

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
ضعف مسند الخديوية (تقرير «فارمان» (8 يوليو 1879م)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 141 ــ 154
2026-04-01
9
ولقد ذكر «فارمان» كل هذه الأسباب التي أدت إلى خلع الخديوي في ذلك التقرير الذي ذكرنا أنه بعث به إلى حكومته من القاهرة في 8 يوليو 1879م، فقال:
لقد بسطت لكم في تقارير سابقة الحوادث التي وقعت في مصر خلال الأيام القليلة الماضية، والآن سأذكر لكم بعض الملاحظات بشأن ما فعلته الدول الأوروبية بزعامة فرنسا وبتحريض من هذه الدولة.
وليس غرضي أن أتولى الدفاع بصورة من الصور عن حكومة الخديوي السابق حيث يصعب جدًّا — عندما لا تكون هناك أية آراء معينة عَمَّا يجب أن تقوم على أساسه الحكومة الصالحة أو الطيبة — أن يعثر الإنسان على مسوغ يمكن أن يسوغ به نشاط أو عمل أي أمير شرقي.
ولو أرادت فرنسا وإنجلترا أن تخلعا أمير الأفغان أو شاه العجم أو سلطان الأتراك، لما صعب عليهما أن ينتحلا سوء الحكم كعذر يسوغ فعلهما، ولما وجدتا صعوبة في جعل هذا الادعاء يرسخ في أذهان العالم المسيحي بأسره.
إن ما أريد ذكره هو أن من بين كل هذه الحكومات، كانت حكومة الخديوي إجمالًا هي أفضلها، وذلك حسب أكمل ما لدي من معلومات استطعت الحصول عليها، فهي الحكومة الشرقية الوحيدة التي انفردت دون نظيراتها بمحاولة التقدم والرقي إطلاقًا في كل ما يتصل بأسباب الحضارة الحديثة، والآن وقد بدأ الناس يستعرضون ما تم في عهد سموه، فهذا التقدم الذي حصل إنما يُنظر إليه على أنه كان عظيمًا جدًّا.
وإنه لمما يبعث على السرور دائمًا أن نرى حكومات مطبوعة بالطابع الإنساني الحر تحل محل الحكومات القاسية والاستبدادية، ولا شك في أن العالم المتمدين سيرحب ترحيبًا عظيمًا بأي عمل يدعو لتخفيف بؤس طبقات الفلاحين في مصر ولو شيئًا قليلًا، ولكن يتعذر علينا أن نتوقع بروز مشروعات إنسانية في الشرق على أيدي حكومات لم ترَ ما تفعله إزاء المذابح أو الفظائع البلغارية سوى تقديم الاعتذار (والإشارة هنا إلى حادث الفظائع البلغارية المشهورة عندما قام المسيحيون في بلغاريا بالثورة وذبحوا عددًا من العثمانيين، وذبح العثمانيون منهم عند إخماد الثورة حوالي اثني عشر ألفًا في يوليو 1876م ولم تتدخل فرنسا أو إنجلترا) ثم كان في قدرتها وبكلمة واحدة منها إنهاء نضال أهل كريت (والإشارة هنا إلى الثورة التي قام بها أهل كريت ضد تركيا منذ 1864م) من أجل الحرية؛ ذلك النضال الذي استمر سنوات عديدة، ولكنها لم تفعل، وهذه الدول هي كذلك تلك التي ظلت تؤيد الحكم الإسلامي في المقاطعات المسيحية في الدولة العثمانية. ولذلك أجد نفسي عاجزًا عن إدراك ادعاء هذه الدول أنها تسترشد في عملها بأي مبدأ خلاف تحقيق مصالحها الذاتية، وهذه المصالح الذاتية مسألة تختلط بها شئون المال مع السياسة، والسياسة هي العنصر الجوهري في المسألة. والحقيقة أن المسألة المالية وشعور الاستياء العام الذي تسببت في إثارته أوروبا «ضد الخديوي» إنما هي مجرد أعذار أو الفرصة التي تجعل ممكنًا تنفيذ خطط سياسية معينة.
وطبيعي أن يستنتج الإنسان أن كلمة الدول الأوروبية العظمى ما كانت لتتفق على عزل الخديوي لو أنه لم تكن هناك أسباب قوية تبرر اتخاذ هذه الخطوة، ولو أننا حاولنا أن نعثر على مسوغ نبرر به العمل الجماعي بين الدول العظمى، الذي يتأثر به جيران هذه الدول، الضعفاء، لاتضح لنا أن هذه مهمة عسيرة؛ ولو أنه من السهل العثور دائمًا على أعذار ودعاوى عريضة.
وبطبيعة الحال لو أن الخديوي لم يأخذ على عاتقه التزامات مالية يعجز عن مواجهتها أو القيام بسدادها، لانعدم العذر أو السبب الذي دعا الآن إلى التدخل في شئون حكومته، ولكن لم يسبق أن اعتبر عجز الدولة عن دفع ديونها سببًا يُخَوِّل الدول الأجنبية الحق في أن تخلع حاكمها أو أن تُغَيِّر حكومتها، زِدْ على هذا أن الحكومات الأوروبية تعرف جيدًا، ولدرجة كبيرة، كيف صار الدين المصري، ولا يجوز لنا أن نفترض أن هذه الحكومات «الأوروبية، عندما أقرض رعاياها الخديوي» كانت مخدوعة بما تكتبه الصحف؛ أي بدعاية الصحف عن متانة مركز مصر المالي والمشروعات الإنشائية … إلخ.
ففرنسا تعرف حق المعرفة الطريقة التي وجد بها الخديوي أنه مرغم ظلمًا، بسبب فعل حكومتها وفعل الحكومة الإنجليزية، على دفع مبالغ طائلة إلى شركة قناة السويس؛ الأمر الذي هو منشأ متاعب مصر المالية، وفرنسا تعرف كذلك جيدًا الطريقة التي دخل بها رعاياها في مغامرات مالية بعيدة عن الحكمة والصواب يبغون بها الحصول على سعر أو فوائد ضخمة للأموال التي أقرضوها، وذلك بسبب اضطرار مصر إلى الاستدانة كي تسد حاجتها الضرورية.
ولا أكون مجافيًا للحقيقة إذا ذكرت أن الحكومة الفرنسية ورعاياها كانوا مسئولين عن خلق الموقف المالي الراهن في مصر، أكثر من أية حكومة من حكومات الأمم الأخرى، أو رعايا هذه الحكومات، وبما في ذلك أيضًا الخديوي نفسه.
والمسيو فردنند دلسبس رجل عظيم وفاضل، وإني معجب به، وتدين تجارة الشرق لقدرته الفائقة ونشاطه ومثابرته. ولكن المسيو فردنند دلسبس فيما يتعلق بمصر والخديوي كان بمثابة الروح الشريرة التي سيطرت عليهما.
وإني لا أعتقد، في ضوء كل الظروف، وفيما هو متفق مع الحقائق، أن الحكومة الفرنسية إنما اعتزمت القيام بحرب صليبية في الشرق، من أجل المال فحسب، ولو أني أعرف تمامًا كيف يعتبر كل فرنسي أن مصر منجم للذهب مخصص له، وأن حق الأولوية لاستغلال هذا المنجم من نصيب مواطنيه، والحافز الحقيقي لفرنسا إنما ينحصر في عاملين؛ أحدهما: استرجاع سمعتها المفقودة في الشرق، وما يترتب على هذا من استرجاع ما كان لها من مزايا تجارية وسياسية؛ والآخر: هو التأثر لشرفها المثلوم، والفرنسيون هنا لا يجعلون من هذا العامل سرًّا مكتومًا، وكذلك لا تحاول صحفهم أن تخفيه، ولو أنهم يحذرون من ذكر مصدر شكواهم واستيائهم الرئيسي، ذلك الذي نال من كبريائهم الوطني وجرح هذا الكبرياء جرحًا بليغًا.
ومن أزمان طويلة، في الواقع من أيام نابليون الأول، اعتبرت فرنسا أن لها حقوقًا في الدول الأفريقية الشمالية، وفي مصر والشام، أعلى من حقوق الدول الأوروبية الأخرى. ولقد نظرت فرنسا إلى هذه المقاطعات كأنها ملحقات «تابعة لها» من حقها أن تملي عليها إرادتها، وتلك فكرة وطنية فرنسية لم يطرأ عليها تغيير في عهد حكوماتها كلها، مهما تغيرت، وفي مصر استمر النفوذ الفرنسي: مستعليًا على كل نفوذ آخر سنوات كثيرة، ولا سيما في أيام الإمبراطور نابليون الثالث. ففي الوقت الذي بلغ فيه الإمبراطور نابليون الثالث أوج مجده كان القنصل الفرنسي في مصر هو خديوي الخديوي، ولكن حوادث 1870-1871م وسقوط الإمبراطورية الثانية أفقدا فرنسا تفوقها في مصر لدرجة كبيرة، ومن ذلك الحين لم يقتصر الإنجليز على ممارسة نصيبهم من السيطرة فحسب، بل صاروا أصحاب النفوذ الأول، ثم أظهر الخديوي ما صار يدل في وضوح وجلاء على أنه يفضل هؤلاء الإنجليز على سادته القدامى. ومن المحتمل أنه لم يكن يدور في خلده أن فرنسا سوف تستطيع في زمن قريب جدًّا القيام بدور هام في ميدان السياسة الشرقية.
ولقد كان إنشاء قناة السويس مجهودًا فرنسيًّا، ولكنه — لدرجة كبيرة — تم بفضل الأيدي المصرية والأموال المصرية. ثم إن الغرض من حفر القناة كان تحويل قسم مهم من تجارة الشرق إلى مرسيليا بدلًا من ذهابها إلى لندن وليفربول. ولكن هذه المحاولة لم تنجح إلا نجاحًا جزئيًّا، ومع كل هذا فقد نظر الفرنسيون إلى القناة كأنما هي ملك لهم، أو اعتقدوا على الأقل أن الواجب يقتضي أن تُوضع القناة تحت سيطرتهم، فعندما باع الخديوي «حصة مصر في أسهم القناة» إلى إنجلترا «كعملية خاصة بينه وبينها» جرح بفعله هذا كبرياء الفرنسيين. ولقد كان الغرض من بيع هذه الأسهم خدمة مصالح الفرنسيين أصحاب سندات الديون. ومع ذلك فقد اعتُبر هذا البيع ضربة شديدة موجهة ضد مصالح الأمة الفرنسية الوطنية، ولم تغفر فرنسا للخديوي ذلك أبدًا، وما من شيء فعله الخديوي أو كان في مقدوره أن يفعله منذ خريف 1875م، استطاع أن ينال رضاء الفرنسيين، ومن ذلك الحين انعدمت كل رحمة في قلوبهم نحو مصر، وتأثرت جميع أعمالهم التالية بالعداوة التي شعروا بها نحو الخديوي.
ونظرت إنجلترا إلى ارتباك مصر المالي بشيء من القلق والانشغال الذي مبعثه الخوف من الاحتمالات المتوقعة «للاعتداء» على الحقوق التي افترضت وجودها لنفسها «في الخديوية»، وإنجلترا قد ناضلت دائمًا ضد تفوق النفوذ الفرنسي في مصر، ولما كانت الآن — بعد عملية «شراء أسهم» قناة السويس — قد صارت لدرجة كبيرة ملكًا لها، فقد تعذر عليها أن تترك فرنسا، بدعوى الرغبة في المحافظة على مصالح رعاياها، تظفر بسيادة جديدة على مصر، ووجدت إنجلترا من الأفضل لها أن تسير مع فرنسا في هذا الطريق بدلًا من أن تتركها تمضي فيه وحدها. ومع ذلك، وحسبما لدي من معلومات وثيقة، لم يكن غرض إنجلترا يزيد على فعل شيء أكثر من مجرد استخدام ضغط دبلوماسي خفيف مع الاحتفاظ بصداقته في الوقت نفسه، واستبقاء إيثاره لها.
ولكن الحوادث التي وقعت في 1877-1878م خدمت فرنسا؛ وذلك لأن إنجلترا لم تلبث أن وجدت من الضروري أن تنال تأييد فرنسا لها في مؤتمر برلين، وقد نالت هذا التأييد فقط عندما حصلت على موافقة الدول على أن تستبعد المسائل المصرية من دائرة بحث المؤتمر، وأفهمت فرنسا أنه لن يحدث أي تدخل في السياسة التي تتبعها هذه في مصر.
وتحت ضغط المسائل المعروضة على بساط البحث في مؤتمر برلين، والتي لم يكن المؤتمر قد وصل إلى قرار بشأنها، عاونت إنجلترا (ضد نصيحة قنصلها العام في مصر) على إرغام «الحكومة المصرية» على دفع كوبونات مايو 1878م (1).
ولقد اعترفت إنجلترا بعد ذلك بهذا الخطأ الذي ارتكبته، وحاولت النكوص على عقبيها ووقف فرنسا ومنعها من المضي في طريقها.
وفي أثناء ذلك كانت قد شُكِّلت لجنة التحقيق العليا «مرسوما 27 يناير و30 مارس 1878م»، وتألَّفت هذه من مجرد عملاء للدائنين الأوروبيين، وما كان يمكن أن تسفر نتائج أعمالها إلا عن إضافة ارتباكات جديدة، ولرغبة الخديوي في استرضاء «الدول والدائنين» شَكَّلَ وزارة نوبار باشا (في 28 أغسطس، وهي الوزارة المسئولة الأوروبية الأولى المعروفة)، وعَيَّنَ السير ريفرز ويلسون وزيرًا للمالية، ولكن بتعيينه أظهر الخديوي تفضيله الواضح للإنجليز، مما جعل فرنسا تغضب لهذه الإهانة التي لحقت بها، وتطلب تعيين وزير «فرنسي» في الوزارة، فاضطر الخديوي إلى إجابة مطلبها، وعَيَّنَ المسيو دي بلنيير وزيرًا للأشغال العمومية. وفي هذا الحين لم تكن هذه مصلحة أو وزارة مهمة، فأبدى الفرنسيون عدم رضاهم وقالوا إن التعيين في هذه الوزارة لا يتناسب مع كرامتهم ومجد أمتهم، فلإرضائهم ضُمَّت عدة مصالح أخرى إلى وزارة الأشغال العمومية حتى صارت هذه الوزارة في النهاية من الوزارات ذات الأهمية العظيمة.
ولكن فشل الوزيرين الأجنبيين الظاهر والمعترف به في إدارة شئون وزارتيهما لم يلبث أن أوجد ارتباكات جديدة؛ ثم إنه أوجد حزبين بين الفرنسيين إلى جانب الحزبين اللذين كانا قد وُجدا من قبل بين الإنجليز، والأحزاب التي وقفت ضد الوزيرين الأوروبيين والتي نالت تعضيد القنصل الإنجليزي العام «فيفيان (Vivian)» والقنصل الفرنسي العام «جودو (Godeaux)» كانت هي الأقوى. وعندما أخرج الخديوي السيدين ويلسون ودي بلنيير في 7 أبريل 1879م (والإشارة هنا إلى إقالة وزارة محمد توفيق أو الوزارة الأوروبية الثانية) إنما بفعله هذا كان ينفذ الرغبة الإجماعية التي ظهرت في مصر «لإخراجهما».
ولكن المعركة الحقيقية كانت قد بدأت؛ فالمسيو دي بلنيير وأصدقاؤه كان نفوذهم قويًّا في باريس لدرجة تكفي للأخذ بآرائهم، فسُحب القنصل الفرنسي «وأُرسل بدلًا منه المسيو تريكو (Tricou)». ومع أن السير ريفرز ويلسون لم يكن على الأقل منذ مدة طويلة ناجحًا في لندن، فالذي يروج الآن أن المستر فيفيان لا يعود إلى مصر (وقد عُيِّنَ بدلًا منه السير فرانك لاسال (Frank Lascalles) في مارس 1879م).
وفي مبدأ الأمر كان قد تقرَّر في لندن أن الأمور قد سارت شوطًا بعيدًا في مصر في صالح الدائنين، وأن أضرارًا كثيرة قد لحقت بالشعب المصري بسبب السياسة التي اتُّبعت، واعترف الإنجليز بأن إرغام «الحكومة المصرية» على دفع كوبونات مايو 1878م كان خطأ جسيمًا، وأن المجاعة التي انتشرت عقب ذلك في الصعيد كانت لدرجة كبيرة، على الأقل بسبب هذا الفعل الاستبدادي من جانب فرنسا وإنجلترا.
وعلاوة على ذلك رأت إنجلترا أن اتباع سياسة لينة يعود بفوائد أكبر على نفوذها وتفوقها في مصر ويدعو إلى دعمهما، ولكن فرنسا لم تكن راضية أبدًا، وزخرت صحافتها بحملات النقد والتشنيع على الخديوي في أوروبا، وأتت هذه الحملة ثمارها، ومع أن حزبًا قويًّا من المصرفيين المضاربين «الإنجليز» اشترك مع فرنسا في حملتها هذه، فإن الحكومة الإنجليزية على ما يبدو لم تكن تميل لسلوك هذا الطريق، ولكن في هذه اللحظة بالذات حدث أن دخلت ألمانيا الميدان كالحليف الظاهر لفرنسا، وأي إنسان أُتيح له أن يرقب سير الأمور في مصر من الناحية الدبلوماسية خلال العامين الماضيين، ويقف على شئونها، لن يجد أدنى صعوبة في معرفة السبب الذي حدا بالبرنس بسمارك إلى هذا التدخل غير المنتظر.
فقد لعبت ألمانيا حتى الآن دورًا متواضعًا في شئون الشرق، ولم يكن لها نفوذ يُذكر إذا قورن هذا بما كان لإنجلترا وفرنسا، ومع هذا بلغ مقدار ما ساهمت به من الدين السائر 150000 جنيه إنجليزي، صدرت بالجزء الأكبر منه أحكام من المحكمة المختلطة لصالح أصحابه. وكان من رأي قنصلها العام «البارون دي سورما» أن واقعة صدور أحكام من محكمة ذات صبغة دولية تضفي على «هذه الديون» طابعًا خاصًّا، ومعنى عدم دفع هذه الديون، امتهان المحاكم «المختلطة» وعدم احترام (أو تحقير) أحكامها. ولما كانت النمسا في وضع يشبه هذا الوضع، فقد بذلت هاتان الحكومتان جهودًا كبيرة للحصول على دفع ديون «رعاياهما»، ولكن لما كان ضغط فرنسا وإنجلترا لدفع الكوبونات (أي أقساط الدين الثابت) أكثر صرامة، فقد استنفد دفع هذه كل الأموال المتحصلة، ولم يُدفع شيء «لأصحاب الديون السائرة من الألمان والنمسويين».
وشكا القنصلان العامان: الألماني والنمسوي-الهنغاري من أن الخديوي استجاب لمطالب القنصلين العامَّين الفرنسي والإنجليزي، في حين أنه لم يُلْقِ بالًا لمطالبهما هما، وحقيقة الأمر أن هذين القنصلين ظلا دون نفوذ إطلاقًا خلال عام ونصف، حتى إنهما صارا يقولان إنه ليس بالقاهرة سوى قنصلين عامين فقط، وإن الأجدر بسائر القناصل أن يعودوا إلى بلادهم.
وعندما أُبلغت هذه الحقائق إلى البرنس بسمارك، وجد فيها ما يجرح شعوره ويغضبه بسبب المركز «الثانوي» الذي صار لألمانيا في مصر، والخديوي لم يخطر بباله أن يجرح شعور ألمانيا، ولكنه اعتقد لما ظهر من إلحاح وتهديد من جانب فرنسا أن دفع الكوبونات أمر لا محيص منه، فدفعها. وعندئذٍ لم يَبْقَ لديه ما يدفعه لأصحاب الديون السائرة؛ وبذلك غدا أولئك الذين دفع لهم — تحت الإلحاح والضغط — وأولئك الذين لم يدفع لهم — لعدم وجود المال لديه — أعداء الخديوي على السواء. لقد بذل الخديوي قصارى جهده ولكنه لم ينجح في إرضاء أحد! فرنسا لا تريد أن ترضى، وألمانيا لم يكن لديها سبب يدعوها للرضا.
وبعد 7 أبريل 1879م (وهو تاريخ إقالة وزارة محمد توفيق). وعندما بدا أن إنجلترا سوف تترك فرنسا وتتخلى عن مؤازرتها، عمدت فرنسا إلى مفاتحة حكومات الدول العظمى في أوروبا في الأمر، ووجد بسمارك عندئذٍ الفرصة السانحة للتدخل، والظفر بالمركز الذي اعتقد أنه من حقه أن يظفر به في شئون مصر.
ولا علم لي بتاريخ سري آخر أو بدوافع أخرى قد تكون هذه المسألة منطوية عليها، ولكن من المحقق أن فرنسا استطاعت تحريك إنجلترا فقط عندما ذاع نبأ الموقف الذي أزمعت ألمانيا على اتخاذه، فقد أدركت إنجلترا أنه صار يجب عليها أن تسير مع فرنسا، وإلا سارت فرنسا في الطريق وحدها أو متحدة مع ألمانيا، ونالت «فرنسا» بذلك مركزًا في مصر يضر بالمصالح الإنجليزية، وأما ما أدركته فرنسا من نجاح أخير (عزل الخديوي) فمرده المباشر إلى ألمانيا؛ لأنها بمجرد أن نالت تأييد إنجلترا، بفضل ما فعلت ألمانيا، صار من السهل عليها أن تحقق ما بقي في عزمها، ولكن هذه النتيجة (عزل الخديوي) كان لها آثارها؛ فإنجلترا صارت هي الخاسرة؛ لأن الواجب صار يقتضي الآن ليس فقط استشارة ألمانيا والنمسا والمجر في شئون مصر، بل ربما كذلك إيطاليا، وهذا في الوقت الذي نالت فيه فرنسا مركز الزعامة، ففرنسا هي التي أوجدت الخلع (خلع الخديوي) وأصبح القنصل الفرنسي اليوم هو الحاكم الفعلي لمصر، فإذا قال اطردوا هذا الوزير، وعيِّنوا هذا الرجل أو ذاك في مكانه، نُفذ ما يريده في أربع وعشرين ساعة.
ومن المحتمل الآن أن تبقى فرنسا وقتًا طويلًا وهي تحتفظ بهذه المكانة العالية جدًّا.
ويشعر الإنجليز المقيمون هنا بأنهم هم الخاسرون، وإذا استثنينا موظفيهم فهم عمومًا ينددون «بالسياسة» التي سارت عليها حكومتهم؛ فقد رأوا الخديوي صديقًا لإنجلترا، وفي نظرهم أن هذه قد تخلت عنه جبنًا ونذالة، تسليمًا منها لنزوات فرنسا الشاذة.
وما يقال عن وجود اتفاق حبي أو ودي بين فرنسا وإنجلترا في المسألة المصرية، ليس إلا في الظاهر فقط، بل يعترف الموظفون الإنجليز أنفسهم أنه قد صار استدراج حكومتهم بغباوة إلى الدخول في محالفة مربكة وسيئة، وتختلف آراؤهم كل الاختلاف عن آراء الفرنسيين فيما يجب فعله، ويكاد يكون مستحيلًا أن يتفق إنجليزي وفرنسي في عمل مشترك بينهما: فكل فريق يشعر بالغيرة من الآخر، وكل منهما يعتقد أن للآخر أطماعًا في مصر، وكلاهما في سويدائه، وكقاعدة أولية يختلف عن الآخر في هذه المسألة برمتها، وإذا كان هذا الاختلاف لا يؤدي عاجلًا إلى نزاع علني بينهما، فمرد ذلك إلى وجود مصالح ومشكلات سياسية في أماكن أخرى تمنع إنجلترا من سلوك المسلك الذي تتوق لسلوكه لولا ذلك.
ومن المعروف أن الموقف الراهن في الشرق في حالة تجعل من المحالفة الفرنسية ضرورة حتمية لإنجلترا، وقد أفادت فرنسا من هذه الظروف لتسترجع مركزها (أو نفوذها) المفقود في مصر.
ولقد لعبت المسألة المالية دورها في «مسألة عزل الخديوي»، ولكن رجال المال والمضاربين ما كان في وسعهم أن يفعلوا شيئًا لولا وجود هذه الكراهية التي تشعر بها فرنسا نحو الخديوي، والتي سببها الاعتقاد بأن الخديوي قد تخلى عنها وفَضَّلَ عليها إنجلترا، ولولا وجود فكرة استرجاع السمعة المفقودة، وأما أن الإنجليز لا يعدُّون هذا الحادث الأخير (خلع الخديوي) انتصارًا لهم، فينهض دليلًا عليه هبوط قيمة السندات المصرية «للدين الثابت»، وهو الهبوط الذي حدث منذ أن خُلع الخديوي، وقلائل من بين أصحاب الديون السائرة هم الذين لا يعتبرون أن أذًى ملموسًا قد لحق بمصالحهم.
هذا وقد انتقل «فارمان» بعدئذٍ إلى الكلام عن نواحي الخطأ والظلم، ثم الصواب والعدالة في الأزمة المصرية التي انتهت بخلع الخديوي، وقال إن مسائل الصواب والعدالة والخطأ والظلم هذه لا تدخل في اعتبار السياسة الأوروبية التي تعد القوة والمصالح في المرتبة الأعظم أهمية.
ثم استمر «فارمان» يقول:
لقد ذكرت من قبل أن الخديوي — في رأيي — قد بذل قصارى جهده في السنوات الثلاث الماضية حتى يوفي بالتزاماته نحو الدول الأوروبية، وحتى يرضيها. ولقد سلك مسلكًا أمينًا، وفعل ذلك برغبة صادقة، وزاد، بالجملة، ما فعله كثيرًا على ما كان يجب عدلًا وإنصافًا على مصر أن تفعله، ولكن عمله هذا لم ينل تقديرًا من أحد. وزيادة على ذلك فقد عامله الممثلون الأوروبيون بسوء نية وغدر.
ولقد عمل بمقترحات بعثة «جوشن» و«جوبير» تحت ضغط شبه رسمي، واحتج الخديوي بأن إيرادات مصر لا تكفي لدفع ربح (أو فوائد) على ديونها تزيد على 5٪، ثم تلا ذلك سنة تميزت بالكساد العام وبأن النيل فيها كان منخفضًا، والإيرادات كانت أقل من المعتاد. ومما زاد في أعباء مصر أنها اضطرت إلى إرسال عدد كبير من الجنود للاشتراك في الحرب الروسية-التركية (1877-1878م) ولم يكن الخديوي يريد الاشتراك في هذه الحرب، فظل مترددًا وقتًا طويلًا، ولم يرسل جنوده «إلى البلقان» إلا بعد ضغط إنجلترا الأدبي عليه. ولذلك وجب أن ينال ثلاثون ألف جندي كسوتهم، بما في ذلك أولئك الذي أُرسلوا من قبل لمساعدة تركيا ضد الصرب، ووجب أن يُزَوَّدوا بالعتاد والأسلحة، ثم أن يُرسلوا عبر البحر المتوسط إلى تركيا، ثم أن يُنفق عليهم هناك مدة سنة تقريبًا، وأن يرجعوا بعد ذلك إلى مصر.
وكان وقت عودة هؤلاء الجنود في ربيع سنة 1878م. وعندما كان المحصول الشتوي قد فسد بأسره في قسم كبير من الصعيد، راحت فرنسا وإنجلترا تطلبان دفع كوبونات مايو 1878م، وقد دُفعت هذه بالطريقة التي أدت إلى تلك النتائج التي سبق أن أوضحتها في تقاريري السابقة.
وَأَصَرَّ كثيرون على أن الخديوي يغش أوروبا ويخدعها فيما يتعلق بحقيقة إيرادات مصر، وبناءً على طلب إنجلترا وفرنسا كانت وقتئذٍ قد تَشَكَّلت لجنة تحقيق (هي التي عرفنا أن الأمرين العاليين في 27 يناير و30 مارس قد صدرا بإنشائها وتحديد اختصاصاتها … إلخ) مُزَوَّدة بأكمل سلطات ممكنة.
وخشي الخديوي في أثناء المفاوضات لإنشاء لجنة التحقيق هذه أن يكون الغرض منها استخدامها ضده، وقد أوضح مخاوفه هذه. ولكن القناصل «خصوصًا الإنجليزي والفرنسي» الذين قاموا بهذه المفاوضات أكدوا للخديوي ووعدوه بأنه إذا أمر بتعيين اللجنة وأعطاها كامل السلطات التي يطلبونها لها، فهي لن تُستخدم بأي حال ضد شخصه، وأما هذه المعلومات فقد حصلت عليها من أحد «القناصل» الذين بذلوا هذه الوعود.
وبناءً عليه أصدر الخديوي «أمرين عاليين بتأليفها وتنظيمها»، ولكن كل إنسان يعلم كيف أن لجنة التحقيق عمدت إلى بذل قصارى جهدها من البداية إلى النهاية لإسقاط اعتبار الخديوي وحكومته؛ أي تسويء سمعتهما.
ثم اتضح سريعًا أن الخديوي كان صادقًا في بيانه عن قيمة الإيرادات، وحتى تسد اللجنة العجز، صممت على أن تتسلَّم (أو تأخذ) الدولة (أي الحكومة) أملاك الأسرة الخديوية (وهذه 485131 فدانًا أملاك الخديوي، 23000 أملاك الأسرة) ووافق الخديوي في آخر الأمر على هذا الإجراء، ولكن بعد أن حصل على توكيد في نظير ذلك بأن يصير سداد الدين السائر، وتسوية المركز المالي بشكل يبعث على رضاء الدائنين والدول الأوروبية. وعلى ذلك فقد استولت على هذه الأملاك (بلغ ما استُولي عليه 425729 فدانًا) الوزارة المعروفة باسم الوزارة الأوروبية (الأولى التي تَشَكَّلت في 28 أغسطس 1878م) وقد جعلتها هذه «ضمانًا» لقرض روتشيلد (دين الدومين لسنة 1878م وهو القرض الذي قلنا إنه عُقد في لندن في أكتوبر من هذه السنة) ولكن الدين السائر الذي كان قائمًا من مدة طويلة بسبب المتاعب «المالية» في مصر، بقي كما هو ولم يُدفع منه شيء.
وعندما طرد الخديوي الوزيرين الأوروبيين، لم يفعل إلا ما أملاه عليه واجبه كرئيس للدولة، وما هو من حقه كذلك أن يفعله بمقتضى ترتيباته مع الدول الأوروبية (والإشارة هنا إلى مطالبة اللائحة الوطنية في 5 / 4 / 1879م بإعادة المراقبة الثنائية حسب المرسوم الصادر في 8 / 12 / 1878م بعد تشكيل الوزارة الأوروبية الأولى والتي أصدرت هذا المرسوم). ومن ذلك الحين (أي من وقت تشكيل الوزارة الوطنية في 8 أبريل 1879م) جرت إدارة الحكومة من الناحية الاقتصادية كأي إدارة حسنة (أو طيبة) من المحتمل لعدة سنوات مستقبلة، أن تجريها أية حكومة في الشرق سواء كانت هذه حكومة وطنية أم يشرف عليها أجانب.
وفيما يتعلق بما تفعله الدول الأوروبية، يدين الممثلون الأمريكان في مصر برأي واحد فقط؛ هو أن فعلها هذا لم يكن فقط ظالمًا، وبدون سبب كاف يبرره. بل كان بعيدًا عن العدل إطلاقًا بالنسبة للخديوي وشعبه، وأن الادعاء أو الاعتذار — لتبرير هذا المسلك — بأن الحكومة سيئة، هو ادعاء لا يستند على أساس من الحقيقة إذا قِيست هذه الحكومة «الخديوية» بالحكومات الشرقية الأخرى بما في ذلك بلاد الجزائر والهند أيضًا.
ولقد تَشَكَّلت وزارة جديدة (هي الوزارة الوطنية في 8 / 4 / 1879م) على رأسها شريف باشا كوزير للخارجية ورئيس لمجلس النظار، ولا يمكن الادعاء بأن الوزارة الجديدة أفضل من الوزارات القديمة، والمفهوم هنا أن التغيير حدث لمجرد أن يقال إن تغييرًا قد حدث فعلًا.
ويبدو أن الوزيرين الإنجليزي والفرنسي السابقين في الوزارة المصرية، وهما المستر ريفرز ويلسون، والمسيو دي بلنيير، موجودان الآن في باريس للتشاور بشأن حكومة مصر المستقبلة، ولا يزال هناك حزبان بين الفرنسيين والإنجليز؛ أحدهما لإعادة تأسيس وزارة أوروبية، والآخر لإنشاء رقابة أوروبية على المالية.
والآن أعتقد أني انتهيت من سرد قصة حكم إسماعيل باشا، واليوم تبدأ مصر عهدًا جديدًا في تاريخها، ولكني لا أرى في مستقبلها — كما لم أكن أرى في ماضيها — إلا ظلمًا يقع على طبقات الفلاحين البائسة!
ذلك هو تقرير «فارمان» الذي نشرناه لأول مرة كواحد من الملاحق التي ذَيَّلنا بها كتابنا الذي نشرناه في عام 1938م بالإنجليزية عن «الخديوي إسماعيل والرق في السودان»، وهذا التقرير موجود ضمن الوثائق الأمريكية في قصر الجمهورية (عابدين سابقًا).
والتقرير في تلخيصه لحكم إسماعيل، وبيان الأسباب التي أحدثت الأزمة المالية ثم أدت إلى خلع الخديوي؛ متفق مع ما حدث فعلًا، وصحيح من الناحية التاريخية، ومن شأن تحقيق المسائل التي أثارها أن يقرِّر نقاطًا هامة؛ منها: بيان مدى الأخطار التي تهددت مصر من نوع «الوصاية الدولية» التي فرضتها عليها تسوية 1840-1841م، ثم استبقتها تصفية الأزمة العثمانية-المصرية وصدور الفرمان الشامل في 9 يونيو 1873م، وقد بدت هذه الأخطار في إمعان التدخل الأجنبي في شئون البلاد المالية، ثم انتقال هذا التدخل إلى تدخل صريح في شئونها السياسية منذ أن أُنشئت الرقابة الثنائية (18 نوفمبر 1876م) وقام نظامها الثنائي (Condiminium).
ثم إن هذا التقرير ينفي قطعًا أن سوء الإدارة كان سبب الأزمة المالية، فلم يذكر كلمة واحدة يمكن بها الاستدلال على أن «إسراف» الخديوي — الذي تغالى الكثيرون في اعتباره عاملًا أساسيًّا — كان منشأ هذه الأزمة أو من العوامل التي ساعدت على استحكامها، بل إن «فارمان» كان صريحًا في قوله: إن مغامرات المضاربين والمصرفيين الأجانب الذين طلبوا فوائد باهظة لديونهم كانت هي السبب الرئيسي في حدوث الأزمة المالية، وذكر «فارمان» ما يفيد أن الحكومة الخديوية عندما عقدت القروض كانت في حاجة ملحة إلى المال؛ أي إنها طلبت المال لمواجهة حالات معينة؛ الأمر الذي أعطى المغامرين والمصرفيين الأجانب الفرصة لاستغلال هذه الحاجة حتى يطلبوا فوائد مرتفعة لديونهم. وأما القول بأن الحكومة الخديوية كانت في حاجة إلى الاستدانة، فهو قول تتضح صحته إذا استُقصيت أسباب عقد كل قرض من هذه القروض على حدة، وابتداءً من قرض 1864م المعروف باسم قرض «فرولنج-جوشن». ولقد شهد «فارمان» بأن الخديوي بذل كل ما وسعه من جهد وحيلة لسداد هذه الديون وإرضاء أصحابها، وإرضاء الدول. وعلى ذلك فإذا لم يكن الإسراف هو طابع الإدارة المصرية، وتوفر حسن النية، وكانت العزيمة صادقة لسداد الديون، فقد سقط «المبرر» الذي تذرعت به الدول للتدخل.
ويلقي هذا التقرير مسئولية زيادة الارتباك المالي والتدخل السياسي بالشكل الذي أدى إلى إحكام «الوصاية الدولية» على مصر، حتى انتهى الأمر بخلع الخديوي إسماعيل، على فرنسا، ويترتب على تأكيد هذا الرأي انتفاء أنه كان لإنجلترا في هذا الحين أغراض معينة في احتلال مصر تسعى لتحقيقها عن طريق إرباك الحكومة المصرية وإضعافها، ويجب ملاحظة التفريق هنا بين «الرغبة» في احتلال مصر، والرغبة في بسط نفوذ إنجلترا السياسي على مصر، والمُسَلَّم به أن الإنجليز كانوا يريدون وقتئذٍ بسط نفوذهم السياسي على الخديوية.
ويُستدل من هذا التقرير كذلك (وهو أمر صحيح) أن تشويه سمعة الحكم على يد حكومة فرنسا وأصحاب الديون الفرنسيين (وأكثر ديون هؤلاء ديون سائرة) وفريق من الدائنين الإنجليز (وأكثر ديونهم ديون ثابتة) كان عملًا المقصود به تسويغ التدخل السياسي في شئون مصر وخلع الخديوي. ولقد وجدت إنجلترا عندما انتهى الأمر باحتلالها هي لهذه البلاد أن من صالحها أن تستمر هذه الحملة المُشَوِّهة لسمعة الخديويين، ولإظهار عجز البلاد عن إدارة شئونها عمومًا؛ وذلك لتبرير أو تسويغ حادث الاحتلال البريطاني نفسه، وكان تشويه سمعة الحكم هذا على يد فرنسا في أثناء الأزمة المالية، واستمراره على يد الإنجليز عقب الاحتلال البريطاني، منشأ «أسطورة» الإسراف الذي أرغم الخديوية على الاستدانة واستتبع لزومًا في عرف هذه الأسطورة احتلالًا أجنبيًّا للبلاد لإصلاح شئونها.
وأوضح تقرير «فارمان» أن تدخل بسمارك، وذلك بوساطته أوَّلًا بين «وادنجتون» و«دزرائيلي» في أثناء مؤتمر برلين، ثم لتدخله لعزل إسماعيل؛ كان السبب المباشر الذي جعل إنجلترا تربط سياستها في المسألة المصرية بالسياسة الفرنسية؛ وأن الموقف الدولي في أوروبا الذي اقتضى أن تطلب إنجلترا مؤازرة فرنسا لها في الميدان الدولي كان من العوامل الحاسمة في عزل الخديوي إسماعيل.
والذي يُستخلص من هذا كله أن الأسباب المباشرة لعزل الخديوي إسماعيل، وإضعاف الخديوية، كانت في جوهرها أسبابًا «سياسية» وليست أسبابًا «مالية».
................................................
1- والكوبون قسيمة أو وريقة مرفقة بكل سهم أو سند تُفصل عند ميعاد دفع الأرباح والفوائد وتُقَدَّم للحصول عليها.
الاكثر قراءة في الاحتلال العثماني للوطن العربي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)