إن كلمة (سَمِيعٌ) في الاية التي هي مورد البحث تعني السامع والمجيب كما جاءت بهذا المعنى أيضا في آية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم: 39] وكذلك في آية (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ... * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [يوسف: 33-34] التي جاء فيها أن الله قد استجاب دعاء النبي يوسف عليه السلام لأن الله يستمع الى دعاء من يتوسل به بإذن صاغية مستجيبة.
وكان من المناسب لأمر الجهاد والتضحية والإيثار أن يرادفه الحديث عن المعونة الإلهية إلا أنه يتم أحيانا تحاشي التصريح بهذه المعونة والاكتفاء بالحديث عن أنه سميع بصير كل نجوى ونداء وطلب ومنن وأنه يستجيب لها في نفس الوقت الذي يسمع كل ما يقوله المنافقون ويرى جميع ما يحوكونه من مؤامرات عدوانية فيفضح كيدهم ومكرهم ويجعله هباءا منثورا.
إن المقصود من وصف الله بصفتي (سَمِيعٌ) و(عَلِيمٌ) في هذه الاية هو سمعه وعلمه بما يتعلق بالأمور الجهادية وذلك لمناسبة الوقوع في سياق آيات تشريع وجوب الجهاد.
وتوضيح ذلك أن كل جماعة من الناس تتكلم مع معبودها في زمن الحرب والله يعلم بجميع هذا الكلام كما أنه سبحانه يسمع الكلام النفاقي الذي يمنع الناس من الانفاق في سبيل الله ويستهزئ بمبدأ الانفاق: (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) [آل عمران: 181] كما يسمع جيدا قول أولئك الذين يقولون للناس لا تذهبوا الى جبهات القتال كي لا تقتلوا: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) [آل عمران: 168].
وجواب الله هو: 1. إن هؤلاء يتوهمون أننا لا نسمع إلا كلامهم العلني في المحافل العامة وأننا لا نعرف ما يسرونه في اجتماعاتهم الخاصة في حين أننا لسنا فقط نسمع.
نجواهم بل إن مخبرينا يسجلون ذلك عليهم: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: 80].
2. إن هؤلاء لو كانوا صادقين في قولهم فليبعدوا الموت عن أنفسهم: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران: 168].
3. ان المقاتلين الذي يشتركون في ميادين الصراع ويقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتا: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169].
وعلى هذا الاساس فجملة (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 244] هي تحذير للمناقين الذين يعترضون على الجهاد في سبيل الله بألسنتهم مثلما هي تخويف للمنافقين الذين يبتجحون في العلن بالحديث عن الجهاد لكنهم بسبب نفاقهم المبطن يتجنبون الحضور في الميدان عند اشتعال الحرب.
تنبيه: إن الثمرة في كون الله سميعا عليما تتمثل أحيانا في هيئة تثبيت القلوب وانزال ملائكة النصر وإرسال السماء بالغيث المعتدل وأمثال ذلك كما تتجسد أحيانا اخرى بارعاب العدو والرد العلمي أو العملي على شبهات المنافقين وما جاء في الفقرتين 2 و3 هو من هذا القبيل.