1. استقراض الله: عن ابن مسعود قال: لما نزلت (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) [البقرة: 245] قال أبو الدحداح الأنصاري يارسول الله وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح! قال: أرني يدك يارسول الله فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل[1].
تنويه: يكون التعبير عن اختلاف الافراد أحيانا بصورة الناس معادن كمعادن الذهب والفضة وأحيانا يكون بيان ذلك بصورة (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) [الرعد: 17] ومرة يكون بعنوان (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) [هود: 105] وقد أثارت مسألة الاستقراض والحديث عنها في كلام الله سبحانه المنزل ردود فعل مختلفة فقال بعض قصيري لنظر من اليهود (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) [آل عمران: 181] وابتلي البعض بالقبض فأمسكوا شحا وبخلا كما بادر قسم ثالث الى الاقراض والامتثال للأمر الالهي بسخاء وكان أبو الدحداح من القسم الثالث طوبى له وحسن مآب.
2. الثواب الإلهي غير المحدود: عن أبي أيوب الخزاز، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما أنزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله): (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا...) [القصص: 84]، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم زدني فأنزل الله عزّ وجلّ عليه: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) [البقرة: 245] فعَلِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكثير من الله لا يحصى وليس له منتهى[2].
تنويه: رغم أن اللطف الإلهي سابق على الاستحقاق وليس مسبوقاً به، إلا أن وفرة الفيض وكثرته تتوقف أحياناً على درجة الإيمان والإخلاص. وربما لا يمكن الحديث عن الكثرة اللامحدودة في قبال كلّ إنفاق أو إقراض، مثلما لم يكن نزول آيات من سورة «هل أتى» وسورة «المائدة» لمجرد أصل التبرع بالطعام أو الخاتم فقط؛ بل كان للإخلاص التام وشهود التوحيد المحض دوراً حاسماً في ذلك النزول.
3. هدف الاستقراض: عن أمير المؤمنين عليه السلام: وأنفقوا أموالكم، وخذوا من أجسادكم فجودوا بها على أنفسكم، ولا تبخلوا بها عنها... وقال تعالى: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) [الحديد: 11]... ولم يستقر ضكم من قل... واستقر ضكم وله (خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [المنافقون: 7] وهـو الغنـي الحميد؛ وإنما أراد أن يبلوكم أيكم أحسن عملاً فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران الله في داره[3].
تنويه: عند تفسيره لإقراض الله يقول أمير المؤمنين عليه السلام بأن عليكم أن تنفقوا من أموالكم في سبيل الله، فاقتطعوا مـن أبدانـكـم وجـودوا به عـلـى أرواحكم. واحذروا أن تسقطوا في فخ النعيم والراحة والإفراط في الأكل وكثرة النوم، ولا تبخلوا على أنفسكم؛ لأنّ الله يقول: مَن ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً. فما تحمله الآية الشريفة من نداء من قبل الله هو: «هل من مقرض؟».
إملأ خواءَ الرُّوح وانفق من رواء البدن***واسق ذي من ذا تكُن ذا فَنَنِ
أقْرِض الله ولا تبخل بمال أو جَسَد***كَي يُجازيك بِقَلـب عامر دون نكد
واقمع الأبدان وامنع ما تمنت واشتهت***يَتَجَلَّى لَكَ إِذْ ذَاكَ وَجهُ لَا عين رَأَت[4]
ثم يتحدّث الإمام عن الهدف من استقراض الله فيقول: إن استقراض الله ليس بسبب فقره، فهو الذي بيده خزائن السماوات والأرض وهو الغني المطلق؛ بل هدفه من الاستقراض هو امتحان العباد ليستبين من منهم الأحسن في العمل الصالح فبادروا للنجاح في هذا الامتحان كي تكونوا من جيران الله في داره.
والكلام بهذا الأسلوب الحكيم المليء بمضامين آيات القـرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر إلا ممن يستطيع أن يستنطق القرآن، وإلا فقابلية الغير تتوقف عند فهم ظواهر القرآن.
وهناك ما يشبه هذا التعبير المليء بالموعظة عن القرض الحسن إلى الله، ورد في قسم آخر من كلام الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حيث قال: فقدموا بعضاً يكن لكم قرضا ولا تخلفوا كُلا فيكون فرضاً عليكم[5]، أي أنفقوا مقدارا مـن أموالكم في سبيل الله وابعثوه أمامكم كي تكونوا قد أقرضتم الله قرضاً يبقى لكم عنده أما إذا لم تفعلوا ذلك أصلاً، فستبقى ذمّتكم مشغولة بإحدى الفرائض التي تركتموها.
4. علاقة الأعمال الصالحة بالولاية: سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل: (ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [البقرة: 245]؟ قال: نزلت في صلة الإمام[6].
عن الخيبري ويونس بن ظبيان قالا سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من شيء أحب إلى الله من إخراج الدراهم إلى الإمام، وإن الله ليجعل له الدرهم في الجنة مثل جبل أحد. ثمّ قال: إنّ الله يقول في كتابه: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) [البقرة: 245] قال: هو والله في صلة الإمام خاصة عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام قال:...: قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل والأحكام والحدود وغير ذلك؟ فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحدا ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما وما يتقربان به إلى الله عزّ وجلّ. قلت:... قال: أليس قد قال الله عز وجل: (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) [البقرة: 245] فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عز وجل لهم حسناتهم لكل حسنة سبعون ضعفاً؛ فهذا فضل المؤمن. ويزيده الله في حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافاً كثيرة. ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير[7].
تنويه: إن الشرط في أن يصير الجهاد والإنفاق ثمينين بحيث يكون جزاء إنفاق درهم واحد مثل جبل أحد، هو أن يكون ذلك الجهاد والإنفاق في سبيل إعلاء كلمة التوحيد. وهذا الهدف لا يتحقق إلا عندما تكون الولاية وقيادة المجتمع بيد الرسول (صلى الله عليه وآله) وأوصيائه المعصومين عليهم السلام لذا نرى أن الإمام الصادق عليه السلام يقسم بأن الدرهم الذي يكون فيه كل هذا الثواب هو ذلك الدرهم الذي يعطى إلى الإمام المعصوم عليه السلام خاصة.
ومن هذا المنطلق أيضاً نرى الإمام الباقر عليه السلام يصرح في الحديث الأخير بأن الجزاء الوافر على الأعمال الصالحة هو للمؤمنين خاصة لا لعموم المسلمين، رغم اشتراك المؤمنين والمسلمين في الكثير من الأحكام والحدود. وهكذا يجب البحث. عن منشأ تفاوت الجوائز في تفاوت درجات الإيمان والإنفاق.
5. السر في أفضلية القرض على الصدقة: عن النبي (صلى الله عليه وآله): دخلت الجنّة فرأيت على بابها: الصدقة بعشرة، والقرض بثمانية عشر؛ فقلت: يا جبرئيل، كيف صارت الصدقة بعشرة، والقرض بثمانية عشر؟ قال: لأنّ الصدقة تقع في يد الغني والفقير، والقرض لا يقع إلا في يد من يحتاج إليه[8].
تنويه: يضاف إلى ما ورد في هذا الحديث، أنّ الإقراض يساهم في رفع البطالة والتطفل على موائد الآخرين أيضاً، ولا شيء أسوأ من التطفل واليد السفلى والسائلة وفي هذا المعنى يقول الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله): اليد العليا خير من اليد السفلى[9].
إن يد الانسان الذليل ممدودة دائما بالسؤال وقد منعنا الأئمة المعصومين عليهم السلام من هذا العمل كما علمونا في أدعيتهم أن نسأل الله أن يرزقنا منه مباشرة وأن يقلل الوسائط في أرزاقنا بل إن أمير المؤمنين الامام عليا عليه السلام يقول: اللهم صن وجهي باليسار ولا تبذل جاهي بالاقتار![10].
[1] راجع مجمع البيان ج1-2 ص608 الدر المنثور ج1 ص746
[2] معاني الأخبار، ص 397-398؛ مجمع البیان، ج 1-2، ص 608؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 243.
[3] نهج البلاغة، الخطبة 183.
[4] تعريب للأبيات 145-147 من مثنوي معنوي بالفارسية، ص 709.
[5] نهج البلاغة الخطبة 203.
[6] من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص72
[8] نهج الفصاحة، ج 2، ص 770-771
[10] نهج البلاغة الخطبة 225