المتن الأول:
قال علي بن الحسين عليه السّلام : مرض النبي صلّى اللّه عليه وآله المرضة التي عوفي منها فعادته فاطمة سيدة النساء عليها السّلام ومعها الحسن والحسين عليهما السّلام ، قد أخذت الحسن عليه السّلام بيدها اليمنى وأخذت الحسين عليه السّلام بيدها اليسرى وهما يمشيان وفاطمة عليها السّلام بينهما حتى دخلوا منزل عائشة . فقعد الحسن عليه السّلام على جانب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الأيسر . فأقبلا يغمزان ما بينهما من بدن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فما أفاق النبي صلّى اللّه عليه وآله من نومه . فقالت فاطمة للحسن والحسين عليهم السّلام :
حبيبيّ ، إن جدكما أغفى ، فانصرفا ساعتكما هذه ودعاه حتى يفيق وترجعان إليه . فقالا :
لسنا ببارحين في وقتنا هذا .
فاضطجع الحسن عليه السّلام على عضد النبي صلّى اللّه عليه وآله الأيمن والحسين عليه السّلام على عضده الأيسر فغفيا ، فانتبها قبل أن ينتبه النبي صلّى اللّه عليه وآله وقد كانت فاطمة عليها السّلام حين ناما انصرفت إلى منزلها .
فقالا لعائشة : ما فعلت أمنا ؟ قالت : لما نمتما رجعت إلى منزلها .
فخرجا في ليلة ظلماء مدلهمة ، ذات رعد وبرق ، قد أرخت السماء عزاليها ؛ فسطع لهما نور فلم يزالا يمشيان في ذلك النور والحسن عليه السّلام قابض بيده اليمنى على يد الحسين عليه السّلام اليسرى وهما يتماشيان ويتحدثان حتى أتيا حديقة بني النجار . فلما بلغا الحديقة حارا ، فبقيا لا يعلمان أين يأخذان .
فقال الحسن للحسين عليهما السّلام : إنا قد حرنا وبقينا على حالتنا هذه وما ندري أين نسلك ، فلا علينا أن ننام في وقتنا هذا حتى نصبح . فقال له الحسين عليه السّلام : دونك يا أخي فافعل ما ترى . فاضطجعا جميعا واعتنق كل واحد منهما صاحبه وناما .
وانتبه النبي صلّى اللّه عليه وآله من نومته التي نامها فطلبهما في منزل فاطمة عليها السّلام فلم يكونا فيه وافتقدهما . فقام النبي صلّى اللّه عليه وآله قائما على رجليه وهو يقول : إلهي وسيدي ومولاي ، هذان شبلاي خرجا من المخمصة والمجاعة ، اللهم أنت وكيلي عليهما .
فسطع للنبي صلّى اللّه عليه وآله نور ، فلم يزل يمضي في ذلك النور حتى أتى حديقة بني النجار ، فإذا هما نائمان قد اعتنق كل واحد منهما صاحبه وقد تقشّعت السماء فوقهما كطبق فهي تمطر أشد مطر ما رآه الناس قط ، وقد منع اللّه عز وجل المطر منهما في البقعة التي هما فيها نائمان ، لا يمطر عليهما قطرة وقد اكتنفتهما حية لها شعرات كآجام القصب وجناحان ؛ جناح قد غطت به الحسن عليه السّلام وجناح قد غطت به الحسين عليه السّلام .
فلما أن بصر بهما النبي صلّى اللّه عليه وآله تنحنح . فانسابت الحية وهي تقول : اللهم إني أشهد ملائكتك أن هذين شبلا نبيك قد حفظتهما عليه ودفعتهما إليه صحيحين سالمين .
فقال لها النبي صلّى اللّه عليه وآله : أيّتها الحية ! ممن أنت ؟
قالت : أنا رسول الجن إليك .
قال : وأي الجن ؟
قالت : جن نصيبين ، نفر من بني مليح ؛ نسينا آية من كتاب اللّه عز وجل فبعثوني إليك لتعلّمنا ما نسينا من كتاب اللّه . فلما بلغت هذا الموضع سمعت مناديا ينادي : « أيتها الحية ! هذان شبلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فاحفظيهما من العاهات والآفات من طوارق الليل والنهار » . فقد حفظتهما وسلّمتهما إليك سالمين صحيحين .
وأخذت الحية الآية وانصرفت ، وأخذ النبي صلّى اللّه عليه وآله الحسن عليه السّلام فوضعه على عاتقه الأيمن ووضع الحسين عليه السّلام على عاتقة الأيسر .
وخرج علي عليه السّلام فلحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . فقال له بعض أصحابه : بأبي أنت وأمي ، ادفع إليّ أحد شبليك أخفف عنك . فقال : امض فقد سمع اللّه كلامك وعرف مقامك . وتلقاه آخر فقال : بأبي أنت وأمي ، ادفع إليّ أحد شبليك أخفف عنك .
فقال : امض فقد سمع اللّه كلامك وعرف مقامك . فتلقاه علي عليه السّلام فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، ادفع إلى أحد شبلي وشبليك حتى أخفف عنك . فالتفت النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى الحسن عليه السّلام فقال : يا حسن ! هل تمضي إلى كتف أبيك ؟ فقال له : واللّه يا جداه ، إن كتفك لأحب إليّ من كتف أبي . ثم التفت إلى الحسين عليه السّلام فقال : يا حسين ! هل تمضي إلى كتف أبيك ؟ فقال له : واللّه يا جداه إني لأقول لك كما قال أخي الحسن : إن كتفك لأحب إلي من كتف أبي .
فأقبل بهما إلى منزل فاطمة عليها السّلام وقد ادّخرت لهما تميرات ، فوضعتها بين أيديهما ؛ فأكلا وشبعا وفرحا .
فقال لهما النبي صلّى اللّه عليه وآله : قوما الآن فاصطرعا . فقاما ليصطرعا وقد خرجت فاطمة في بعض حاجتها . فدخلت فسمعت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وهو يقول : إيه يا حسن ! شد على الحسين فاصرعه . فقالت له : يا أبت واعجبا ! أتشجع هذا على هذا ؟ أتشجع الكبير على الصغير ؟ ! فقال لها : يا بنيّة ، أما ترضين أن أقول أنا : يا حسن شد على الحسين فاصرعه ؟ وهذا حبيبي جبرائيل يقول : يا حسين ! شد على الحسن فاصرعه .
المصادر :
1 . مدينة المعاجر : ج 4 ص 6 ح 103 ، عن أمالي الصدوق .
2 . أمالي الصدوق : ص 360 ح 8 مجلس 68 .
الأسانيد :
في الأمالي : حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل ، قال : حدثنا علي بن الحسين السعدآبادي ، قال : حدثنا أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي ، عن أبيه ، عن فضالة بن أيوب ، عن زيد الشحام ، عن أبي عبد اللّه الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي الباقر ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه عليهم السّلام .
المتن الثاني:
عن علي بن الحسين عليه السّلام عن أبيه عليه السّلام ، قال : اشتكى الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السّلام وبرء ودخل بعقبة مسجد النبي صلّى اللّه عليه وآله فسقط في صدره . فضمه النبي صلّى اللّه عليه وآله وقال : فداك جدك ، تشتهي شيئا ؟ قال : نعم أشتهي خربزا .
فأدخل النبي صلّى اللّه عليه وآله يده تحت جناحه ثم هزّه إلى السقف . قال حذيفة : فأتبعته بصري فلم ألحقه وإني لأراعي السقف ليعود منه ، فإذا هو قد دخل وثوبه من طرف حجره معطوف . ففتحه بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وآله وكان فيه بطيختان ورمانتان وسفرجلتان وتفاحتان .
فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقال : الحمد للّه الذي جعلكم مثل خيار بني إسرائيل ، ينزل إليكم رزقكم من جنات النعيم . امض فداك جدك وكل أنت وأخوك وأبوك وأمك واخبأ لجدك نصيبا . فمضى الحسن عليه السّلام .
وكان أهل البيت عليهم السّلام يأكلون من سائر الأعداد ويعود حتى قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فتغيّر البطيخ فأكلوه فلم يعد ، ولم يزالوا كذلك إلى أن قبضت فاطمة عليها السّلام ، فتغير الرمان فأكلوه فلم يعد ، ولم يزالوا كذلك حتى قبض أمير المؤمنين عليه السّلام ، فتغير السفرجل فأكلوه فلم يعد ، وبقيت التفاحتان معي ومع أخي . فلما كان يوم آخر عهدي بالحسن وجدتها عند رأسه قد تغيرت ، فأكلتها وبقيت الأخرى معي .
وروي عن أبي محيص أنه قال : كنت بكربلاء مع عمر بن سعد لعنه اللّه ، فلما كرب الحسين عليه السّلام العطش أخرجها من ردنه واشتمّها وردها . فلما صرع فتشته فلم أجدها ، وسمعت صوتا من رجال رأيتهم ولم يمكنني الوصول إليهم : إن الملائكة تتلذذ بروائحها عند قبره عند طلوع الفجر وقيام النهار .
وفي الحديث طول أخذت موضع الحاجة .
وروى أبو موسى في مصنفه فضائل البتول عليها السّلام : أتى بالرمانتين والسفرجلتين والتفاحتين وأعطى الحسن والحسين عليهما السّلام وأهل البيت يأكلون منها . فلما توفيت فاطمة عليها السّلام تغير الرمان والسفرجل ، والتفاحتان بقيتا معهما ؛ فمن زار الحسين عليه السّلام من مخلصي شيعته بالأسحار وجد رائحتها . ولست أدري أن الأمرين واحد أم اثنان ، وقد اختلفا في الرواية .
المصادر :
1 . مدينة المعاجز : ج 4 ص 21 ح 111 ، عن الثاقب في المناقب .
2 . الثاقب في المناقب : ص 53 ح 2 .
المتن الثالث:
قال ابن عباس : صلينا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ذات يوم صلاة الصبح في المدينة في مسجده . فلما فرغ استند إلى محرابه وأخذ بوعظنا بفصيح خطابه ، يشوقنا إلى الجنان ويحذرنا عن النيران ونحن سرور به وغبطة لقربه ، وإذا به قد رفع رأسه وتهلل وجهه .
فنظرنا فإذا الحسن والحسين عليهما السّلام مقبلان ويمين الحسن في يسار الحسين وهما يفتخران ويقولان : من مثلنا ومحمد جدنا أشرف أهل السماوات والأرضين وأبونا أمير المؤمنين وسيد الوصيين وأمنا فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وجدتنا خديجة الكبرى أم المؤمنين ، ونحن سيدي شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين ؟
فزاد فرحنا واستبشرنا بذلك وصار كل واحد منا يهنئ صاحبه بولايتهم والبراءة من أعدائهم . فما نظرنا رسول اللّه إلا وعيناه تجري دموعهما على خديه . فقلنا : سبحان اللّه ! هذا وقت الفرح له والهنا فكيف هذا الجزع منه والبكاء ؟ وإذا به يقول : يعزّ واللّه عليّ ما تلقيان بعدي يا ولداي .
ثم زاد بكاؤه وقال : يعزّ عليّ من بقي منكم أو كان بعدي من شيعتي وأهل ودّي ما يلقيان ولداي هذان . فأردنا أن نسأله فإذا قد جلسا في حجره بعد أن دعاهما ؛ فأجلس الحسن عليه السّلام على فخذه الأيمن وأجلس الحسين عليه السّلام على فخذه الأيسر وقال : بأبي أباكما وبأمي أمكما . فقبّل الحسن عليه السّلام في فيه وقبّل الحسين عليه السّلام في نحره وشمهما طويلا وضمهما إلى صدره ودموعه تتساقط على صدره :
حقيق لرزء السبط تكور شمسها * وأن تكسب السبع الطباق له قطرا
مصاب بكت منه السماء وأهلها * وأشفت به السم الزعاف على المسرا
وخطب جليل قبل حين حلوله * لدمع رسول اللّه من عينه أجرا
قال ابن عباس : فبكينا لبكائه رحمة إليه ولا نعلم بالسبب الذي أوجب ذلك عليه .
فإذا بالحسين عليه السّلام قد قام من حجره ماشيا ومضى إلى أمه الزهراء عليها السّلام باكيا .
فلما دخل عليها ورأته يبكي أخذت تمسح دموعه بكمها وهي لبكائه تبكي وتقول له : يا قرة عيني وثمرة فؤادي ! ما ذا يبكيك وما ذا تشتكي ؟ فقال لها : يا أماه ، كأن جدي ملّني من كثرة ترددي إليها وجرأتي في الطلبات عليه . فقالت : فداؤك نفسي ، لما ذا ؟
فقال لها : يا أماه ، قلت لأخي : نمضي إلى جدي لنزوره ؛ فأتينا إليه وهو في مسجده وأبي وأصحابه حاضرون لديه . فدعا الحسن وأجلسه على فخذه الأيمن وأجلسني على فخذه الأيسر . ثم قبّل أخي في فيه فقبّلني في نحري وأعرض عن فمي كأنه يكره شيئا فيه . فلو لم يكن ذلك لكان مثل أخي . فهل في فمي شيء يكره جدي أن يشمه أو يلثمه بالشفاة .
فقالت له الزهراء عليها السّلام : هيهات ، هيهات ! أني سمعته كثيرا ما يقول : حسين مني وأنا من حسين ومن آذى شعرة منه فقد آذاني ، وأنت مثل روحه التي انطوى عليها جسده ، ولكن قم نسير إليه .
فأخذته بيدها ودموعها تجري على خديها . فلما رآها النبي صلّى اللّه عليه وآله تنفس الصعداء وأن كمدا وجرت على خديه دموعه وانحنت من الأحزان ضلوعه . فقالت له : السلام عليك يا أبتاه . فقال : وعليك السلام يا فاطمة ورحمة اللّه وبركاته .
ثم قالت له : حبيبي وقرة عيني ! كيف تكسر خاطري في ولدي الحسين ؟ أما قلت فيه وفي أخيه : هما ريحانتاي التي أرتاح إليهما ؟ وقلت : هو زين السماوات والأرضين ومن عليها ؟ فقال : أجل يا فاطمة . فقالت له : كيف ما قبّلته في فيه كأخيه الحسن ؟ فها هو باك أسكته فلم يسكت من الحزن ويقول لي : كأن جدي ملني ولم أعتد منه ذلك في سابق الزمن .
فقال لها : يا بنتاه ، هذا سرا أخاف عليك إذا أبديته يتكدّر خاطرك . فقالت : يا أبتاه ، لا تخفيه عنى . فبكى واسترجع وعيونه تهمل وتدمع وقال : يا بنتاه ، أخبرني جبرئيل عن الرب الجليل إن الحسن عليه السّلام يموت مسموما مغرورا من جعيدة بنت الأشعت - المنافق من أصحابي - فشممت في موضع سمه ، والحسين عليه السّلام يموت مظلوما منحورا بسيف الشمر ابن ذي الجوشن فشممته في موضع نحره .
فبكت فاطمة عليها السّلام بكاء شديدا ولطمت على خديها وحثت التراب على رأسها .
شعرا للسيد الرضي :
شغل الدموع عن الديار بكاؤنا * لبكاء فاطمة على أولادها
لم يخلفوها في الشهيد وقد رأى * ماء الفرات يذاد عن إيرادها
أترى درت أن الحسين طريدة * لفتى بني الطرداء عند طرادها
كانت ماتم بالعراق تعدّها * أموية بالشام من أعيادها
قال ابن عباس : ودارت حول فاطمة عليها السّلام نساء المهاجرين والأنصار وأسعدوها بإراقة الدموع الغزار وعلا النحيب منهن معها ، وارتج المسجد بمن فيه حتى خلنا كأن الجن تبكي معنا .
ثم قالت فاطمة عليها السّلام : يا أبتاه ! بأي أرض يحل عليه هذا البلاء ؟ قال : بأرض يقال لها :
كربلاء . فقالت : صف لي سبب قتله . فبكى وقال :
مصيبته عظمى . اعلمي إن أهل الكوفة يكتبون إليه أن اقدم علينا فأنت الخليفة وابن الخليفة بأمر اللّه علينا . فإذا قدم عليهم خدعوه وقتلوه عطشا وهو وحيد فريد لا ناصر له ولا معين ؛ يناديهم مرارا ولا سامع لنداه : أما من ناصر ينصرنا لوجه اللّه .
ويذبح ذبح الشاة من قفاه ويقتل ناصروه الباذلون نفوسهم في فداه ويعلى رؤوسهم في العوالي ، ويرغم - لما بهم - معطس المجد والمعالي يسبون بناته ونسائه ويحرقون بعد ذلك خبائه ويسيّرون على أقتاب الجمال بالعنف الشديد والنكال بلا وقاء ولا غطاء ولا ستر ولا وطاء ؛ يطاف بهم في الأمصار إلى أشر الفجار ، ويندبن بالعويل :
وا حسيناه القتيل ومن هو بدمائه غسيل .
فبكت فاطمة عليها السّلام ونساء الأنصار وقالت : يا أبتاه ، متى يكون ذلك ؟ فقال : في شهر محرم الحرام في اليوم العاشر منه ، فإنه أشأم الأيام . وكانت الجاهلية تحرم فيه القتال وأمتي تقتل فيه ولدي وقرة عيني ؛ لا أنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة .
فقالت : ومن يغسله ويكفنه ويصلي عليه ويدفنه ؟ قال : يدفن بلا غسل ولا كفن ولا صلاة ، ولكن أنا أفعل به ذلك ليلة الوفاة .
فبكت فاطمة عليها السّلام وبكى الحسين عليه السّلام وقال : يا جداه ، رزئي عظيم ومصابي جسيم .
فبكى المصطفى والمرتضى والبتول والمجتبى عليهم السّلام ومن كان حاضرا .
شعرا للمؤلف :
مصاب حسين قبل حين حلوله * وموقعه أبكى النبي محمدا
وأبكى الصفا والمروتين وزمزما * وأبكى الإمام المرتضى علم الهدى
وأجرى على الخدين من عين فاطم * دموعا وأفناها سلوا وأفقدا
وأبكى السماء والأرض والجن والملأ * ومن كان الأكوان طرا وأوجدا
فقالت : يا أبتاه ، ومن يقيم له عزاه ويسعدني في بكائه ؟ فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هنيئة وإذا بجبرئيل قد هبط من الرب الجليل وقال : العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول لك :
« سكّن الزهراء عليها السّلام من هذا البكاء فقد بكت لها ملائكة السماء ، وإني لأخلق له شيعة كراما يقيمون له بتعزيته وعزاء ذريته وينفقون أموالهم في حب زيارته ويسكبون على خدودهم المدامع ، حزنا عليه ويتجافون المضاجع حنينا منهم إليه ؛ يتناكحون الأطياب ، وينسلون الأنجاب ، إلى أن يقوم ولده القائم عليه السّلام ، فيأخذ بثاره وثار كل مظلوم في الإسلام ، ومن أنفق درهما في زيارته أو عزائه كتب له الدرهم بسبعين درهما يوم جزائه وبنيت له في الجنة قصرا ولم أكن حاملا عليه إصرا ، ومن تذكر مصابه رحمة لما أصابه حفظت الملائكة دموعه في القوارير وتأتيه بها يوم تحشر الناس في القيامة ، فتقول له :
يا ولي اللّه ، هذه دموعك التي بكيت بها في الدنيا على الحسين عليه السّلام ، فأطفأ بها حر النار وارم بها تفر عنك خمسمائة عام ببركة الحسين عليه السّلام » . فتهلل وجه النبي صلّى اللّه عليه وآله فرحا وأخبر فاطمة الزهراء عليها السّلام بذلك فسجدت للّه شكرا .
فقال الحسين عليه السّلام : وما يكون جزاؤهم عندك - يا جداه - يوم القيامة ؟ فقال : أنا شفيعهم عند اللّه . فقال : وأنت يا أبي ، فما يكون جزاؤهم عندك ؟ فقال علي عليه السّلام : قسما لا أسقي يوم القيامة من الحوض سواهم . فقال : وأنت يا أخي الحسن ؛ فما يكون جزاؤهم عندك ؟
فقال : أحرم على نفسي الجنة إلا أن يكونوا مني . فقالت فاطمة عليها السّلام : وحق ربي وأبي وبعلي لأوقفن على باب الجنة برأس مكشوف ودمع مذروف ولا أطلب على ربي سواهم ؛ فإذا دخلوا الجنة دخلت شاكرة على ما أعطاهم .
المصادر :
1 . وفاة فاطمة الزهراء عليها السّلام : ص 47 ، عن الدر النضيد .
2 . الدر النضيد في أحوال الإمام شهيد ، على ما في وفاة فاطمة زهراء عليها السّلام .
المتن الرابع:
قال ابن شهرآشوب : وروى الحاكم في أماليه للحسن عليه السّلام :
من كان يباء بجد فجدي الرسول ، أو كان يباء بأم فإن أمي البتول ، أو كان يباء بزور فيزورنا جبرئيل .
إليكم كل مكرمة تؤول * إذا ما قيل جدكم الرسول
كفاكم من مديح الناس طرا * إذا ما قيل أمكم البتول
وإنكم لآل اللّه حقا * ومنكم ذو الإمامة جبرئيل
فلا يبقي لمادحكم كلام * إذا تم الكلام فما يقول
المصادر :
1 . المناقب لابن شهرآشوب : ج 4 ص 9 ، عن أمالي الحاكم .
2 . الأمالي للحاكم ، على ما في المناقب .
المتن الخامس:
عن أبي هريرة قال : نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السّلام فقال :
أنا حرب لمن حاربكم ، سلم لمن سالمكم .
المصادر :
1 . تاريخ دمشق : ج 13 ص 218 ح 3218 .
2 . تاريخ دمشق : ج 13 ص 218 ح 3219 ، بتغيير في الألفاظ .
3 . تاريخ دمشق : ج 13 ص 218 ح 3220 ، بتغيير يسير .
4 . تاريخ دمشق : ج 13 ص 219 ح 3221 ، بتغيير فيه .
الأسانيد :
1 . في تاريخ دمشق ح 3218 : أخبرنا أبو القاسم بن الحصين ، أنا علي بن المذهب وأنا أبو نصر بن رضوان وأبو غالب بن البنا وأبو محمد عبد اللّه بن أحمد ، حدثني أبي ، ناتليد بن سليمان ، نا أبو الجحاف ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال .
2 . في تاريخ دمشق ح 3219 : أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر ، أنا أبو سعد أحمد بن إبراهيم بن موسى المقري ، أنا أحمد بن محمد التميمي - بالكوفة - ، نا المنذر بن محمد بن المنذر ، نا أبي ، حدثني عمي الحسين بن سعيد بن الجهم ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن أرقم ، قال .
3 . في تاريخ دمشق ح 3220 : أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنا أبو محمد الصريفيني ، نا أبو حفص عمر بن إبراهيم المقرئ الإمام ، نا أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن أبي الرجال الصالحي ، نا أبو فروة ، نا أبو شر البصري ، نا علي بن قادم ومالك بن إسماعيل ، قالا : نا أسباط بن نصر ، عن السدي ، عن صبيح مولى أم سلمة ، عن زيد بن أرقم .
4 . في تاريخ دمشق ح 3221 : أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنا أبو الحسين بن النقور ، أنا أبو طاهر المخلصي ، نا أحمد بن محمد بن الباغندي ، نا محمد بن علي بن خلف العطار ، أنا الحسن بن صالح بن أبي الأسود ، نا سليمان بن قرم ، عن أبي الجحاف ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن صبيح ، عن جده ، عن زيد بن أرقم : قال .
المتن السادس:
عن أبي هريرة قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يدلع لسانه للحسن عليه السّلام ، فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش إليه . فقال له عيينة بن بدر : ألا أراك تضع هذا بهذا ؟ فو اللّه أنه ليكون لي ابن قد خرج وجهه وما قبلته قط ! فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : من لا يرحم لا يرحم .
قال : وسمعت مثل هذا من الحديث ، وذكر الحديث بإسناد غير ما ذكر عن أبي هريرة قال : دخل الأقرع بن حابس على النبي صلّى اللّه عليه وآله فرآه يقبل إما حسنا أو حسينا ، فقال : تقبله ؟ ولي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أنه من لا يرحم لا يرحم .
وفي رواية الزبير ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : إن كان اللّه نزع الرحمة من قلبك فما ذنبي ؟
المصادر :
1 . مقتل الحسين عليه السّلام للخوارزمي : ص 101 .
2 . الإحسان بترتيب ابن حبان : ج 9 ص 60 ح 6936 ، شطرا منه .
3 . تشنيف الآذان : ج 2 ص 460 ح 116 / 695 ، أورد صدرا من الحديث .
الأسانيد :
1 . في مقتل الخوارزمي : بأسناده : أخبرنا عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني ، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن ، حدثنا أبو ميسرة ، حدثنا وهب بن بقية ، حدثنا خالد بن عبد اللّه ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال .
2 . في الإحسان : أخبرنا الحسن بن سفيان ، حدثنا وهب بن بقية ، أخبرنا خالد بن عبد اللّه ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال .
3 . في تشنيف الآذان : أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا وهب بن بقية ، أخبرنا خالد بن عبد اللّه ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة .
المتن السابع:
كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عند أم سلمة ، فجعل حسنا من شق وحسينا من شق وفاطمة في حجره . فقال : رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت ، إنه حميد مجيد .
المصادر :
1 . إحقاق الحق : ج 9 ص 226 ح 38 ، عن مجمع الزوائد .
2 . مجمع الزوائد : ج 9 ص 168 .
الأسانيد :
في مجمع الزوائد : عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أنه دخل على زينب بنت أم سلمة فحدثته .
المتن الثامن:
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في منزل فاطمة عليها السّلام والحسين عليه السّلام في حجره إذ بكى وخرّ ساجدا ، ثم قال : يا فاطمة ، يا بنت محمد ، إن العلي الأعلى تراءى لي[1] في بيتك هذا ساعتي هذه ، في أحسن صورة وأهيإ هيئة وقال : يا محمد ، أتحب الحسين عليه السّلام ؟
فقلت : نعم ، قرة عيني وريحانتي وثمرة فؤادي وجلدة ما بين عيني . فقال لي : يا محمد - ووضع يده على رأس الحسين عليه السّلام - بورك من مولود عليه بركاتي وصلواتي ورحمتي ورضواني ، ولعنتي وسخطي وعذابي وخزيي ونكالي على من قتله وناصبه وناواه ونازعه .
أما إنه سيد الشهداء من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة وسيد شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين ، وأبوه أفضل منه وخير ؛ فأقرئه السلام وبشّره بأنه راية الهدى ومنار أوليائي وحفيظي وشهيدي على خلقي وخازن علمي وحجتي على أهل السماوات وأهل الأرضين والثقلين ، الجن والإنس .
المصادر :
1 . بحار الأنوار : ج 44 ص 238 ح 29 ، عن كامل الزيارات .
2 . كامل الزيارات : ص 70 باب 22 .
3 . كامل الزيارات : ص 67 باب 21 ، شطرا من الحديث .
الأسانيد :
في كامل الزيارات : أبي ، عن سعد عن اليقطيني ، عن محمد بن سنان ، عن أبي سعيد القماط ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال .
المتن التاسع:
عن حسين بن علي عليه السّلام قال : رأيت عمر بن الخطاب على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقلت له :
انزل عن منبر أبي إلى منبر أبيك ! فقال : إني لم يكن لأبي منبر . قال : فأجلسني في حجره .
فلما نزل انطلق بي إلى منزله فقال : من علّمك هذا ؟ فقلت : لم يعلمنيه أحد . فقال :
لا تدع أن تعاهدنا . قال : فأتيته يوما وإذا ابن عمر على الباب لم يؤذن له فانصرف وانصرفت معه . فلقيني عمر بعد ذلك فقال : لم أرك تعاهدنا ؟ فقلت : إني قد جئتك فرأيت عبد اللّه بن عمر على الباب لم يؤذن له فانصرف فانصرفت معه . فقال : أنت أحق بالإذن والدخول عليّ من عبد اللّه ؛ إنما أنبت اللّه هذا - أشار بيده إلى رأسه - ثم أنتم ! !
المصادر :
1 . مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام : ج 2 ص 256 ، ح 722 .
2 . مقتل الحسين عليه السّلام للخوارزمي : ص 145 ، بتفاوت فيه .
3 . جامع الأحاديث للسيوطي : ج 13 ص 442 ح 1670 ، بتفاوت فيه .
الأسانيد :
1 . في مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : أبو أحمد ، قال : حدثنا غير واحد عن قتيبة بن سعيد ، عن عبيد بن حنين ، عن حسين بن علي عليه السّلام ، قال .
2 . في مقتل الخوارزمي : أخبرنا جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري ، حدثنا أبو الحسن علي بن الحسين بن مردك الرازي ، حدثنا أبو سعيد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الكرجي بمكة بقراءتي عليه ، حدثنا أحمد بن كامل القاضي ، حدثنا عبد الملك بن محمد ، حدثني أبي ، حدثني حماد بن زيد ، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري ، حدثني عبيد بن حسين ، حدثني الحسين بن علي عليه السّلام ، قال :
المتن العاشر:
قال صاحب بستان الواعظين : روي عن محمد بن إدريس قال : رأيت بمكة أسقفا وهو يطوف بالكعبة ، فقلت له : ما الذي رغب بك عن دين آبائك ؟ فقال : تبدّلت خيرا منه . فقلت له : كيف ذلك ؟ قال :
ركبت البحر ، فلما توسطنا البحر انكسر بنا المركب ، فعلوت لوحا . فلم تزل الأمواج تدفعني حتى رمتني في جزيرة من جزائر البحر ؛ فيها أشجار كثيرة ولها ثمر أحلى من الشهد وألين من الزبد ، وفيها نهر جار عذب . فحمدت اللّه على ذلك ، فقلت : آكل من الثمر وأشرب من هذا النهر حتى يأتيني اللّه بالفرج .
فلما ذهب النهار خفت على نفسي من الدواب ، فعلوت شجرة من تلك الأشجار فنمت على غصن منها . فلما كان في جوف الليل ، فإذا بدابة على وجه الماء تسبح اللّه وتقول : لا إله إلا اللّه العزيز الجبار ، محمد رسول اللّه النبي المختار ، علي بن أبي طالب سيف اللّه على الكفار ، فاطمة وبنوها صفوة الجبار ، على مبغضيهم لعنة الجبار ومأواهم جهنم وبئس القرار .
فلم تزل تكرر هذه الكلمات حتى طلع الفجر ، ثم قالت : لا إله إلا اللّه صادق الوعد والوعيد ، محمد رسول اللّه الهادي الرشيد ، علي ذو البأس الشديد ، وفاطمة وبنوها خيرة الرب الحميد ، فعلى مبغضيهم لعنة الرب المجيد .
فلما وصلت البر ، إذا رأسها رأس نعامة ووجهها وجه إنسان وقوائمها قوائم بعير وذنبها ذنب سمكة . فخفت على نفسي الهلكة فهربت بنفسي أمامها ، فوقفت ، ثم قالت لي : « إنسان ؟ ! قف وإلا هلكت » ؛ فوقفت .
فقالت : ما دينك ؟ فقلت : النصرانية . فقالت : ويحك ارجع إلى دين الإسلام فقد حللت بفناء قوم من مسلمي الجن ، لا ينجو منهم إلا من كان مسلما . قلت : وكيف الإسلام ؟
قالت : تشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه . فقلتها ، فقالت : تمّم إسلامك بموالاة علي بن أبي طالب وأولاده والصلاة عليهم والبراءة من أعدائهم .
قلت : ومن آتاكم بذلك ؟
فقالت : قوم منا حضروا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فسمعوه يقول : إذا كان يوم القيامة تأتي الجنة فتنادي بلسان طلق : يا إلهي ، قد وعدتني تشد أركاني وتزيّنني .
فيقول الجليل جل جلاله : قد شددت أركانك وزينتك بابنة حبيبي فاطمة الزهراء عليها السّلام ، وبعلها علي بن أبي طالب عليه السّلام ، وابنيها الحسن والحسين عليهما السّلام ، والتسعة من ذرية الحسين عليهم السّلام .
ثم قالت الدابة : المقامة تريد أم الرجوع إلى أهلك ؟
قلت لها : الرجوع . قالت : اصبر حتى يجتاز مركب . فإذا مركب يجري ، فأشارت إليهم فدفعوا لها زورقا . فلما علوت معهم فإذا في المركب اثنى عشر رجلا كلهم نصارى ، فأخبرتهم خبري فأسلموا عن آخرهم .
المصادر :
1 . مدينة المعاجز : ج 4 ص 43 ح 128 ، عن بستان الواعظين .
2 . بستان الواعظين ، على ما في مدينة المعاجز .
[1] قال المجلسي : إن العلي الأعلى تراءى لي : أي رسوله جبرئيل ، أو يكون الترائي كناية عن غاية الظهور العلمي ، وحسن الصورة كناية عن ظهور صفات كماله تعالى له ، ووضع اليد كناية عن إفاضة الرحمة .