لا ريب أن حُسن التدبير في المعيشَة يعتبر عمل استراتيجي مطلوب ليصدق على حياتنا التي نحياها أنها حياة طيبة، والاستراتيجية بمعناها الشامل تعني: ((البرامج العامة التي يجب اتّباعها، لتسخير شتى الموارد، من أجل تحقيق أهداف معينة ترتبط بتدبير شؤون الحياة على مستوى الأفراد والأسرة والمجتمع.
والاستراتيجية في المعيشة، تعني اتباع برامج محددة، لاستثمار المصادر المُتاحة خير استثمار، بغية التمكن من تحقيق الأهداف المعيشية البعيدة الأمد والقريبة الأمد بشكل أمثل.
أما استراتيجيات تدبير المعيشة، فهي عبارة عن البرامج التي من خلالها تتحقق الطمأنينة، والضمان الاقتصادي، وزوال مشاكل المعيشة، وهذا لا يحصل إلا في ظل إدارة رصينة ونشير في ما يلي إلى أهم هذه الاستراتيجيات:
ــ التخطيط لشؤون العائلة
يُعد التخطيط لمختلف شؤون الحياة الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، من أهم استراتيجيات التدبير، وبالنسبة للعائلة، فالتخطيط من شأنه أن يكرس منهج حُسن التدبير في المعيشة، وبالتالي يرسخ الدعائم الاقتصادية للعائلة، ويكون عاملاً مساعدًا على تحقق الحسابات الصحيحة في الدخل والإنفاق، وداعيا لتنظيم أمور العائلة، ونجاح أفرادها في مساعيهم.
إذا لم يحدد الإنسان مسلكه الصحيح، ولم يضع خطةً مناسبةً، فإنه لن يصل إلى هدفه أبدًا. وبعبارة أخرى: عند انعدام التخطيط، أو عند اتباع خطةٍ غير صحيحة، فإن الإنسان سوف يبتعد عن هدفه وربما لا يتمكن من بلوغه أبدًا. وفي بعض الأحيان يكون هذا الأمر سببا للفقر والتخلف، كما قال الإمام علي (عليه السلام): ((سُوءُ التَّدبِيرِ مِفتاحُ الفَقرِ))(1).
فالعائلة أو المؤسسة التي تفقد حُسن التَّدبير والتخطيط الصحيح في برامجها المعيشية، لا شك أنها سوف تُحرَم من الخير الكثير. وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لا خَيْرَ فِي دُنيا لا تدبير فيها))(2).
ومن المؤكد، أن التخطيط الصحيح وحُسن التدبير، يعدّان وسيلة لكسب المال، والتمكن من ادخاره، ولكن سوء التدبير والتخطيط الخاطئ يحولان دون ذلك، بل قد يؤديان إلى اهدار ما في اليد من مال، وتكون عاقبة الأمر كما قال الصادق (عليه السلام): ((لا مالَ لِمَن لا تَقدِيرَ لَهُ))(3).
أقسام التخطيط
يمكن تعريف التخطيط في العائلة، كما يلي: هو هدايةٌ عقلانيةٌ وآليّةٌ لاتخاذ القرار في مختلف شؤون الحياة، على المَدَيَين القريب والبعيد، بغية استثمار الأموال، والإمكانيات المتاحة بشكل مناسب، لتوفير متطلبات العائلة، لذا يمكن تقسيم التخطيط في ثلاثة محاور:
1. التخطيط القصير المدى: هو توجيه الأسرة نحو فعاليات معينة وتنفيذها، وعادةً ما تكون نتائجه منطقية خلال مرحلة التطبيق في فترة قصيرة، كما يُطلق عليه اصطلاحا البرنامج التنفيذي، وزمان تنفيذ الخطط وأداء النشاطات في هذا البرنامج، لا يتجاوز سنةً واحدةً.
2. التخطيط متوسط المدى: هو توجيه الأسرة نحو فعاليات مخططٍ لها مُسبقا، وعادةً ما تكون مستوحاة من البرامج بعيدة المدى، وبالنسبة لزمان تنفيذ الخطط في هذا البرنامج يكون خلال سنة أو سنتين.
3. التخطيط بعيد المدى وهو عبارة عن توجيه الأسرة نحو فعاليات تتضمن أهدافًا بعيدة الأمد، ويطلق عليه - أيضا - اصطلاح البرنامج الاستراتيجي وزمان تنفيذ الخطط فيه يتراوح بین خمس وعشر سنوات.
وهناك أمورٌ لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند التخطيط للمعيشة، إذ لها تأثيرٌ كبيرٌ على نجاحه، ونذكر منها ما يلي:
- تحديد الأهداف المرجوة من وراء البرنامج الذي تم وضعه بشكل واضح وشامل.
- استشارة أفراد الأسرة، وكل من له صلة بهذا البرنامج بشكل مباشر أو غير مباشر، وكذلك استشارة ذوي الخبرة في هذا الصدد.
ـ تشخيص القضايا الهامة، ومعرفة الأولويات اللازمة في شتى المجالات.
ـ تحديد البرنامج حسب الإمكانيات المتاحة، والقيام بدراسة واقعية للمصادر الاقتصادية.
ـ جمع الحقائق والمعلومات عن آراء الآخرين وتجاربهم، التي لها صلة بالبرنامج الذي تم وضعه.
ـ الأخذ بعين الاعتبار الظروف الزمانية والاجتماعية، ودراسة ما قد يطرأ مستقبلاً.
- الاعتماد على النتائج الجديدة التي تم الحصول عليها، إثر التطورات الحديثة، وتجارب الآخرين، بغية الرقي بمستوى الخطة الموضوعة، من خلال تشخيص الأخطاء، ومعرفة الطرق الصحيحة لمواجهتها.
_________________________
(1) الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص284.
(2) المجلسي، بحار الأنوار، ج 67، ص 307.
(3) الكليني، الكافي، ج 5، ص 317.