

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
«التدخل المادي»، ضرب الإسكندرية وبداية الاحتلال البريطاني
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 205 ــ 212
2026-04-06
48
الموضوع: «التدخل المادي»، ضرب الإسكندرية وبداية الاحتلال البريطاني
المؤلف: محمد فؤاد شكري
المصدر: مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة: ص 205 ــ 212
....................................................
وجد «فرسينيه» في استقالة البارودي سببًا يدعوه لأن ينبذ الفكرة التي اقترحها عليها «جرانفيل» في 24 مايو؛ من حيث إرسال «منشور» إلى الدول؛ كي تشترك مع إنجلترا وفرنسا في رجاء الباب العالي، بأن يُهَيِّئ جنودًا عثمانيين لإرسالهم إلى مصر «تحت شروط محددة»، وعلى ذلك فقد أبرق «فرسينيه» إلى لندن في 27 مايو (أي في اليوم التالي لسقوط وزارة البارودي) بأن الوزارة الفرنسية لا ترى الآن مبررًا للاستنجاد بجنود عثمانيين.
ولكن «جرانفيل» لم يلبث أن أبرق في 28 مايو، دون مشاورة الحكومة الفرنسية إلى السفير الإنجليزي في القسطنطينية اللورد «دفرين» (Dufferin): بأن الحكومة الإنجليزية ترى من المرغوب فيه جدًّا ألَّا يضيع الباب العالي وقتًا ثمينًا، وأن يبادر بإرسال أمر يحمي تأييده للخديوي، ويرفض الاتهامات التي توجهها الوزارة المستقيلة للخديوية «بأن الخديوي واقع تحت نفوذ الدول»، وأن يأمر الزعماء العسكريين الثلاثة «وهم: أحمد عرابي، وعبد العال حلمي، وعلي فهمي»، وربما كذلك «محمود سامي البارودي» بالمجيء إلى القسطنطينية حتى يفسروا أمام الباب العالي مسلكهم.
وكانت هذه دعوة صريحة للباب العالي بالتدخل. وكان من المنتظر أن يرفض إقرارها «فرسينيه» إذا تمسك بأن الموقف لا يستدعي الاستعانة بجنود عثمانيين على نحو ما ذكر في برقيته السالفة إلى لندن في 27 مايو. ولكن «فرسينيه» لم يلبث أن وافق على هذه الخطوة عندما علم بها؛ فبعث هو الآخر بتعليمات مشابهة إلى «الماركيز دي نوال (Noailles)» السفير الفرنسي في القسطنطينية، ولو أن «فرسينيه» على ما يبدو قد فعل ذلك مضطرًّا.
•••
وفي القاهرة كان الموقف يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم؛ في 7 يونيو 1882م وصل إلى الإسكندرية المشير درويش باشا على رأس وفد وحاشية كبيرة، ويضم الشيخ أحمد سعد أحد رجال السلطان عبد الحميد، وبمجرد وصول بعثة درويش باشا هذه، نشطت دعاية العسكريين ومساعيهم للتأثير على رئيس البعثة؛ فنَظَّم محمود سامي الوفود لمقابلة درويش باشا، تحمل إليه العرائض التي تُؤَيِّد الوطنيين وزعماءهم. واعتقد الخديوي من جانبه أن بوسعه بالرشاوى والهدايا استمالة رئيس البعثة إلى تأييده.
ولكن أغراض بعثة درويش كانت متعددة ومتناقضة؛ فقد كان الغرض الحقيقي من إرسال البعثة مجرد التظاهر بتثبيت مسند الخديوية، والعمل الجدي في الواقع لتقرير سلطة الباب العالي، وذلك بإلغاء مجلس النواب، واستدعاء جنود عثمانيين إذا لزم الأمر إلى مصر، ثم التخلص من العسكريين باستدراج عرابي وزملائه إذا أمكن «للنزهة» على شواطئ البسفور الجميلة؛ أي القضاء عليهم في لغة ذلك العهد. وثمة غرض آخر لهذه البعثة: هو إطالة المخابرات وإدخال الطمأنينة «إلى قلب (المراقبة الثنائية) وتوفيق من جهة تأكيد سلطة الخديوي»؛ وذلك لكسب الوقت حتى يتم للباب العالي على يد البعثة تنفيذ مآربه.
ولم تسفر بعثة درويش باشا إلا عن رسوخ الاعتقاد في ذهن العرابيين بأن السلطان لن يسمح للدول بأن تتدخل في شئون مصر تدخلًا مسلحًا. ومع ذلك فقد كانوا يخشون في الوقت نفسه من أن يعجز السلطان عن دفع هذا التدخل عنهم. وإلى جانب هذا فهم كذلك كانوا يخشون أن ترسل تركيا جنودًا عثمانيين إلى مصر (يعني احتلال البلاد) لتحول دون تدخل الدول وهذا إذا كانت تركيا قد اعتزمت من جانبها أن تعمل هي لتثبيت مركز الخديوية بدلًا من أن تترك للتدخل الأوروبي هذه المهمة، ولكي تتمكن من تقرير سيادتها العثمانية على مصر.
•••
فكانت أن نشطت إذن الكتلة الوطنية بزعامة العسكريين، ورأت أن تستعد للدفاع عن مصالحها وعن مصالح القطر، وتزايد رواج الإشاعات المقلقة وخصوصًا في الإسكندرية؛ بسبب وجود الأساطيل الأجنبية في مياهها، فطلب الأجانب بها من قناصلهم أن يأذنوا لهم بالتسلح استعدادًا لمواجهة الطوارئ، وتوترت الأعصاب لدرجة أنذرت بهبوب العاصفة قريبًا، حتى حدث يوم 11 يونيو 1882م أن وقع شجار بين أحد المالطيين من رعايا الإنجليز وبين أحد الأهالي الوطنيين (السيد العجان) بأحد أحياء الإسكندرية، لم يلبث أن تحول إلى مذبحة مروعة، وقد يكون سبب هذه المذبحة حالة الفزع والقلق النفساني السائدة، والتوتر الذي أنهك الأعصاب بسبب مجيء السفن الحربية الإنجليزية والفرنسية إلى الإسكندرية، وما صار يروج من شائعات عن تهديدات العرابيين ضد الخديوي وضد الأجانب أو الأوروبيين، وهي إشاعات جعلت الذعر يتملك هؤلاء، وحملتهم على أن يسلحوا أنفسهم.
ولقد كان من أثر هذا الحادث أن رأت الدول: ألمانيا والنمسا والمجر وإيطاليا؛ ضرورة التدخل «محافظة على أرواح الأوروبيين»، ورأت وجوب تشكيل وزارة جديدة إلى أن يتم الفصل في المسألة المصرية؛ فتألَّفت وزارة إسماعيل راغب باشا في 20 يونيو، وتَعَيَّن أحمد عرابي وزيرًا للحربية والبحرية بها. ولكن هذه الوزارة لم تَنَلْ ثقة الخديوي، ورفضت إنجلترا وفرنسا الاعتراف بها، ونشطت الدولتان لإيجاد حل نهائي للأزمة.
•••
وأما هذا النشاط فقد أسفر عن إفلاس تام للسياسة الفرنسية.
فقد كان أميرال الأسطول الإنجليزي بمياه الإسكندرية السير بوشامب سيمور (Beauchamp Seymour) قد أبرق إلى حكومته منذ 29 مايو: «أن الإسكندرية على ما يبدو قد سيطر عليها في هذا الصباح الحزب العسكري.» وكان ضباط الجيش والبوليس بالإسكندرية قد أبرقوا في 27 مايو إلى الخديوي يمهلونه اثنتي عشرة ساعة لإعادة عرابي إلى الوزارة — وذلك عقب استقالة وزارة البارودي — وإلا كانوا غير مسئولين عن الأمن بالمدينة.
وفي 30 مايو أبرق «السير شارلس كوكسن» (Cockson) القنصل الإنجليزي بالإسكندرية: «إن كل يوم يحدث فيه تأخير» بخصوص اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالمحافظة على أرواح الرعايا البريطانيين، «يزيد من خطورة الروح المتمردة ضد النظام بين الجنود المصريين، وإن الضباط المصريين يرغمون الأهلين تحت التهديد على توقيع عرائض بعزل الخديوي.»
وفي 31 مايو حَذَّر «مالت» حكومته، بأن من المتوقع في أية لحظة أن يحدث اصطدام الآن بين المسلمين والمسيحيين.
وفي 31 مايو كذلك نشرت صحيفة «روبابليك فرانسيس» (République Française) «بوحي» من «غمبتا»: «أن من الواجب المحافظة على استقلال مصر؛ وذلك بمنع حضور مندوبين أو جيش من قِبَل السلطان إليها.»
وعلى ذلك فقد صار على «فرسينيه» أن يقرِّر سريعًا الخطة التي تتبعها فرنسا. ولقد فعل «فرسينيه» ذلك، وأما هذه الخطة فقد استبعدت نهائيًّا، وعلى نحو ما صرَّح به في مجلس العموم الفرنسي في أول يونيو 1882م «تدخلًا مسلحًا فرنسيًّا». ولما كان هذا الاستبعاد ينفي كذلك احتمال تدخل مسلح بريطاني فرنسي؛ فقد صار معناه قبول تدخل عثماني؛ وبذلك يكون «فرسينيه» قد ألغى قراره السابق الذي أبلغه إلى الحكومة الإنجليزية قبل ذلك بستة أيام فقط (في 27 مايو) بعدم ضرورة الاستنجاد بجنود عثمانيين؛ أي رفض التدخل العثماني.
•••
وكان «فرسينيه» منذ 23 مايو قد أوضح السياسة التي أراد أن يتبعها لتطمين الخديوي على سلطته أثناء أزمة مطالبة «مالت» و«سنكويتش» عرابي والوزارة البارودية بالاستقالة، فبعث بالاشتراك مع الحكومة الإنجليزية بمذكرة في 23 مايو إلى الدول: «يؤكد فيها نوايا الحكومتين من حيث رغبتهما في ترك مصر تدبر شئونها بنفسها، واستدعاء الأساطيل من مياه الإسكندرية، بمجرد أن يستتب الهدوء بها ويصبح الأمن في المستقبل مكفولًا، وأما إذا اتضح على غير ما تبغيه «فرنسا وإنجلترا» أن من المتعذر الوصول إلى حل سلمي، فسوف تتحدان مع الدول ومع تركيا بصدد اتخاذ الإجراءات التي قد تبدو لهما (أي لفرنسا وإنجلترا) أنها خير ما يمكن اتخاذه». وعلى ذلك فقد عاد «فرسينيه» الآن لاعتناق هذه الفكرة؛ فأبرق إلى «تيسو» بلندن في 30 مايو: «حيث إنه لم يعد هناك أي أمل معقول في إمكان الوصول إلى حل سلمي عن طريق النفوذ الأدبي الذي يمثله وجود الأسطولين الإنجليزي والفرنسي، ونشاط الوكلاء (الإنجليز والفرنسيين) السياسيين في القاهرة، فالطريقة الأكثر أثرًا من الناحية العملية من غيرها هي على ما يبدو له: أنه يُدعى مؤتمر من سفراء الدول الكبرى وتركيا للانعقاد في إحدى العواصم.»
وفي 31 مايو أبلغ «جرانفيل» باريس موافقته على عقد المؤتمر الذي كان الغرض منه وضع الشروط التي يجري بموجبها التدخل العثماني المسلح في مصر: «حيث إن هذا الاقتراح (كما قال «جرانفيل»): متفق مع الآراء التي عرضتها الحكومتان الإنجليزية والفرنسية بالاتفاق فيما بينهما على الدول»، ثم اقترح «جرانفيل» أن تكون القسطنطينية مكان المؤتمر.
وفي 2 يونيو أوضحت الحكومتان الإنجليزية والفرنسية في تعليماتها إلى سفرائهما لدى ألمانيا والنمسا وإيطاليا وتركيا؛ الغرض من عقد هذا المؤتمر؛ وهو العمل لإيجاد حل للأزمة المصرية على أساس ما جاء في منشور 12 فبراير 1882م للدول؛ أي المحافظ على حقوق كل من السلطان والخديوي، وكذلك الاتفاقات الدولية والترتيبات الناجمة عنها سواء مع فرنسا وإنجلترا وحدهما فحسب، أو مع هاتين الدولتين متحدتين مع سائر الدول، ثم احترام الحريات التي منحتها للشعب المصري الفرمانات الصادرة من السلطان، ثم نمو نظم «الحكم» المصرية نموًّا حكيمًا.
ولكن وقتًا ثمينًا انقضى قبل انعقاد مؤتمر الآستانة في 23 يونيو، وقد بادرت الدول بإبرام «ميثاق النزاهة» (Protocole Désinterresment) في 25 يونيو، وفيه تعهدت الحكومات المشتركة في المؤتمر بأنها في كل اتفاق يحصل بشأن تسوية المسألة المصرية، لا تبحث عن احتلال أي جزء من أراضي مصر، ولا الحصول على امتياز خاص بها، ولا تعمل لنيل امتياز تجاري لرعاياها لا يُعطى كذلك لرعايا سائر الدول، ولكن وقتًا ثمينًا آخر ضاع في نظر الموضوعات المعروضة على المؤتمر لأسباب عدة؛ منها: مناورات الأتراك الذين رفضوا الاشتراك في المؤتمر أوَّلًا، ثم تمسكوا بهذا الرفض مرة أخرى بعد تشكيل وزارة إسماعيل باشا بدعوى أن النظام قد صار مستتبًّا في مصر، ولا مبرر الآن لوجود المؤتمر، فلم يقبلوا الاشتراك في المؤتمر إلا في يوم 19 يوليو بعد أسبوع من ضرب الإسكندرية، ومنها: مناورات ألمانيا أو بالأحرى البرنس بسمارك الذي عزا إليه «فرسينيه» أنه كان يخشى من ازدياد نفوذ فرنسا في القسطنطينية، ومنها: تمسك فرنسا بضرورة إقرار «الشروط» التي تحدد نوع التدخل العسكري العثماني ومداه؛ حتى تَحُول — كما قالت — دون عودة مصر إلى مجرد إيالة عثمانية، وعلى نحو ما كان عليه الوضع قبل الفرمانات (1841–1873م).
وهكذا حتى يوم 2 يوليو لم يكن قد تعدى بحث المؤتمر مسألة: «الغرض الذي يمكن تحقيقه من تدخل تركي مسلح في مصر». وفي 6 يوليو بلغ المؤتمر مرحلة تقرير دعوة السلطان العثماني لإرسال جنود عثمانيين إلى مصر تحت شروط معينة، وعلى أنه يتضمن هذه الشروط اتفاق لاحق بين الدول الست المشتركة في المؤتمر؛ إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا وروسيا.
وحاول السلطان إقناع الحكومات الأوروبية بأن تترك له حرية العمل لإنهاء الأزمة المصرية بالشكل الذي ينال رضاء الدول، ولكن دون جدوى؛ لأن الحكومة الإنجليزية صارت لا تثق في وعوده، لا سيما وأن مسلك درويش باشا في القاهرة كان يثير لديها الشك والريبة في مقصد تركيا؛ واعتقدت إنجلترا أن الباب العالي ممالئ للعرابيين.
ولم تفد حماقة أخرى ارتكبها الباب العالي، بقصد بذر بذور التفرقة بين الدول، عندما أبرق منذ 25 يونيو إلى لندن، يُخَوِّل إنجلترا الحق منفردة بالسيطرة على الإدارة في مصر، فقد قوبل ذلك بالرفض القاطع من جانب الحكومة الإنجليزية؛ لأن سياستها حتى هذا الوقت كانت قائمة على العمل المشترك، وضد القيام بأي عمل أو تدخل انفرادي من جانبها أو من جانب أية دولة أخرى، ولا تجيز إلا تدخلًا «مسلحًا» يأتي من جانب تركيا وحدها فقط و«منتدبة» من الاتحاد الأوروبي.
وحينما كان مؤتمر الآستانة يتعثر في أعماله، كانت الأمور تسير مسرعة لجعل الإنجليز ينفردون بضرب الإسكندرية.
ففي 3 يونيو 1882م أبلغ (بوشامب سيمور) الأميرالية البريطانية بأن الطوابي تقام بالإسكندرية لاستخدامها ضد الأسطول الإنجليزي.
وفي 28 يونيو أبلغ «كارتريت» (Cartwright) «الذي ناب عن مالت أثناء غيابه عن مصر لمرضه»، اللورد جرانفيل أن وزارة إسماعيل باشا تصادف صعوبات عظيمة في محاولتها أن تكبح جماح العنصر العسكري في الوزارة (أي أحمد عرابي) وأن راغب باشا قد أيأسه عدم نجاحه هذا، وأنه (أي راغب باشا) يجد الضباط مشغولين بالاستعدادات العسكرية عن الالتفات بجد لما يقتضيه الواجب من اتخاذ إجراءات تعيد الثقة والطمأنينة إلى النفوس، أو لاتخاذ ما يلزم من خطوات جديدة لإقامة النظام وإنشاء حالة عادية.
وفي 3 يوليو أصدرت الحكومة الإنجليزية تعليماتها إلى «بوشامب سيمور» بأنه إذا لم يقف العمل في إقامة الطوابي فورًا، فهو مُخَوَّل بهدمها وإسكات البطريات إذا أطلقت هذه النار عليه.
وفي 4 يوليو أبلغ اللورد ليونس السفير الإنجليزي في باريس هذه التعليمات المعطاة إلى بوشامب سيمور، إلى المسيو «دي فرسينيه»، وسأله — بناءً على تعليمات حكومته — أن يبعث تعليمات مشابهة لها إلى «كونراد» (Conrad) أميرال الأسطول الفرنسي بالإسكندرية.
ولكن وزارة «فرسينيه» اعتبرت أن في إرسالها تعليمات مشابهة إلى الأميرال «كونراد» تسليمًا منها لإملاء سياسة أو خطة معينة عليها من جانب الحكومة الإنجليزية؛ فقرَّرت إذا حصل اشتباك أو قام الأسطول الإنجليزي بضرب طوابي الإسكندرية أن يغادر الأسطول الفرنسي الإسكندرية مع عدم الابتعاد عن المياه المصرية، فيذهب إلى بور سعيد لاستخدامه في المحافظة على قناة السويس. وفي 5 يوليو أرسلت الحكومة الفرنسية تعليماتها في هذا المعنى إلى «كونراد». وفي اليوم نفسه أبلغ «فرسينيه» اللورد «ليونس» أنه إذا قام «بوشامب سيمور» بضرب الإسكندرية، فلن يشترك الأسطول الفرنسي معه في ذلك.
وفي 6 يوليو أرسل «بوشامب سيمور» بلاغه الأول إلى طلبة باشا عصمت قومندان الموقع بالإسكندرية، بأن يكف عن أعمال التحصينات الجارية في الطوابي، فأجابه طلبة عصمت بأنه لم يُوضع بها أي مدفع جديد، ولم يجرِ فيها أي عمل جديد.
وفي 9 يوليو استُؤنف العمل في الطوابي، ورُكبت مدافع جديدة في طابية السلسلة.
وفي صبيحة 10 يوليو أرسل «بوشامب سيمور» إنذارًا نهائيًّا إلى طلبة عصمت، بتسليم الطوابي المُقامة على بوغاز الإسكندرية الجنوبي، وإلا ضرب الطوابي في صباح 11 يوليو، وفي صبيحة اليوم نفسه أنذر القناصل بالإسكندرية بأنه سوف يبدأ الضرب بعد 24 ساعة إذا امتنع طلبة عصمت عن تسليم الطوابي.
في 10 يوليو قابل في باريس اللورد ليونس المسيو فرسينيه، وأبلغه فحوى بلاغ الأميرال بوشامب سيمور إلى طلبة عصمت؛ قائلًا إن الباعث على هذا الإنذار أو البلاغ، هو استئناف أعمال التحصينات من جديد.
ولكن جواب «فرسينيه» كان: إن المعلومات التي وصلت من الأميرال «كونراد»، والقنصل الفرنسي الجديد المسيو فورج (de Vorges)، الذي خلف «سنكويتش»، حملت نفس الخبر؛ ولكنها لم تذكر شيئًا عن استئناف العمل في الطوابي.
وفي صبيحة 11 يوليو عندما لم يُجب «بوشامب سيمور» إلى طلبه، بدأ ضرب الإسكندرية.
•••
ثم تلاحقت الحوادث بعد ذلك؛ فأحرق سليمان سامي داود الإسكندرية في 12 يوليو، وفي مساء اليوم نفسه كان قد تم انسحاب الجيش من الإسكندرية وغادرها عرابي. وفي 20 يوليو أقال الخديوي عرابي من الوزارة. ولكن الشعب «أعيانه ووجوهه» قرَّروا مواصلة الدفاع عن البلاد إلى النهاية بزعامة عرابي؛ فاشتركت الأمة بأسرها في النضال ضد الإنجليز، وتَحَصَّن عرابي بجهة كفر الدوار، فتحوَّل الإنجليز الذين كانوا قد احتلوا الإسكندرية في 13 يوليو إلى مهاجمة البلاد عن طريق قناة السويس، وهي المنطقة التي تركها عرابي مكشوفة؛ اعتمادًا على تعهد فردنند دلسبس له بالمحافظة على حيدة القناة، وهو التعهد الذي أقنع عرابي بأن الفرنسيين سوف يدافعون عن مصالحهم، ولا تسمح فرنسا أن يقتحم الإنجليز قناة السويس، ولكن هؤلاء الأخيرين سرعان ما اقتحموا قناة السويس بالرغم من احتجاجات «دلسبس»، واحتلوا السويس بأمر من الخديوي دون مقاومة في أوائل أغسطس 1882م. وفي 14 سبتمبر هزموا جيش عرابي في واقعة التل الكبير. وفي 15 سبتمبر 1882م احتلوا القاهرة، فكانت بداية الاحتلال البريطاني.
ولقد دافع «فرسينيه» عن خطته الفاسدة وامتناعه عن الاشتراك مع الإنجليز في «العمل المادي» في اللحظة الحاسمة، عندما صار «بوشامب سيمور» يخشى من أعمال التحصينات الجارية، فقال:
ومن غير التشكك في صدق «بوشامب سيمور» عندما أبدى مخاوفه، من حقي أن أقول إن المعلومات التي بلغتنا لم تكن منذرة بالخطر بالدرجة التي تجعل الظروف القائمة عملية الضرب لا تبدو عملًا عدوانيًّا، أكثر منه عملًا دفاعيًّا، فهل كان الواجب علينا إذا استدعى الموقف أن يقع الضرب، أن نشترك فيه؟ هناك سببان صرفانا عن ذلك؛ فمن جهة أَلَّا يكون معنى الاشتراك أننا قد تخلينا عن التعهدات التي أُعطيت في «مؤتمر الآستانة»، وبمقتضى هذه التعهدات يمتنع العمل الفردي أو المنعزل، على الأقل ما دامت أرواح «رعايانا» غير معرَّضة للخطر؟ ثم إنه لم يحدث في هذا الظرف ما يهدد هؤلاء الرعايا، وبدلًا من تأمينهم، فإن عدوانًا لا مبرر له من شأنه أن يعرضهم لفورة التعصب الإسلامي؛ ومن جهة أخرى، إن أبسط قواعد الحكمة لتقتضي عند الإقدام على مغامرة كهذه أن يكون المرء لديه جنود لإنزالهم إلى البر؛ وذلك لوقف أو للقضاء على ما قد يميل إلى ارتكابه من الأعمال المتطرفة الجنود المصريون أو البدو العربان أنفسهم، ولكن للأسف كان يعوزنا هؤلاء الجنود، فالأساطيل (الأسطول الإنجليزي والأسطول الفرنسي) التي كانت متجمعة للقيام بمظاهرة بحرية بسيطة لم تكن مزودة بالذخائر الكافية، وحتى السفن الإنجليزية الأخيرة المرسلة من جبل طارق لم تكن قد وصلت (أو أحضرها) الإنجليز بعد، وفي هذه الظروف كان الضرب الذي أرادته الوزارة البريطانية محفوفًا بالمخاطر الجسيمة على الأوروبيين.
وكان هذا أوهى دفاع أمكن أن يتقدم به سياسي يريد انتحال الأعذار السقيمة لتبرير سياسته الفاشلة!
الاكثر قراءة في الاحتلال العثماني للوطن العربي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)