وفي هذا اليوم من ٢٠ شوال ١٤٤٧ مر علينا أربعون يومًا على استشهاد القائد الأعلى الإمام علي الخامنئي(قدس الله سره) فإنها تتحول إلى وقفة تأمل في مسيرة قيادةٍ جسّدت معاني الهداية الربانية، وربطت الأرض بالسماء، وجعلت من المسؤولية أمانةً إلهية لا موقعًا دنيويًا. إن الحديث عن أربعينية القائد الأعلى هو حديث عن الامتداد الحقيقي لخط الأنبياء والأوصياء، وذلك الخط الذي أكد القرآن الكريم أنه قائم على الهداية والاصطفاء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24)، فالقيادة هنا ليست مجرد منصب، بل هي تجلٍ للصبر واليقين، وهما ركنان أساسيان في شخصية كل قائد إلهي أو من يسير على نهجه.
إن القائد الذي يُستحضر في أربعينيته ليس إنسانًا عابرًا، بل هو مشروع إصلاحي متكامل، يحمل في داخله همّ الأمة، ويسعى لإحيائها وفق منهج الله، وهذا ما تؤكده سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «وَإِنَّمَا الأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ، لا يَدْخُلُ الْـجَنَّةَ إلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ »، وهذا النص يضع القائد في موقع المسؤولية الإلهية، لا في موقع السلطة المجردة، فالقائد الحقيقي هو من يكون عين الله الساهرة على عباده، يسوسهم بالعدل، ويقودهم نحو الحق.
وفي الأربعينية تتجدد حالة الارتباط الوجداني بالقائد، كما تتجدد في وجدان الأمة إلى يومنا هذا ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) بعد أربعين يومًا من شهادته، حيث أصبحت أربعينية أبي الأحرار مدرسةً بحد ذاتها، تُعلّم الناس معنى الثبات على المبدأ، وعدم الانحراف مهما اشتدت التحديات، وقد ورد عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): «عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ الْإِحْدَى وَالْخَمْسِينَ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ...» (رواه الشيخ المفيد في مزاره: 61،وابن قولويه في الكامل325 )، فالأربعينية ليست طقسًا شكليًا، بل هي علامة من علامات الإيمان، لأنها تعكس عمق الارتباط بالقيادة الإلهية.
واليوم فإن استذكار القائد الأعلى السيد علي الخامنئي في أربعينيته ينبغي أن يكون استذكارًا واعيًا، لا يقتصر على الحزن، بل يتجاوز إلى استلهام الدروس، وتحويل القيم التي جسدها إلى واقع عملي في حياة الأمة، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا بالاقتداء بالصالحين، ويؤكد أن السير في طريقهم هو طريق النجاة، قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: 90)، فالقائد الذي سار على هدى الله يصبح نموذجًا يُقتدى به، لا ذكرى تُروى فحسب. وفي روايات أهل البيت عليهم السلام تأكيد واضح على أهمية القيادة الواعية في زمن الفتن، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «العَالِمُ بِزَمَانِهِ لا تَهْجُمُ عَلَيْهِ اللَّوَابِسُ» (الكافي، الشيخ الكليني، ج ١، ص ٢٣ )، وهذا يبيّن أن القائد الحقيقي هو من يمتلك بصيرة الزمان، ويشخص التحديات بدقة، ويقود الأمة بعيدًا عن الانحراف، وهذا ما يجعل فقده خسارة عظيمة، لكن استذكار مسيرته في الأربعينية يعوّض ذلك من خلال إعادة إحياء منهجه في النفوس.
إن أربعينية القائد الأعلى تمثل امتحانًا للأمة، هل تكتفي بالبكاء عليه، أم تتحول إلى امتداد حي لمشروعه؟ وهل تكون هذه الذكرى مناسبة للعاطفة فقط، أم منطلقًا لإصلاح الذات والمجتمع؟ إن القرآن الكريم يربط بين الذكرى والعمل، فلا قيمة لذكرى لا تُثمر تغييرًا، قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: 9)، والنفع الحقيقي للذكرى هو أن تتحول إلى وعي وسلوك. وعليه، فإن إحياء أربعينية السيد الخامنئي يجب أن يكون مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا، يستلهم من سيرته معاني الإخلاص، والتضحية، والثبات، ويُعيد إنتاج هذه القيم في واقع الشباب، خصوصًا في ظل التحديات الفكرية والاجتماعية التي تواجه الأمة، فالقائد لا يموت ما دام فكره حيًا، ومنهجه مستمرًا، وهذا ما تؤكده روايات أهل البيت عليهم السلام، حيث ورد عنهم: «مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا» (بحار الأنوار، ج44، ص282. )، وإحياء الأمر لا يكون بالبكاء فقط، بل بنشر الفكر، والعمل بالقيم، والدفاع عن المبادئ.
ولذلك تتحول الأربعينية من حالة حزن إلى حالة وعي، ومن ذكرى إلى مشروع، ومن فقد إلى حضور مستمر، فيكون القائد حاضرًا في ضمائر الأمة، حيًا في سلوكها، ممتدًا في مشروعها، حتى يتحقق الهدف الأسمى، وهو بناء مجتمع يسير على نهج الله، ويتهيأ لنصرة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ذلك الإمام الذي يمثل الامتداد الكامل لخط القيادة الإلهية، والذي ينتظر من الأمة أن تكون على مستوى المسؤولية، فتكون وفيّة لقادتها، ثابتة على مبادئها، وسائرة بثبات نحو تحقيق العدل الإلهي في الأرض. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد خاتم النبيّين وعلى آله الطيّبين الطاهرين.







علي جبار الماجدي
منذ 6 ساعات
عاشوراء.. تبديل رايات العزاء وتجديد الولاء
زيارة الأربعين والإبداع في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)
الريفُ العراقيّ .. إضطهادٌ مستمرّ
EN