قال الله الحكيم في كتابه الكريم: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ولكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ[1]
التدريس هو التعليم بنحو خاصّ يتقارن به مع الكتابة. وهو أخصّ من مطلق التعليم على ما أفاده سماحة استاذنا الأكرم العلّامة الطباطبائيّ، إذ قال: والدِّرَاسَةُ أخَصُّ مِنَ التَّعْلِيمِ، فَإنَّهُ يُسْتَعْمَلُ غَالِباً فِيمَا يُتَعَلَّمُ عَنِ الكِتَابِ بِقَراءَتِهِ.[2]
أصل الكتاب ما تحقّق بالكتابة، وتدريس كتابٍ ما كان مقروناً بكتابته وتعليمه مكتوباً. فللكتابة إذن دور مهمّ ومؤثّر في التدريس والتعليم.
يقول الله تعالى في هذه الآية المباركة: إنّ مهمّة الأنبياء الذين آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يعلّموا الناس قراءة الكتاب والأحكام وتعليمهما وتدريسهما عبر إعداد الأساتذة والمربّين الإلهيّين الذين تمرّسوا على كتابهم وزاولوا تدريسه وتعليمه.
إن العلماء الربّانيّين الذين تلقّوا الدروس التربويّة والتعليميّة من الأنبياء العظام بواسطة تدوين الكتب السماويّة ومساهمتهم الدائمة في تعليمها وتدريسها يقودون الناس نحو طريق السعادة. فالسبيل الوحيد لهداية الناس عن طريق الأنبياء هم العلماء الذين يكونون في الوسط، وعملهم يتمثّل في تنوير أذهان الناس عامّتهم بحقائق الدين من خلال كتابة الآيات القرآنيّة ودراستها. وتتحقّق هذه المهمّة بواسطة تدريس الكتاب وتعليمه الذي يستلزم الكتابة.
ونلاحظ في القرآن الكريم كثرة استعمال اسم الكتاب، والكتب، والمفردات المشتقّة من مادّة الكتابة. وكأنّ عنوان الكتابة بخاصّة مؤثّر في إيصال التعليمات وتفهيمها مضافاً إلى تدريس العلوم ودراستها.
وقد عدّ القرآن الكتابة من اللوازم المهمّة في بعض الأحكام، بل أمر بها. ونقرأ في الآيتين 282 و283 من سورة البقرة إستعمال الكتابة في عشرة مواضع منهما.
يَا أيّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إذا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، ولْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ، ولَا يَأبَ كَاتِبٌ أن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ، ولْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ، الْحَقُّ ولْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ، ولَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئا، فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً، أوْ ضَعِيفًا، أوْ لَا يَسْتَطِيعُ أن يُمِلَّ، فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ، واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ، مِن رِّجَالِكُمْ، فَإن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتَانِ، مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ، أن تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الاخرَى ولَا يَأبَ الشُّهَدَاءُ إذا مَا دُعُوا، ولَا تَسْئَمُوا أن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا، أوْ كَبِيرًا، إلى أجَلِهِ ذَالِكُمْ أقْسَطُ عِندَ اللهِ وأقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأدْنَى ألَّا تَرْتَابُوا إلَّا أن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألَّا تَكْتُبُوهَا، وأشْهِدُوا إذا تَبَايَعْتُمْ، ولَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ، ولَا شَهِيدٌ، وإن تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ، واتَّقُوا اللهَ، ويُعَلِّمُكُمُ اللهُ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَإن كُنتُمْ على سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ، مقْبُوضَةٌ، فَإنْ أمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الذي اؤْتُمِنَ أمَانَتَهُ، ولْيَتَّقِ اللهِ رَبَّهُ، ولَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ، ومَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ، واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
1- إذا داين بعضكم بعضاً إلى مدّة معيّنة، فعليكم أن تكتبوا تلك المدّة.
2- ويجب أن يكتب بينكم كاتب بالسويّة لا يزيد ولا ينقص.
3- ولا يمتنع أحد من الكُتّاب فيضنّ بهذه الموهبة التي علّمه الله أيّاها، فعليه أن يكتب.
4- وعلى المدين أن يُملي مقدار الدَّين على الكاتب، والكاتب يكتب من قبله على مسؤوليّته.
5- وينبغي أن يتحلّى المملي أو الكاتب أو منظّم السند بالتقوى.
6- ولا يُنقص من الدَّين المقرّر والمعهود شيئاً.
7- وإذا كان المدين (الذي عليه أن يسدّد الدَّين في رأس المدّة المعيّنة) سفيهاً (ناقص العقل مبذّراً).
8- أو ضعيفاً (صبيّاً أو شيخاً مختلًّا).
9- أو غير مستطيع للإملال بنفسه (لخرس أو جهل باللغة).
10- فحينئذٍ على من يلي أمره ويقوم مقامه أن يُملي هو بنفسه.
11- واطلبوا أن يشهد على الدَّين شاهدان.
12- من رجال المسلمين!
13- فإن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان.
14- من الشهداء الذين ترضونهم وتعلمون بعدالتهم.
15- (امرأتان بدل رجل واحد) لأجل أنّ إحداهما إن ضلّت الشهادة بأن نسيتها ذكّرتها الاخرى. ولا يمتنع الشهداء إذا ما دُعوا إلى الشهادة.
16- ولا تملّوا من كثرة مديناتكم أن تكتبوا الدَّين أو الحقّ والكتاب سواء كان صغيراً.
17- أم كبيراً.
18- إذ إنّ (لكتابة السند وتنظيمه ثلاث فوائد مهمّة:) أكثر قسطاً عند الله، وأثبت للشهادة وأعون على إقامتها، وأقرب في أن لا تشكّوا في جنس الدَّين وقدره وأجله أو الشهود ونحو ذلك، إلّا أن تتبايعوا يداً بِيَد فلا بأس أن لا تكتبوا.
19- وأشهدوا إذا تبايعتم.
20- ولا ينبغي للكاتب.
21- والشاهد.
22- أن يضارّا (بواسطة ترك الإجابة والتحريف والتغيير في الكتابة والشهادة)، (أو النهي عن الضِّرار بهما مثل أن يعجلا عن مهمّ ويكلّفا الخروج عمّا حدّ لهما). ومضارّة الكاتب والشاهد خطأ وانحراف.
23- أنتم تفعلونه. فاتّقوا الله في جميع هذه المسائل وكونوا في كلأه. والله بكلّ شيء عليم.
24- وإذا كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتباً فعليكم رهان.
25- مقبوضة.
26- تصل إليكم! وإذا أمن بعضُ الدائنين بعضَ المديونين (واستغنى بأمانته عن الارتهان) فعلى الشخص المديون الأمين الذي تنازل عن الرهان لائتمانه أن يسدّد الدَّين الذي هو أمانة عنده لدائنه في المدّة المقرّرة، ويوفّيه حقّه.
27- وليتّق الله ربّه (ولا يخن في أدائه في الوقت المعيّن، وفي مقداره).
28- ويحرم عليكم أيّها المسلمون أن تكتموا الشهادة (وتخفوها عند أدائها وتمتنعوا من إظهارها والتحدّث بها).
29- إذ إنّ من كتم الشهادة وامتنع من إبرازها عند الحاجة فإنّ قلبه آثم؛ والله بما تعملون عليم.
والتفسير المجمل لهذه الآيات المباركة -كما يلاحظ- مقتطف من تفسير القاضي البيضاويّ.[3]
وتعدّ الآية الأولى أطول آية في القرآن الكريم. وتشغل صفحة تامّة من المصاحف المطبوعة طباعة حديثة بلا خطأ، والمتّصفة بعدّة مزايا.
وتبيّن هذه الآية ثلاثة وعشرين حُكماً من الأحكام المرتبطة بمسائل التجارة، وكيفيّة الاستقراض والمعاملات المعلومة الأجل، وأحكام الشهادة، وشروط الشاهد، ولزوم البيع بالرهن عند عدم إمكان تنظيم السند والكتابة. وهذا هو ما أورده الحقير مرقّماً. أمّا الآية الثانية فإنّها تبيّن ستّة أحكام من أحكام تلك المسائل، فيكون مجموعها تسعة وعشرين حُكماً.
[1] «الآية 79، من السورة 3: آل عمران.
[2] «الميزان في تفسير القرآن» ج 3، ص 304.
[3] «تفسير البيضاويّ» ج 1، ص 187 إلى 190، الطبعة القديمة ذات الجزءين، دار الطباعة العامرة بمصر.