تمتع الابرار بكرامات الله تعالى
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص128-131
2026-06-08
23
لقد أيد الله سبحانه بنفسه صدق الابرار وتقواهم قائلا: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ولهذا فإن كل ما يذكر من الكرامات الممنوحة للصادقين الصابرين والمتقين فيه نصيب وسهم للإبرار أيضا مثل وصف المتقين بأنهم أحباء الله: (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[1]) و(وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ[2]) وأن الله سبحانه معهم دوما: (إِنَّ اللَّهَمَعَ الصَّابِرِينَ[3]) و(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَمَعَ الْمُتَّقِينَ[4]) أو هدايتهم بواسطة الكتاب أو القرآن الكريم: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُلَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ[5]) وأحيانا نجد بأن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالقيام بعمل معين لكي نصل من خلال ذلك العمل الى التقوى أوالصدق كأمره ايانا بالعبادة من أجل التقوى كما في قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[6]) و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[7]) فمثل هذا الحكم والطلب هو وعد قبل الامتثال والعمل أما الاوامر الالهية التي لا مجال فيها لكلمة لعل إلا الامتثال فلا بد من العمل بها دون قيد أو شرط فبعد العمل يصبح الحكم لزاما وجزما وفي هذه الحالة يعرف الله سبحانه الممتثلين لأوامره بقوله: إن الذين يحملون المواصفات المطلوبة هم الصادقون والمتقون أي أن هؤلاء لهم نصيب غير منقوص من كل بركة أو كرامة موهوبة للصادقين والمتقين.
وتنتمي الاية التي نبحثها الى القسم الاخير المذكور في أعلاه باعتبار أن المسائل العقائدية والمالية والعبادية تم بيانها بالفعل الماضي أما المسائل الاخلاقية فبالاسم أو الصفة المشبهة الدالة على الاستمرارية والدوام: {من آمن... واتى.. وأقام... والموفون... والصابرين}. واستناد الى هذه الاية فإن كل من تواجدت في عقيدته وأخلاقه وعمله هذه المواصفات والملكات فقد حصل على تأييد الله سبحانه على صدقه وتقواه: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) لكن الله سبحانه نفى وجود الايمان في قلوب الافراد الذين يدعونه بألسنتهم فقال: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ[8]) وأشار عز وجل الى ايمان أولئك الذين امتثلوا لأوامر الله فأصبح إيمانهم حقيقيا ثابتا وخاليا من أي شك أو تردد وممزوجا بالعمل الصالح وأشار الى ذلك باستخدام الفعل الماضي مؤيدا صحة ايمانهم ومصادقا على رسوخه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[9]) ثم عرف المؤمنين الحقيقين من خلال ذكر خمس صفات لهم تمييزهم عن غيرهم من ضعاف الايمان: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [10]) وبذلك أيد سبحانه وتعالى ايمان صاحب تلك الكمالات الذاتية عبر الايات المذكورة.
إلماعة: إن ما ذكرناه في ذيل الاية المفسرة هو من قبيل عودة النهاية الى البداية لأن استخدام العبارات (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[11])، يعني شمول جميع الكمالات العقائدية والاخلاقية والعمل الصالح وجاء اطلاق كلمة الصدق دون قيد متناسبا مع الاية الشريفة: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[12])[13].
[13] راجع: تفسير الميزان: 1 / 428 - 429
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة