

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
تكييف الوفاق
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 472 ــ 481
2026-04-20
24
قُوبل في مصر هذا الوفاق الثنائي بعاصفة استنكار شديدة. وسخطت الصحف العربية على ما اعتبرته سلبًا لحقوق مصر «الإدارية» في السودان، وقالت إنه مقدمة لاستيلاء الإنجليز على السودان ذاته. وزاد السخط عندما قامت الحكومة المصرية (يوم 29 يناير 1899م) بتسديد مبلغ 215000 جنيه إلى الحكومة الإنجليزية قيمة نفقات الجنود الإنجليز في حملة السودان في واقعتَي العطبرة وأم درمان. وكتب أحمد شفيق باشا تعليقًا على ذلك: «وقد كان لمطالبة الحكومة الإنجليزية بهذا المبلغ الذي زعمت أنها من أجل إنفاقه ومن أجل الحملة التي أنفق عليها قد أصبحت شريكة مصر في السودان؛ صدى دهشة. ولكن هذه التصرفات كانت تتكرر تباعًا بحيث لم يبقَ مجال للدهشة بعد.»
أما الصحف الفرنسية في مصر فقد حملت حملةً عنيفة على الاتفاق خصوصًا «لوفارد لكسندري» (Le Phare d’Alexandrie)، و«لونيل» (Le Nil)، «لاريفورم» (La Reforme)، «لوكورييه دوريان» (Le Courrier d’Orient)، «لوجورنال إجيبسيان» (Le Journal Egyptien) وعنفت جريدة «لوجورنال إجيبسيان»، حتى إنها عُطلت في 25 يناير 1899م بسبب اللهجة الشديدة التي تحدثت بها عن السودان.
وكان حينئذٍ أن أخذ كثيرون من رجال السياسة والقانون يبحثون في مشروعية هذا الوفاق الثنائي نفسه.
ويبدأ البحث في مشروعية الوفاق الثنائي بمحاولة تحديد «الوضع السياسي» في السودان أيام المهدية عندما كان الدراويش يحكمون السودان فعلًا، ولهم كل السلطة عليه. فقد اعتبر فريق أن السودان في عهد سيطرة المهدية بلادٌ لا حكومة بها ولا سيد لها، وأرض مباحة لا يملكها أحد، بينما اعتبر فريق آخر أنها جزء لا يتجزأ من مصر (أو من الخديوية)، وأنها لذلك جزء لا يتجزأ من الإمبراطورية العثمانية، وأن الذي حدث بسبب المهدية أن صار يحتل هذه الأراضي جيش ثائر على صاحب السلطان الشرعي. ففي الحالة الأولى تكون القوات المصرية البريطانية الزاحفة على السودان قد افتتحت هذه البلاد، بينما في الحالة الثانية لا يعدو هذا التعاون العسكري أن يكون بكل بساطة عملًا المقصود منه إخماد الثورة وإعادة الاحتلال؛ أي استرجاع الأراضي التي اعتُبرت دائمًا من أملاك الدولة العثمانية.
وترتب على كلٍّ من هذين الاعتبارين نتائج قانونية معينة؛ ففي الحالة التي تُعتبر فيها حقوق السيادة العثمانية قائمة خلال الثورة المهدية، فإن إنشاء نظام سياسي جديد للسودان من غير التشاور مع السلطان العثماني صاحب السيادة الشرعية العليا على هذه البلاد أو نيل موافقته إنما هو إجراء لا يتفق مع ما جرى به العمل قانونًا في العادة. وبالعكس من ذلك إذا كانت الثورة المهدية أزالت كل حقوق السيادة التي يمارسها السلطان عن طريق مصر، وأن السلطة التي بقيت بالبلاد هي تلك التي تمارسها القبائل المختلفة تحت حكم الخليفة التعايشي، فهناك إذن ما يبرر تأسيس نظام جديد للحكم والإدارة بدون حاجة للحصول على موافقة السلطان العثماني.
ومن المعروف — وكما رأينا في هذه الدراسة — أن بريطانيا في سنوات المهدية الأولى، وحتى حوالي سنة 1895م كانت تعتبر السودان «ملكًا مباحًا» (Res nullius)، ولا صاحب له؛ أي أرضًا كانت من أملاك الدولة العثمانية، ولكنها خرجت من حوزتها، ولم يبقَ أي أثر فيها للسيطرة العثمانية. وكان على أساس هذا الاعتبار أن أبرمت إنجلترا مع ألمانيا في أول يوليو 1890م ذلك الاتفاق الذي ذكرناه عند الكلام في موضوع «حاجز لادو»، وقلنا: إن الغرض منه تحديد مناطق النفوذ بين ألمانيا وإنجلترا في أفريقيا، وأدخلت بمقتضاه إنجلترا في دائرة نفوذها أجزاء من مديرية خط الاستواء المصرية القديمة. وكان على أساس هذا الاعتبار كذلك أن أبرمت إنجلترا مع إيطاليا «بروتوكول» روما في 5 مايو 1891م لتعيين مناطق النفوذ في أفريقيا الشرقية؛ وبموجبه أُعطيت هرر إلى إيطاليا، بينما أخذت بريطانيا زيلع وبربرة (أي دخلتا في منطقة نفوذها نهائيًّا) وكلها من أملاك مصر في السودان. ولعل أكبر مظهر لاعتبار بريطانيا السودان ملكًا مباحًا لا صاحب له؛ هو إبرام المعاهدة الإنجليزية الكونغولية في 12 مايو 1894م التي أوجدت «حاجز لادو»، والذي استأجره ليوبولد الثاني ملك بلجيكا من إنجلترا، في حين استأجرت ولاية الكونغو الحرة قسمًا آخر من الأراضي التي كانت من أملاك مصر في مديريتَي بحر الغزال وخط الاستواء. وزيادة على ذلك فقد اعترفت هذه المعاهدة بامتداد النفوذ الإنجليزي على المنطقة ذاتها التي اعترفت بها المعاهدة الإنجليزية الألمانية التي أشرنا إليها (في أول يوليو 1890م)، والواقعة تحت النفوذ الإنجليزي.
على أن موقف إنجلترا لم يلبث أن تغير عندما اتضح في سنة 1896م أن فرنسا مصممة على الوصول إلى حوض النيل الأعلى، بالصورة التي أفضت إلى بلوغ الكولونيل «مارشان» فاشودة في الظروف التي مرَّت بنا، فقد قررت الحكومة البريطانية منذ 1896م مساعدة مصر على استرجاع السودان. وفي 2 سبتمبر 1898م انهزم الدراويش في واقعة أم درمان، وسقطت نهائيًّا حكومة الخليفة عبد الله. وفي 21 سبتمبر 1898م وصل كتشنر إلى فاشودة، فكان حادث فاشودة الذي تكلمنا عنه، وأوضحنا أن إنجلترا في مطالبتها الفرنسيين بالانسحاب من فاشودة استندت إلى حقوق مصر في السيادة على السودان؛ وهكذا تنازلت إنجلترا عن موقفها السابق من حيث اعتبار السودان «ملكًا مباحًا»؛ وأعلنت أنها إنما تحتل السودان ليس فقط ارتكازًا على حق الفتح — وقد تمسكت بهذا الحق — بل وكي يتسنَّى لمصر ممارسة الحقوق المشروعة التي لها في السيادة على السودان، وأن هذه الأراضي كانت في الماضي من أملاك مصر، فاسترجعها آلاف من جنود الخديوي بالاشتراك مع الجنود البريطانيين. ولذلك فالحقوق القديمة إنما تسترد قوتها، وتنبعث فيها الحياة من جديد، ثم يزيد عليها حق الفتح كذلك. وعلى هذا الأساس رفضت إنجلترا أن تسمح لفرنسا باحتلال جزء من أقاليم النيل العليا، وطلبت انسحابها من فاشودة.
ولقد كان من المتعذر على فرنسا دفع هذه الدعاوى التي تقدمت بها إنجلترا؛ حيث إن الحكومة الفرنسية كانت نفسها تنفي بشدة نظرية «الملك المباح»؛ أي إنها كانت تنفي أن السودان بسبب الثورة المهدية وإخلاء المصريين له قد صار أرضًا لا صاحب لها ولا حكومة قائمة بها؛ بل بقيت مصر صاحبة الحقوق الشرعية عليها، وكان على هذا الأساس — كما ذكرنا في موضعه — أن عارضت فرنسا المعاهدة الإنجليزية الكونغولية (في 12 مايو 1894م) السالفة الذكر. ثم إن وزير خارجيتها «هانوتو» (Hanotaux) كان قد أعلن في سنة 1895م أن السودان لا يزال تحت سيادة السلطان العليا، وأن الخديوي هو صاحب الحكم الشرعي فيه.
ولكن من المسلَّم به في نظر فريق من القانونيين، وفي مقدمتهم «فرنون أرورك» (Vernon O’Rourke)، أنه من المتعذر اعتبار السيادة العثمانية قائمة على السودان في حين أن الدراويش ظلوا يحكمون السودان حوالي خمسة عشر عامًا؛ أي مدة كانت كافية لإزالة أية بقايا للسيادة العثمانية هناك. لقد نجح السودانيون في ثورتهم على مصر، وكان نجاحهم كبيرًا لدرجة أنهم حاولوا غزو مصر نفسها، ولم يوقف هذا الغزو غير تدخل الإنجليز. ثم إن المهديين لم يحكموا السودان فحسب بدون أي تدخل من الخارج في شئونهم، بل إنهم أوقعوا بالأحباش هزيمة بالغة — في واقعة القلابات في 9 مارس 1889م — عندما كان الأحباش يزحفون على بلادهم. وهذا وحده يكفي لإنهاء كل سيادة للعثمانيين على السودان. أضف إلى هذا أن شيئًا من الأوامر التي يصدرها السلطان العثماني أو الخديوي لم يكن يتنفذ في السودان. ولم يكن في وسع السلطان أو الخديوي تحصيل أية ضرائب في هذه البلاد، أو فرض أية إتاوات أو مطالب أخرى عليها، بل إن الزعماء المحليين والخليفة عبد الله هم الذين كانوا يفرضون الضرائب ويحصلونها، وهم الذين كانت أوامرهم أو القوانين التي يسنونها هي النافذة، وبدلًا من أن يعمل الدراويش بالتعليمات التي تصدر من القاهرة ساروا على سياسة كانت مناقضة تمامًا لمصالح مصر وتركيا. وكان من رأي «أرورك» أن الدراويش نجحوا ليس فقط في اقتلاع السيادة العثمانية «والمصرية» من جذورها بل وفي إنشاء «سيادة سودانية» قانونية حلت مكان السيادة العثمانية المنتهية؛ ويقول «أرورك»: إن مصر نفسها قد اعترفت بوجود الحكم الذي أنشأه الخليفة عبد الله، ولو أنه اعتراف جزئي؛ وذلك عندما قرر مجلس النظار المصري أثناء عنفوان سيطرة الخليفة في 26 أبريل 1888م جعل الحدود المصرية تقف عند نقطة في شمال الأراضي التي يحتلها الدراويش. وزيادة على ذلك فقد أرسلت الحكومة المصرية (في مايو 1886م) إلى وادي حلفا يوسف باشا شُهدي للمفاوضة مع الدراويش؛ كي يحاول منع زحفهم لغزو مصر.
وناقش «أرورك» وفاق (أو اتفاقية) الحكم الثنائي في ضوء هذه الاعتبارات التي ذكرناها؛ لمعرفة نوع أو طبيعة الحال الذي وصل إليه الذين عقدوا هذه الاتفاقية لتسوية مشكلة السيادة، هل اعترفوا بالمطالب العثمانية (أي بحقوق تركيا في السيادة)، فأنشئوا للسودان وضعًا أساسيًّا على هذا الأساس وحده؛ أو أنهم اعتبروا السودان ملكًا مباحًا ولا صاحب له، وبلدًا لكل من يشاء ويقدر على ذلك أن يغزوه ويفتحه؟ وفي رأي «أرورك» تعترف مقدمة الوفاق بهاتين النظريتين، فالحيثية الأولى في مقدمة الوفاق تقول: إن بعض أقاليم السودان خرجت عن الطاعة الخديوية؛ فهي لذلك تعتبر أن السودان بقي جزءًا لا يتجزأ من مصر، وبناء عليه بقي جزءًا لا يتجزأ كذلك من الدولة العثمانية، ومن ناحيةٍ أخرى فإن الحيثية الثالثة في المقدمة تقول: إن لحكومة جلالة ملكة بريطانيا مطالب مترتبة على ما لها من حق الفتح، ولا جدال في أنه يتعذر الملاءمة بين اعتبار السودان في حالة ثورة وقتية ضد مصر، واعتباره ملكًا مباحًا تستطيع أية دولة أن تغزوه وتفتحه. ولذلك فلا مفر من الاختيار بين هذين الاعتبارين. وفي رأي «أرورك» أن اتفاقية 1899م بالرغم من التصريحات المتناقضة التي جاءت في مقدمتها — والتي أعلنها الطرفان المتعاقدان — إنما تقوم في الحقيقة على أساس اعتبار السودان ملكًا مباحًا وأرضًا لا صاحب لها، ويبني «أرورك» هذا الرأي على أن السودان كان قبل الثورة المهدية تابعًا لتركيا، وعلى أنه صار بعد الوفاق الثنائي من أملاك بريطانيا وتركيا — ومصر تنوب عن السلطان العثماني في هذه الحالة — وذلك تغيير جوهري ولا يمكن تفسيره إلا بقبول نظرية «الملك المباح»؛ ذلك بأن إنجلترا ما كانت تستطيع أن تطلب المساهمة «المشاركة» في امتلاك السودان — وعلى نحو ما فعلت في اتفاقية 1899م — لو أن الاضطرابات التي قامت به أخذت شكل ثورة وقتية فقط، وبقيت تركيا صاحبة السيادة القانونية على السودان.
وانتقل «أرورك» من موضوع السيادة — وهو يخص النظام الدستوري والإداري للحكم أو الوضع السياسي في السودان — إلى موضوع آخر لا يقل عنه أهمية في نظر القانون الدولي خصوصًا، هو مشروعية الوفاق الثنائي نفسه من عدمه؛ أي معرفة ما إذا كان هذا الوفاق غير صحيح من الناحية القانونية باعتبار أن مصر دخلت في معاهدة أو كانت طرفًا ثانيًا في وفاق سنة 1899م من غير أن تنال موافقة صريحة من تركيا صاحبة السيادة الشرعية عليها تجيز لها إبرام هذا الاتفاق. ومن المعروف أن تركيا ليست فقط لم تعطِ هذه الموافقة، بل إنها احتجت على هذا الوفاق. أضف إلى هذا أن الفرمان الصادر إلى محمد توفيق في 1879م (19 شعبان 1296ﻫ) نص على «أن الامتيازات التي أُعطيت إلى مصر هي جزء من حقوق دولتنا العلية الطبيعية التي خُصت بها الخديوية وأُودعت لديها لا يجوز لأي سبب أو وسيلة ترك هذه الامتيازات جميعها أو بعضها، أو ترك قطعة أرض من الأراضي المصرية إلى الغير مطلقًا»، وأن الفرمان الصادر إلى عباس حلمي الثاني في 1892م نص على نفس ما ذكره الفرمان السابق من «حيث إن الامتيازات التي أُعطيت لمصر هي جزء من حقوق دولتنا العلية … إلخ». وعلى ذلك فإن مشاركة بريطانيا في امتلاك السودان بطريق الاتفاق مع مصر وليس بطريق الاتفاق مع تركيا «صاحبة السيادة الشرعية على مصر والسودان»، يجعل وفاق 1899م اتفاقًا لاغيًا وغير قانوني، وهذا بطبيعة الحال إذا اعتبرنا أن السودان بقي خاضعًا للسيادة العثمانية خلال الست عشرة سنة التي حكم فيها الدراويش. أما إذا أخذنا بنظرية «الملك المباح» فالبريطانيون يستمدون مشاركتهم في السيادة، في هذه الحالة من حق الفتح المستند على واقع الاشتراك في عمليات استرجاع السودان.
أضف إلى هذا أن الفرمانات العثمانية منعت الخديوية المصرية في غير ما يتعلق بشئون التجارة من عقد أية معاهدات أو اتفاقات سياسية. فإذا عقدت الخديوية معاهدات أو اتفاقات لها هذه الصفة السياسية، أو عارض السلطان في إبرامها، فإن للباب العالي الحق في اعتبارها ملغاة وكأنها لم تكن، «فرمان 8 يونيو 1867م، وفرمان 8 يونيو 1873م». ومن الواضح أن الاتفاقية الثنائية بين إنجلترا ومصر لا تدخل في نطاق الاتفاقات أو المعاهدات التي أجازت عقدها الفرمانات التي حددت الوضع السياسي في مصر. وهي إلى جانب هذا اتفاقية وقعها الخديوي وحده فقط دون أن يسميه السلطان العثماني نائبًا عنه في عقد الاتفاقية، ودون أن يأذن له بذلك. ومع ذلك فإن هذه الاتفاقية هي الأساس الذي قام عليه نظام الحكم في السودان، وهو نظام لم تلبث أن اعترفت به الدول عندما أخذت تنشئ صلات مع حكومة السودان في الميدان السياسي وغيره من الميادين.
على أن كثيرين من رجال القانون اعتبروا — لهذا السبب ولغيره من الأسباب — اتفاقية الحكم الثنائي ملغاة ولا قيمة قانونية لها، فيقول «كوشري» (Cocheris) لا مجال للشك بتاتًا في أن اتفاقية 1899م من الناحية القانونية ملغاة ولا قيمة لها، وذلك لاعتبارات أوردها، ويمكن بيانها فيما يلي:
أوَّلًا: أن مصر ليست لها الصفة التي تخوِّلها عقد اتفاق دولي كاتفاقية 1899م؛ حيث إنه مقاطعة من مقاطعات الدولة العثمانية، وعلى فرض أن لها كدولة تابعة شيئًا من السيادة الذاتية، فقد أجمع فقهاء القانون على أن هذا النوع من «الدولة التابعة» عاجز إطلاقًا عن عقد الاتفاقات الدولية التي على غرارها اتفاقية 19 يناير 1899م.
وثانيًا: أن الخديوي ليس له الصفة التي تخوِّله التوقيع على الوفاق؛ لأن الخديوي حاكم مقاطعة أو ولاية وليس سيدًا (أو ملكًا)، فهو لا يملك الأراضي التي عُهد إليه بالحكم فيها فقط والمحافظة عليها؛ أي أُودعت لديه ليتولى شئونها بوصفه نائبًا ومفوضًا عن السلطان العثماني في ذلك، ولهذا فسلطاته محدودة ومقيدة بالشروط التي تضمَّنتها الفرمانات التي أنابته في حكم هذه الأراضي. وهو لا يملك أن يعقد اتفاقًا يربط به السلطان صاحب السيادة عليه، ولا يستطيع كذلك أن يخرج على اشتراطات الفرمانات التي هي العقد الذي استخدمه به السلطان في مهمة إدارة شئون الولاية. أضف إلى هذا أن هذا العقد (أي الفرمان) اشترط عليه — والمقصود هنا فرمان 1892م الذي صدر بتولية عباس حلمي الثاني — عدم التنازل للغير إطلاقًا عن شيء من الامتيازات المعطاة له، أو الأراضي التي عُهد إليه بالحكم فيها.
وثالثًا: أن إنجلترا ذاتها — وهي مرتبطة بمعاهدات سابقة — لا يمكنها أن تتخلص من العهود التي قطعتها على نفسها؛ وذلك بأن إنجلترا قد اعترفت في كل المعاهدات الدولية بمبدأ المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، فهي قد وقَّعت مع النمسا والمجر وبروسيا وروسيا اتفاقية لندن في 15 يوليو 1840م، ومذكرة 30 يناير 1841م، والمذكرة المشتركة في 11 مارس 1841م؛ ووقعت معاهدة باريس في 30 مارس 1856م، ثم معاهدة برلين في 13 يوليو 1878م وبروتوكول النزاهة الصادر عن مؤتمر الآستانة في 1882م. وهي فوق ذلك قد اعترفت بكل الفرمانات العثمانية الصادرة إلى الخديوين بما في ذلك فرمان 1892م؛ أي الفرمانات التي تمنع مصر من عقد المعاهدات السياسية الدولية؛ وهي قد أعلنت أن الأراضي السودانية أرض عثمانية كما فعلت عند إبرام المعاهدة الإنجليزية الكونغولية في 12 مايو 1894م «الخاصة بحاجز لادو وإقليم بحر الغزال»، وهي قد استندت على نفس هذه الحجة لوقف الزحف الفرنسي على حوض النيل الأعلى في حادث فاشودة (1898م). وعلى ذلك فإنجلترا مرتبطة بما تعهدت به، ولا يمكنها أن تدعي الجهل بالوضع السياسي والقانوني الذي كان لمصر، فلا يجوز والحالة هذه أن تخرق تعهدات دولية هي عاجزة في واقع الأمر. وبحكم هذه الارتباطات نفسها أن تفعل ذلك، سواء فيما يتعلق بالاعتداء على حقوق السلطان العثماني نفسه، أو على الارتباطات التي كانت الدول الأخرى طرفًا ثانيًا فيها. ولذلك كان اتفاق 19 يناير 1899م اتفاقًا مُلغًى ولا وجود له.
ورابعًا: أن ليس لإنجلترا ولا مصر الحق في الاعتداء على حقوق معينة صارت للدول، والمقصود بهذه الحقوق الامتيازات الأجنبية، فقد منعت بجرة قلم المواد السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والحادية عشرة من الاتفاق؛ امتداد سلطان المحاكم المختلطة على السودان، وألغت الامتيازات المتعلقة بالضرائب الجمركية، وتعيين القناصل وإقامتهم، والذين صار لا يجوز تعيينهم ولا يُصرح لهم بالإقامة قبل المصادقة على ذلك من الحكومة البريطانية.
ولكن اعتبار أن الاتفاق الثنائي بالرغم من هذا كله اتفاق لاغٍ ولا وجود له أمر تصعب الموافقة عليه للأسباب التي قد يكون من أهمها أن هذا الاتفاق بقي معمولًا به كنظام أساسي للوضع السياسي في السودان منذ إبرامه سنوات عديدة — حتى أنهته اتفاقية 12 فبراير 1953م بين مصر وإنجلترا — فنال اعتراف الدول التي ذكرنا أنها تعاملت مع السودان وأنشأت صلات معينة مع الحكومة التي أوجدها الوفاق الثنائي، ولأن فريقًا من الفقهاء في القانون يأخذون على كل حال بالنظرية القائلة بأن السودان عند الفتح الثاني (1898م) كان ملكًا مباحًا ولا صاحب له؛ أي الذين يؤسسون الوفاق على نظرية أن الحقوق التي صارت لمصر في السيادة مستمدة من حق الفتح، كما هو الحال فيما يتعلق بالحقوق التي صارت لإنجلترا في السيادة كذلك. ولو أن هذا القول يضعفه أن الخديوية المصرية بحكم تبعيتها لتركيا عاجزة أصلًا من الناحية القانونية عن إبرام أية اتفاقات سياسية.
على أن الاتفاق الثنائي بفضل النظام الذي أوجده للحكم في السودان لا شكَّ في أنه قد أنشأ للسودان كيانًا دستوريًّا وإداريًّا منفصلًا عن الكيان الذي لمصر، حيث قد صار للسودان «بمقتضى المواد الثالثة والرابعة والخامسة» حاكمٌ عامٌّ يُتَّبع إجراءٌ خاص في تعيينه وتنحيته، وأُعطي السلطات الواسعة في الناحيتين التنفيذية والتشريعية، وحيث قد صار للسودان «بمقتضى المادة السابعة» ترتيب مستقل في نظام الضرائب الجمركية، واتضح أن له كيانًا منفصلًا «بفضل ما جاء في المواد السادسة والثامنة والعاشرة» بشأن القيود التي أبطلت في السودان انتفاع رعايا الدول بالمزايا التي كانت لهم في مصر بفضل الامتيازات الأجنبية، وبشأن منع امتداد سلطان المحاكم المختلطة على السودان.
ولذلك وفي ضوء ما تقدم جميعه يمكن تلخيص الوضع في السودان على أثر اتفاقية 19 يناير 1899م فيما يأتي:
أوَّلًا: أن السودان بقي تحت السيادة العثمانية نتيجة على كل الأحوال؛ لأن مصر التي تخضع لسيادة الدولة العثمانية الشرقية عليها، كانت طرفًا في هذا الاتفاق. ولا يعنينا عندئذٍ أن يكون «الوفاق» قد قام على اعتبار أن الأراضي التي استُرجعت كانت لا تزال ملكًا لتركيا «ولمصر»، أو أن هذه الأراضي كانت «ملكًا مباحًا» استندت حقوق تركيا في السيادة عليها «وحقوق مصر» على واقع أن مصر افتتحت السودان.
ثانيًا: أن بقاء السودان تحت السيادة العثمانية ينفي أن لإنجلترا حقًّا في المشاركة مع تركيا (أو مع مصر) في السيادة على السودان. وواضح أن هذا القول يستند على الرأي القائل بأن الدراويش لم ينجحوا في إنشاء «دولة» معترف بها في السودان؛ وأن كل الذي أحدثه قيام المهدية كان تعطيل حقوق مصر «وتركيا» مؤقتًا في السيادة على السودان.
ثالثًا: أن الاتفاق الثنائي لا يعطي بريطانيا مشاركة في حقوق السيادة على السودان — للاعتبارين السالفَي الذكر، وللتعهدات الدولية التي جاءت من جانب بريطانيا نفسها — وأن ادعاء بريطانيا أن لها أي حق في المشاركة في ذلك يجعل من تلقاء ذاته هذا الاتفاق مُلغًى من الناحية القانونية ولا وجود له.
رابعًا: أن لبريطانيا الحق — بواقع وثيقة الوفاق — في المشاركة مع مصر في إدارة شئون السودان، وليس لبريطانيا أية حقوق أخرى. ولم يرد في الاتفاق ما يدلُّ على أن لبريطانيا الحق في الاستئثار بالحكم في السودان، بل تدلُّ نصوص الاتفاق على أن يكون اشتراك الطرف الثاني (وهو مصر) في الحكم اشتراكًا فعليًّا.
خامسًا: أن اتفاقية السودان — في ضوء ما أوضحنا عن الحوافز لإبرامها، وما ذكره «كرومر» نفسه عن أغراضه منها — لم تكن إلا إجراء «انتهازيًّا» أي لمواجهة ظرف خاص، ووسيلة لإيجاد تسوية أو حل وسط لقيام نوع معين من الحكم يفي بحاجات الطرفين المتعاقدين (Modus Vivendi). فهي لذلك تسوية مؤقتة، ينتهي العمل بها بمجرد انتهاء الظروف التي أوجدتها (أو أدت إليها)؛ وعندئذٍ تنتهي بانتهائها حقوق المشاركة التي لبريطانيا، ولكن تبقى قائمة الحقوق التي كانت — واستمرت أيام الثورة المهدية وبعدها — لمصر منذ 1820م في السيادة على السودان، ما لم يطرأ بعد ذلك على هذه الحقوق ذاتها ما يتسبب عنه تعطيلها أو إلغاؤها.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)