ما كادت الملكة الأم تتسلم مقاليد السلطة في دولة جاو، حتى أسرعت دولة تشين بالإغارة على البلاد، فطلبت جاو من دولة تشي المساندة والدعم، فردَّت هذه بقولها: «لن نصدر أمرًا لأي فردٍ من قواتنا بالتحرك لمساعدتكم، إلا إذا أرسلتم لنا ولدكم الأمير «تشانغآن» رهينة لحُسن الجوار.» ولم تستجب جاو لهذا الشرط، إلا أن السادة الوزراء حاولوا إثناء الملكة عن موقِفها وأشاروا عليها بالتراجُع وبذلوا في ذلك غاية جهدهم، حتى تكلمت جلالتها إلى أقرب الوزراء منها مجلسًا، وقالت (في نبرة الواثق الجريء الذي يُدرك تمامًا ما يقوله …) «اعلموا جيدًا … أن من سيجرؤ، ثانية، على النصح لي بإرسال الأمير إليهم رهينة لضمان حسن الجوار … فسأبصق في وجهه، على رءوس الأشهاد.»
أعرب الوزير الأعظم، المعلم الأكبر [حرفيًّا: المؤدب الأيسر أي المؤدب الجالس إلى يسار جلالته، وهو لقب شرفي يُمنح لأعظم الوزراء رتبة] «تشولون» عن أمله في لقاء الملكة الأم، فأجابت — في ترفع وإباء وغرور شديد — بأنها مستعدة لذلك، ولبثت تنتظر حضوره (فترة ليست بالقصيرة) فلمَّا دخل من بوابة القصر، هُرع إلى حيث كانت جالسة فلمَّا مثل أمامها، اعتذر طويلًا عن تأخيره قائلًا لجلالتها: «ما كنت لأقدر على الهرولة كي أصل في الموعد المُحدد، بعد أن أُصيبت قدمي بالداء الذي أبطأ عليَّ فرصة اللقاء بجلالتك؛ فلذلك أجد العُذر لنفسي فيما بدر مني، وما اضطرَّني إلى الإلحاح في مقابلتك إلا خشيتي على صحتك، ولشدَّ ما يُقلقني أن تَبَادر إلى علمي أن مكروهًا قد نال من صحتك الغالية.» فردت عليه بقولها: «لكني على ما يرام؛ لأني أستخدم العربة في كل تنقُّلاتي!» فسألها تشولون: «أما كان أجدر بجلالتك الإقلال من طعامك وشرابك؟» فأجابته، قالت: «ما عدت أقرب من الطعام سوى الحساء أتبلَّغ به ما يسد رمقي.» فقال لها: «ما عاد المرء في هذه الأيام، يجد شهيةً للأكل أو الشرب، لكني أرغم نفسي على التجوال يوميًّا مسافة لا تقل عن ثلاثة أو أربعة «لي»؛ وهو ما يفتح شهيتي للطعام مجددًا ويُذهب عني آثار الداء شيئًا فشيئًا.» وهنا قالت له الملكة: «فهذا ما لا أقدر عليه البتة.» وعندئذٍ سكن غضب الملكة وزال عنها ما كان يُظلل قسمات وجهها من آثار التبرم والضيق.
وهنالك قال لها «المؤدب الأيسر» الوزير الأكبر: «لي ولد يدعى شوتشي، وهو حدث صغير السن، ولا تبدو عليه مخايل النجابة، لكنه يملك عليَّ شغاف قلبي، حتى بلغت محبته عندي ما لا يزيد عليه، ولا سيما وقد صرت في سن الكهولة والضعف، ولطالما تمنَّيت أن أُلحقه بسلك الجندية ليصير ضابطًا ضمن فرقة الحرس الملكي، فلذلك تجاسرت وتجشمت كل عناء لألتقي بجلالتك وأبلغك بهذا الطلب.» فردت عليه قائلة: «فما دام الأمر هكذا، فلتُخبرني كم عمره إذن؟» فأجابها: «خمسة عشر عامًا، فما زال لم يشبَّ عن الطوق بعد، لكني أرجو أن أعهد به إلى رعايتكم قبل أن يُدركني الموت.» فقالت له: «أوَيبلغ حب الرجال لأبنائهم هذه الدرجة؟» أجابها: «بل يبلغ أضعاف ما يشعر به النساء في هذا المجال.» فضحكت الملكة وقالت له: «قد ظننت أن النساء يتفوقن على الرجال في محبتهن لأولادهن!» فقال المؤدب الأكبر: «كنت أحسب فيما تراءى لي من الظنون أن حُب جلالتك لابنتك «يانهو» [زوجة حاكم دولة يان فيما سلف] أشد من حُبك لولدك الأمير «تشانغان»!» فردت عليه، قالت: «غير صحيح بالمرة، بل إن حبي لسمو الأمير يفوق كل من سواه.» فقال لها: «أيًّا كانت درجة الحب التي يستشعرها الآباء نحو أبنائهم فمبعثها، في كل الأحوال، الأمل في مستقبلٍ آمن وحياة مستقرة، وأحسب أنك، وأنت تودِّعين ابنتك «يانهو» في يوم عقد قرانها، كنت تقبضين بكِلتا يدَيك على كعوب قدمَيها وتبكين، لما تتوقَّعين من طول الفراق بينكما، فهنالك يمتلئ القلب همومًا وأحزانًا، لكنها بعد أن سافرت بعيدًا، وبعد أن ظللت تفكرين فيها وفي مستقبل أيامها، كنت تقدمين النذور والقرابين في أن أمنياتك لها قائلة: «… لتهنأ في بيتها البعيد، فلا ترجع إليَّ أبدًا!» ألم يكن مبعث شعورك هذا الحرص على سعادتها في قادم الأيام، ألم تكوني في أعماقك، تأمُلين في أن تسعد بمستقبلها حيث يصير لها الأولاد والأحفاد الذين يكبرون مع الأيام ويعتلون سُدة الحكم أجيالًا بعد أجيال؟» فأجابته: «بلى، هو ذاك!» فواصل كلامه، قائلًا: «فلنعُد إلى صفحات التاريخ القديمة لنرجع إلى ما مضى من سيرة آل جاو، منذ ثلاثة أجيال مضت عندما أسسوا أسرة جاو الملكية التي اعتلت عرش البلاد وأورثت أولادها وأحفادها ألقاب التشريف ورُتب النبالة، فهل بقي أحد من ورثة تلك العصور يحمل رتبة النبالة حتى اليوم؟» فردت الملكة بالنفي القاطع، فعاد يقول لها: «ولندع آل جاو جانبًا ونتأمل حال الأسر الملكية الأخرى، التي أسست عروشًا حاكمة، وأقامت دويلات وأورثتها لأولادها وأحفادها، فهل بقي أحد منهم إلى اليوم في رتبة النبالة؟» فردَّت عليه الملكة قائلة: «كلَّا، لم أسمع بشيء من ذلك قط.» فقال لها: «وهل سمعتِ بأن أحدًا من ورثة العروش الحاكمة القديمة — فيما سوى آل جاو — قد ظل يحتفظ برتبة النبالة حتى اليوم؟» فأجابته: «لم يبلُغني خبر ذلك حتى الساعة.» فقال لها: «فمردُّ ذلك، فيما أظن، إلى ما لاقاه النبلاء القدامى من محن وكوارث عاجلة أطاحت بهم سراعًا أو عقبات كأْدَاء بقيت تؤرق أيامهم سنواتٍ طويلة حتى بلغت آثارها إلى أولادهم وأحفادهم من بعدهم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو: هل كان الأبناء والأحفاد جميعًا على الدرجة نفسها من الفساد والضعف حتى يُلاقوا المصير نفسه؟
كلَّا، ولكن الأمر ببساطة هو أنهم نالوا من رفيع المكانة والقدْر ما لا جدارة معه ولا مآثر جليلة، وجرى عليهم من الحظوظ والأموال الوافرة ما لم يبذلوا من أجله غاية الجهد، فحصَّلوا معه جلائل الأعمال، بل اكتسبوا فاخر المنال وعظيم القدْر دونما استحقاق من البذل والسعي والجهد الذي تتأتى معه الإنجازات الجديرة.
وها أنتِ اليوم تسعَين لتعظيم مكانة ولدك تشانغان، فتمنحين له موفور العطاء من الأراضي الواسعة والأموال الطائلة، دون أن تُعطيه الفرصة لينال فخر عطائه لوطنه، فيمد إلى بلاده يدَ البناء والإنجاز، لكن ما الأساس الذي يستطيع أن يستند إليه تشانغان في الزعم بمجد مؤثَّل حينما تطلُع الدنيا على نهار يومٍ يأتي بعدك بمائة عام؟
واسمحي لي، يا مولاتي بالقول بأنه ليس من الحكمة أن يكون تدبيرك لأمور ولدِك على هذا النحو من قصر النظر؛ فلذلك قلت إنك تكترثين لابنتك الأميرة «يانهو» أكثر مما تنظُرين به لشئون الأمير تشانغان.» وهنالك قالت الملكة: «إذن، فسأجعل الأمر لك في إرساله إلى الجهة التي تراها خيرًا له.» فما عتَّم الرجل أن جهز مائة عربة عسكرية وجعل على رأسها الأمير تشانغان، حيث أمره بالتوجُّه إلى دولة تشي ليبقى هناك رهينة لضمان حُسن النوايا. ثم ما لبثت قوات تشي أن بادرت إلى التحرك وفاءً بالتزاماتها.
أرسلت دولة تشين القائد «وانجيان» على رأس حملة عسكرية لمهاجمة دولة جاو التي بادرت إلى تعيين كل من «ليمو»، و«صماشان» لقيادة الجيش في عمليات الصمود ومجابهة الاعتداء. وقد استطاع القائد «ليمو» أن يصد جيش تشين ويثخن فيه، بل يبدِّد شمله ويرده على أعقابه، أكثر من مرة، حتى لقد تجاسر على قتل أحد القادة الكبار في جيش تشين ويدعى «هواني».
ووقعت الكراهية في قلب وانجيان تجاه ليمو، فراح يكيد له عند ملك جاو، مُستغلًّا في ذلك علاقته بالوزير المُقرب من ملك البلاد (ويدعى فوكاي) حيث أغدق عليه المال الوفير، وأقنعه بأن يذهب إلى الملك، ليقول له … «إن القائدَين الكبيرَين ليمو، وصماشان، يُدبران للتآمر مع دولة تشين ضد جاو، مقابل إقطاعاتٍ هائلة من الأراضي سيحصلون عليها لقاء تعاونهما معها.» فثار الشكُّ في قلب ملك جاو نحو قائدَيه ليمو وصماشان، فما كان منه إلا أن أرسل قائدَين كبيرَين ليحلَّا محلهما (وهما المدعوان «يان تسوي» و«جاوسون»، ثم ما لبث أن أطاح برأس ليمو، ونفى صماشان بعيدًا عن البلاد، فما كادت تنقضي ثلاثة أشهر على ذلك حتى تمكن وانجيان من انتهاز الفرصة لتشديد قبضة هجومه على جاو، بل استطاع أن يغتال قائد الجيش جاوسون، وأن يأسر ملك جاو وقائد جيشه «يان تسوي»؛ مما كان له أكبر الأثر في القضاء على دولة جاو نهائيًّا (فلم تقم لها من بعد ذلك، قائمة).