Logo

بمختلف الألوان
في وطنٍ تئنُّ روحه من ثِقل الأيام، وتتوقُّ أجياله إلى فجرٍ يمحو ظلام اليأس، انبعث نورٌ من قلب مدينة مقدسة، نورٌ يملأ الوطن ضياءً، وأيدٍ أمينة تعانق آماله واحلامه. سطع نور العتبة العباسية المقدسة، التي لطالما كانت مَوئِلاً للعلم والمعرفة، لتتجاوز دورها الديني وتصبح حاضنة حقيقية للطاقات الشابة،... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الحرية: حين يتحوّل الحق إلى وعي، ويصبح الموقف ثمنًا

منذ ساعتين
في 2026/01/19م
عدد المشاهدات :25
الحرية: حين يتحوّل الحق إلى وعي، ويصبح الموقف ثمنًا
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
15/1/2026
ليست الحرية شعارًا يُرفع في الساحات، ولا كلمة تُستعمل لتزيين الخطب، بل هي أخطر ما يملكه الإنسان، وأكثر ما يُساء استخدامه في الوقت ذاته. فالحرية، في معناها العميق، ليست القدرة على فعل ما نشاء، بل القدرة على أن نعرف ما ينبغي فعله، وأن نتحمّل كلفة هذا الاختيار. ولهذا، لم تكن الحرية يومًا هبة مجانية، بل كانت ثمرة وعي، ونتيجة صراع، واختبارًا أخلاقيًا لا ينجح فيه الجميع.
فالإنسان لا يولد حرًا بالمعنى الكامل، بل يولد قابلًا للحرية. وما بين القابلية والتحقّق، مسافة طويلة من التربية، والوعي، والمواجهة. كثيرون يطالبون بالحرية ما دامت تخدم رغباتهم، لكنهم يتراجعون عنها حين تفرض عليهم مسؤولية، أو تحرمهم من امتياز غير عادل. ولهذا، فإن الحرية ليست مطلبًا سهلًا، بل عبء ثقيل لا يحتمله إلا من أدرك أن الكرامة لا تُجزّأ.
وفي بعدها الإنساني، ترتبط الحرية ارتباطًا وثيقًا بالوعي. فالعقل غير الحر قد يفكّر، لكنه لا يختار، والإنسان غير الواعي قد يتحرّك، لكنه لا يقرّر. ولهذا، فإن أخطر أشكال العبودية ليست تلك التي تُفرض بالسلاسل، بل تلك التي تُزرع في العقول، حين يُقنَع الإنسان بأن ما يعيشه قدر لا يُناقش، أو واقع لا يُغيَّر. هنا، تصبح الحرية فكرة مؤجَّلة، لا لأن الطريق إليها مسدود، بل لأن الوعي لم يكتمل بعد.
وفي الرؤية القرآنية، لا تُطرح الحرية بوصفها تمرّدًا على النظام، بل تحرّرًا من العبوديات الزائفة. فالقرآن لا يدعو الإنسان إلى الانفلات، بل إلى الانعتاق: الانعتاق من الخوف، ومن الطغيان، ومن الخضوع لغير الحق. ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ليست دعوة روحية مجرّدة، بل تأسيس لتحرّر داخلي يسبق أي تحرّر خارجي. فحين يتحرّر الإنسان من الخوف، يصبح قادرًا على قول «لا» في وجه الظلم، وقادرًا على تحمّل تبعاتها.
ولهذا، يرفض القرآن الإكراه بوصفه نقيضًا للحرية الأخلاقية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، لا لأن الإيمان خيار شخصي فحسب، بل لأن القناعة لا تُصنع بالقوة، والحق لا يحتاج إلى قمع ليبقى. فالحرية هنا ليست نقيض الإيمان، بل شرط صدقه؛ لأن الإنسان المقهور قد يطيع، لكنه لا يختار، وقد يخضع، لكنه لا يؤمن.
وفي مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، تأخذ الحرية بعدًا سياسيًا وأخلاقيًا بالغ الوضوح. فقد اختصر فلسفة التحرّر في جملة واحدة: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا». هذه العبارة ليست وعظًا فرديًا، بل إعلانًا مبكرًا ضد الاستبداد، وضد تحويل الإنسان إلى أداة في يد السلطة أو الجماعة أو المصلحة. فالحرية عند الإمام ليست فوضى، بل كرامة، وليست خروجًا على النظام، بل خروجًا على الظلم.
ولهذا، كان يرى أن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر وحده، بل اعتياد الذل. فالإنسان الذي يتنازل عن حريته خوفًا، سرعان ما يتنازل عن عدله، ثم عن كرامته، حتى يصبح الظلم جزءًا من حياته اليومية. ومن هنا، نفهم لماذا ربط الإمام بين الحرية والعدل؛ لأن حرية بلا عدالة تتحوّل إلى امتياز للأقوى، وعدالة بلا حرية تتحوّل إلى قيد جديد.
ومع الأئمة الأطهار عليهم السلام، تبلغ الحرية ذروتها حين تتحوّل إلى موقف وجودي. ففي تجربة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، لم تكن الحرية مطلبًا سياسيًا محدودًا، بل رفضًا جذريًا لتحويل الإنسان إلى تابع بلا إرادة. كان يعلم أن كلفة الحرية هي الدم، لكنه كان يعلم أيضًا أن كلفة الصمت أكبر. فاختار أن يدفع الثمن، لا لأن الألم مرغوب، بل لأن العبودية أشد إيلامًا. ولهذا، لم تكن كربلاء معركة على الحكم، بل معركة على معنى الحرية نفسها.
وعلى المستوى السياسي المعاصر، تتحوّل الحرية إلى أكثر المفاهيم تعرّضًا للتشويه. فثمة أنظمة ترفع شعار الحرية بينما تُفرغها من مضمونها، تسمح بالكلام وتمنع الفعل، وتفتح هامش النقد وتغلق أبواب التغيير. وهناك قوى دولية تتحدث عن حرية الشعوب، لكنها لا تراها إلا حين تخدم مصالحها. وهكذا، تُختزل الحرية في إجراءات شكلية، بينما تُصادَر في جوهرها.
وفي هذا السياق، تبرز إحدى أكثر مفارقات الحرية المعاصرة التباسًا في ما نشهده اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يجد الفرد نفسه أمام لوحة المفاتيح أو عدسة الهاتف، فيتوهم أنه يمارس حرية مطلقة، يقول ما يشاء، ويصوّر ما يشاء، ويعلّق بلا قيد، غير مدرك أن هذه المساحة التي تبدو بلا حدود ليست دائمًا تعبيرًا عن وعي حر، بل قد تكون شكلًا جديدًا من أشكال التوجيه الخفي، حيث تُستدرج العاطفة، ويُستثمر الغضب، وتُضخّم التفاهة، ويُقاس الحضور بعدد التفاعلات لا بعمق الفكرة. وهنا، لا تغيب الحرية، لكنها تُفرغ من مضمونها، فتتحوّل من موقف مسؤول إلى اندفاع لحظي، ومن حق في التعبير إلى وهم سيطرة داخل فضاء تتحكم به الخوارزميات أكثر مما يحكمه الوعي. وهذا الخلط بين الحرية والانفلات لا يقتصر على الفضاء الرقمي، بل يتغذّى من نموذج ثقافي أوسع، نراه بوضوح في كثير من المجتمعات الغربية، حيث جرى تسويق الحرية بوصفها قطيعة مع كل قيد، حتى القيم التي تحفظ تماسك المجتمع نفسه. وتحت هذا الشعار، لم تعد الحرية أداة لتحرير الإنسان من الظلم، بل ذريعة لتآكل دور الأسرة، وتراجع التربية، وتطبيع أنماط سلوكية مدمّرة، من انتشار تعاطي المخدرات، إلى تفكيك الهوية الأسرية، إلى إعادة تعريف الانحراف بوصفه حقًا، وكل ذلك باسم الاختيار الفردي. غير أن الإشكال هنا لا يكمن في الحرية ذاتها، بل في فصلها عن المسؤولية، وتحويلها من قيمة إنسانية إلى أداة تفكيك ناعم للمجتمع. وفي مقابل هذا المسار، تطرح الرؤية الإسلامية نموذجًا مختلفًا للحرية، لا ينفي الاختيار ولا يصادر الإرادة، لكنه يربطهما بالكرامة والوعي والعدل. فالحرية في هذا التصور ليست خروجًا من كل قيد، بل تحرّرًا من القيد الذي يُذلّ الإنسان أو يفرغه من قيمته، وليست حقًا فرديًا معزولًا، بل أمانة أخلاقية تُمارَس ضمن وعي بأن الفعل لا ينتهي عند صاحبه، بل تمتد آثاره إلى غيره وإلى المجتمع كله. ولهذا، لا تُبنى الحرية هنا على الصدام مع القيم، بل على انسجامها معها، ولا تُقدَّم بوصفها هدمًا للأسرة أو التربية، بل شرطًا لقيامهما على أساس الوعي لا القسر، فتغدو الحرية قوة بناء لا أداة تفكيك، ومسار نضج لا ذريعة انفلات، وحقًا لا يكتمل إلا حين يتحوّل من شعار إلى موقف مسؤول.
وفي تجارب الشعوب المقهورة، كما في فلسطين وغزة، تتجلى الحرية بوصفها حقًا وجوديًا لا تفاوض عليه؛ فالحرية هنا ليست ترفًا فكريًا، بل مسألة حياة أو موت، وهوية أو محو. وكذلك في العراق، حيث كشفت سنوات الاحتلال وما تلاها أن الحرية لا تتحقّق بإسقاط نظام فحسب، بل ببناء وعي سياسي يمنع استبدال الطغيان بطغيان آخر، والوصاية بوصاية جديدة. فالحرية التي لا يحرسها وعي تتحوّل إلى فراغ تملؤه القوى الأقوى تنظيمًا، لا الأكثر عدلًا.
وعلى المستوى الفردي، لا تقل معركة الحرية قسوة. فالإنسان قد يعيش في دولة ترفع شعار الحرية، لكنه يظل أسير خوفه، أو مصلحته، أو صورته الاجتماعية. وقد يُقيّد نفسه بقيود لا يفرضها عليه أحد. ولهذا، فإن الحرية تبدأ من الداخل، من قدرة الإنسان على أن يكون صادقًا مع نفسه، وأن يتحمّل نتائج اختياراته، وألا يبيع قناعاته مقابل أمان مؤقّت.
ولعل أخطر ما يواجه الحرية اليوم هو الخلط بينها وبين الانفلات. فالحرية ليست غياب الضوابط، بل حضور المسؤولية. وليست إسقاط القيم، بل اختبارها في الواقع. فالمجتمع الحر ليس ذاك الذي يفعل أفراده ما يشاؤون، بل ذاك الذي يعرف فيه كل فرد حدوده، وحقوقه، وواجباته، دون خوف أو قسر.
وفي الختام، لا تُقاس الحرية بما يُقال عنها، بل بما يُدفع ثمنًا لها. فهي لا تُمنح بمرسوم، ولا تُحفظ بالشعارات، بل تُبنى بالوعي، وتُصان بالموقف، وتُستعاد كلما حاول الاستبداد أن يعيد الإنسان إلى القفص. وحين يدرك الإنسان أن الحرية ليست حقًا فقط، بل مسؤولية أخلاقية، تتحوّل من مطلب سياسي إلى قيمة إنسانية، ومن شعار عابر إلى وعي دائم، ومن حلم مؤجّل إلى فعل ممكن، مهما طال الطريق.
كلا لظاهرة التحرش الجماعي للنساء
بقلم الكاتب : حسن الهاشمي
كلا لظاهرة التحرش الجماعي للنساء حسن الهاشمي من المعلوم ان المجتمع يتكون من الأفراد والأسر والجماعات والقبائل، فاذا صلح الفرد صلح المجتمع والعكس صحيح تماما، وأهم عنصر في صلاح الفرد والأسر، المرأة الصالحة فإنها بأخلاقها وتديّنها وصبرها وتجلّدها تضمن للأسرة بأكملها العيش الكريم ضمن أطر القيم... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

جاء في موقع اللغة العربية صاحبة الجلالة عن حرف الفاء للكاتب محمد يحيى كعدان: وذهب... المزيد
رؤية نقدية في رواية (عذابٌ أشهى من العسل) للروائية أم كلثوم السبلاني بقلم | مجاهد... المزيد
جاء في منتدى انما المؤمنون أخوة عن ظاهرة التكرار في القرآن الكريم للكاتب أحمد... المزيد
نداء الفرج في مرافئ الرحيل م. طارق صاحب الغانمي يا سيدة الرزايا ومجمع الشجون.. إن... المزيد
يا أميرا أنت أمين * رب الأرض والسماء يا أميرا نفسك نفس * ابن عمك أبو الزهراء يا... المزيد
كان هناك رجل يُدعى سامر، يعمل موظفًا في دائرة الأراضي. كان سامر معروفًا بنزاهته... المزيد
لغة العرب لسان * أبنائك تميز بالضاد لغة العرب نشيدك غنى * حتى البلبل الغراد لغة العرب تصدح كل...
في زاوية خافتة من بيت بسيط، جلس يوسف يحدق في شجرة الليمون التي غرستها يداه قبل سنوات. كانت...
يا هادي الخير لقبت أنت * وأبنك بالعسكرين النجباء يا هادي الخير نشأت على * مائدة قرآن رب...
الْتَّضَارِيْسُ إِنَّ الْـعُـيُوْنَ الَّـتِـيْ سَـالَـتْ تُـوَدِّعُـكُمْ جُـزْءٌ مِ...


منذ يومين
2026/01/17
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء التسعون: مخروط الضوء وحدود السببية في زمكان...
منذ 4 ايام
2026/01/15
أصبح هذا السؤال حاضراً بقوة مع الانتشار الكبير للمكملات الغذائية وترويجها على...
منذ 1 اسبوع
2026/01/11
تُعد من أهم النظم الطبيعية التي تتحكم في توازن الطاقة على سطح الأرض، إذ تمثل...