1. استدلال الإمام علي عليه السلام على حقانيته بقصة طالوت: من كلام لأمير المؤمنين عليه السلام: اسمعوا ما أتلوا عليكم كتاب الله المنزل على نبيه المرسل لتتعظوا فإنه والله أبلغ عظمة لكم فانتفعوا بمواعظ الله وازدجروا عن معاصي الله فقد وعظكم الله بغيركم فقال لنبيه (صلى الله عليه وآله): (أَلَمْ تَرَ... وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ... وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
أيها الناس إن لكم في هذه الآيات عبرة لتعلموا أن الله جعل الخلافة والإمرة من بعد الانبياء في أعقابهم وإنه فضل طالوت وقدمه على الجماعة باصطفائه إياه وزيادة بسطة في العلم والجسم فهل تجدون الله اصطفى بني أمية على بني هاشم وزاد معاوية علي بسطة في العلم والجسم[1].
2. الأعلمية احدى شروط الإمامة: عن الرضا عليه السلام في وصف الإمامة والإمام إن الانبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق كل علم أهل زمانهم في قوله عز وجل: (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [يونس: 35] وقوله عز وجل في طالوت: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247][2].
تنويه: أ. إن القدرة على هداية الاخرين نحو الحق لا تتوفر إلا للمهتدي بالذات أي الله سبحانه وتعالى.
ب. لا يتمكن غير الله من هداية الاخرين إلا بعد أن يهديه المهتدي بالذات (الله).
ج. إن الاشخاص المعصومين عليهم السلام الذين لم يتعلموا في مدرسة ولا حاجة لهم لدى أحد سوى الله هم الذين يليق بهم هداية الاخرين دون غيرهم من الافراد المختارين في عالم الامكان هذا.
د. لا يصلح أحد من الناس من غير المعصومين لهداية غيره حتى يكون قد نال الهداية على يد أحد المعصومين.
هـ. لا يمكن لمن يحتاج الى هداية الاستاذ أن يكون مكافئا للمستغني عنه أبدا أي يستحيل لغير المعصوم أن يمتلك كفاءة هداية المجتمع كما يمتلكها المعصوم.
3. سر ابتلاء بني اسرائيل بحكومة جالوت: عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام إن بني إسرائيل -بعد موسى عليه السلام- عملوا المعاصي وغيروا دين الله وعتوا عن أمر ربهم وكان فيهم نبي يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه[3].
روي أنه إرميا النبي، فسلط الله عليهم جالوت وهو من القبط؛ فأذلهم وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارهم وأموالهم، واستعبد نساءهم. ففزعوا إلى نبيهم وقالوا: سَل الله أن يبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت، والملك والسلطان في بيت آخر، لم يجمع الله لهم النبوة والملك في بيت واحد، فمن ذلك قالوا: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 246] فقال لهم نبيهم: (هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) [البقرة: 246] وكان كما قال الله تبارك وتعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [البقرة: 246].
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) [البقرة: 247] فغضبوا من ذلك وقالوا: (أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) [البقرة: 247]. وكانت النبوّة في ولد لاوي والملك في ولد يوسف، وكان طالوت من ولد ابن يامين أخي يوسف لأمه، لم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة.
فقال لهم نبيهم: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247] وكان أعظمهم جسماً، وكان شجاعاً قوياً، وكان أعلمهم، إلا أنه كان فقيراً، فعابوه بالفقر، فقالوا: (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) [البقرة: 247][4].
تنويه: أ. من السنن الإلهية الماضية أن الأمم إذا ابتعدت عن الدين واختارت العصيان بدلاً من الطاعة والعبودية، يبتليها الباري سبحانه بالمحن العامة كظلم الحكام والسلاطين.
ومن أمثلة ذلك قوم بني إسرائيل الذين عصوا الله وأبوا أن يطيعوا نبيه بعد موت نبيهم موسى عليه السلام فابتلاهم ربهم بحكم جالوت المستبد. وتشير الآيتان (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) [الإسراء: 8] و(وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ) [الأنفال: 19] الى هذا المبدأ العام وسنة الله الجارية في عباده مع عدم اغفال ما تقرره الاية (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد: 11].
ب. إن التنبؤ بالخيانة وعدم القتال والخوف من العدو الشديد وأمثال ذلك لم يأت من فراغ بل هو النتيجة الطبيعية للسلوك القديم والموروث لدى بني إسرائيل حيث قالوا لنبيهم موسى الكليم: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة: 24].
[1] الاحتجاج ج1 ص407-408 تفسير نور الثقلين ج1 ص244-245
[2] عيون أخبار الرضا عليه السلام ج1 ص199 تفسير نور الثقلين ج1 ص245
[3] تفسير القمي ج1 ص81 تفسير نور الثقلين ج1 ص245
[4] راجع: تفسير القمي، ج 1، ص 81؛ تفسير نور الثقلين، ص 245-246