوية رغبة المؤمنين بالإنفاق فقد شبهت الاية توفير الاموال اللازمة للمجاهدين وتجهيز المقاتلين بإقراض الله سبحانه أما حكاية جهاد طالوت وداود لجالوت فهو من أجل اعتبار المؤمنين من نقاط ضعف وقوة بني اسرائيل وإيمانهم بانتصار جبهة الحق على الباطل[3].
وعلاقة الآية التي هي مورد البحث مع الاية السابقة خصة تكمن في أن حكاية قصة أولئك الهاربين من الموت هي مقدمة للحديث عن فريضة الجهاد وتحذير للمؤمنين كي يوقنوا بأن الحياة والموت هما بيد الله فلا يفروا من الموت كما فرت تلك المجموعة.
والدليل على هذه العلاقة وتهيئة الاجواء هو عبارة (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة: 239] المشعرة بمواجهة العدو في ساحة المعركة[4].
والخلاصة أن الحث على الجهاد بعد تهيئة الاجواء والتعبئة الثقافية عن طريق تقوية المعنويات من جهة وبيان عدم جدوى الفرار من الموت أو القتل من جهة ثانية قد أشارت اليه العديد من الايات مثل آية (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) [الأحزاب: 16] والآية السابقة التي هي بحق خبر تمهيد للورود الى الحديث عن الجهاد.
[1] مفردات ألفاظ القرآن ص425-426 س م ع
[2] راجع: التفسير المنير مج 1-2 ص411
[3] راجع: الميزان في تفسير القرآن ج2 ص283
[4] راجع: تفسير البحر المحيط ج2 ص260-261