نلاحظ أنّ الآيات ذكرت الكتابة وكيفيّة تنظيم السند ولزوم ذلك وأهمّيّته في المعاملات، وأكّدت أنّ الكتابة ضروريّة جدّاً لإحكام المعاملات والمبادلات المعيّنة الأجل ورصانتها وصحّتها.
ويمكن أن تدلّنا هذه الآيات على ضرورة تأسيس مديريّة عامّة للسندات وتسجيل السندات والأملاك الجزئيّة. وبصورة عامّة نشاهد أنّ اصول المعاملات المعتمدة على الأسناد والوثائق، والتنظيم، والكتابة، والتوقيع، والتوشيح من السلطات الرسميّة العليا مأخوذة من هاتين الآيتين. وإذا ضممنا إليهما بعض الآيات الاخرى، فإنّنا نستطيع أن نعرض جميع سياسات المدن والقوانين الاجتماعيّة بصورة مدوّنة واسعة مفصّلة. وقد اضطلع فقهاء الشيعة العظام بهذه المهمّة، وأدّوا ما عليهم بإحسانٍ حقّاً، شَكَرَ اللهُ مَسَاعِيَهُمُ الجَمِيلَةَ ومَبَانِيَهُمُ المُنِيفَة.
بَيدَ أنّ كلامنا الآن لا يدور حول هذا الموضوع، وإنّما ذكرنا الآيتَين المتقدّمتين للاستشهاد فحسب حتى تستبين أهمّيّة الكتابة التي هي مدار بحثنا من منظور إسلامي؛ ويتّضح اهتمام القرآن الكريم والنبيّ العظيم صلى الله عليه وآله بها وأمرهما بمزاولتها وتأكيدهما لزومها وضرورتها في مواضع عديدة إلى درجة أنّنا يمكن أن نعدّ الكتابة قاعدة من القواعد التي تقوم عليها المسائل الدينيّة. ولو لا الكتابة لما أمكن إنجاز كثير من تلك المسائل.
يقول المؤرّخ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت المعروف بالخطيب البغداديّ: في وصف رسول الله صلى الله عليه و آله الكتابَ أنّه قيد العلم دليل على إباحة رسمه في الكتب لمن خشي على نفسه دخول الوهم في حفظه، وحصول العجز عن إتقانه وضبطه. وقد أدّب الله سبحانه عباده بمثل ذلك في الدَّين فقال عزّ وجلّ: ولا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا[1]
فلمّا أمر الله تعالى بكتابة الدَّين حفظاً له، واحتياطاً عليه، وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حِفْظُهُ أصعب من حِفْظِ الدَّين أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه. بل كتابة العلم في هذا الزمان مع طول الإسناد، واختلاف أسباب الرواية أكثر حاجة للحفظ.
ألا ترى أنّ الله عزّ وجلّ جعل كتابة الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم عوناً عند الجحود، وتذكرةً عند النسيان؟! وجعل في عدمها عند المموّهين بها أوكد الحجج ببطلان ما ادّعوه فيها؟!
فمن ذلك أنّ المشركين لمّا ادّعوا بهتاناً اتّخاذ الله سبحانه بناتٍ من الملائكة أمر الله نبيّنا صلى الله عليه وآله أن يقول لهم: فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.[2] ولمّا قالت اليهود: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ،[3] وقد استفاض عنهم قبل ذلك الإيمان بالتوراة، قال الله تعالى لنبيّنا صلى الله عليه وآله: قل لهم: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيراً. فلم يأتوا على ذلك ببرهان؛ فأطلع الله على عجزهم عن ذلك بقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ. وقال تعالى رادّاً على متّخذي الأصنام آلهةً من دونه: أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.[4] والأثارة والأثرة راجعان
في المعنى إلى شيء واحد، وهو ما اثر من كتب الأوّلين.
وكذلك سبيل من ادّعى علماً أو حقّاً من حقوق الأملاك أن يقيم دون الإقرار برهاناً، إمّا شهادة ذوي عدل، أو كتاباً غير مموّه، وإلّا فلا سبيل إلى تصديقه.
والكتاب شاهد عند التنازع كما أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمّد بن عبد الله بن زياد القطّان، حدّثنا إسماعيل بن إسحاق، حدّثنا عبد الله بن مسلمة، حدّثنا سليمان بن بلال عن عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير أنّ مروان بن الحكم خطب الناس فذكر مكّة وأهلها وحرمتها؛ فناداه رافع بن خديج، فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكّة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها؛ وقَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ مَا بَيْنَ لَا بَتَيْهَا.[5] وذَلِكَ عِنْدَنَا في أدِيمٍ خَوْلَانِيّ إنْ شِئْتَ أقْرَأتُكَهُ!
قال نافع: فسكت مروان؛ ثمّ قال: قد سمعتُ بعض ذلك.
[1] الآية 282، من السورة 2: البقرة.
[2] الآية 157، من السورة 37: الصافّات.
[3] الآية 91، من السورة 6: الأنعام. وتمام الآية: ومَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أنزَلَ اللهُ عَلَي بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أنزَلَ الْكِتَابَ الذي جَاءَ بِهِ موسى نُوراً وهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ وقَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وتُخْفُونَ كَثِيراً وعُلِّمْتُم ما لَمْ تَعْلَمُوا أنتُمْ ولآ آبَآؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ.
[4] الآية 4، من السورة 46: الأحقاف.
[5] قال الفيروزآباديّ في «القاموس» ج 1، ص 129: وحرّم النبيّ صلى الله عليه وآله ما بين لَابَتَي المدينة، وهما حرّتان تكتنفانها. أقول: والحَرَّة: الأرض ذات حجارة نَخِرَةٍ سُود كأنّها احرقت بالنار. ج حَرَّات وحَرَا وأحَرُّون وحَرُّون.