التطور القانوني لإدارة الأراضي الزراعية في مرحلة العهد الملكي
المؤلف:
احمد عبد الأمير عبد الرب
المصدر:
الرقابة الإدارية على التصرفات في الأراضي الزراعية
الجزء والصفحة:
ص 17-20
2026-08-02
24
أولاً- الوضع في مصر- انتهت الحقبة العثمانية في مصر في سنة 1812م، عندما اعلن الملك محمد علي انفصاله عن الدولة العثمانية (1) ، فألغى نظام الملتزم العثماني .... ، ولكن بقيت الأرض التي في يد المزارع ليس له إلا حق الانتفاع بها مقابل مبلغ للدولة يسمى (الخراج)، فكانت هذه الأرض التي تحت يد المزارعين تسمى (الأراضي الخراجية)(2)، وإرضاءً للملتزمين السابقين اقتطع لهم أراضي زراعية أخرى تسمى (بالوسيات) (3) ، أي الأرض التي واسى بها محمد علي الملتزم المخلوع وكسب وده، ومن ناحية أخرى خصص للموالين له ارض سميت (بالابعاديات) وتسلم لهم بلا مقابل ، وأخرى لأفراد أسرته وأقاربه اطلق عليها (الشفالك)(4)، ومن هنا بدءت تظهر فكرة الملكية الخاصة للأراضي الزراعية بأساليب شتى مثل السماح بتنازل المزارع الحائز على حق الانتفاع للآخر، أو رهن الأرض وانتقال ملكيتها للدائن المرتهن أو السماح ببيع الأرض أو الهبة أو الإيصاء وتوارثها لمن يدفع خراج ست سنوات متتالية مقدما.
وبصدور قانون الأراضي سنة (1846 ) م منح الفلاحون حق التصرف بالأرض بالرهن أو الإفراغ، وفي عام (1858) م صدر ما يعرف (باللائحة السعيدية ) التي أقرت لمستغل الأرض تأجيرها أو رهنها أو بيعها بعد دفع رسم محدد للدولة واستغلال الفلاح أرضه مدة لا تقل خمس سنوات مع بقاء الأرض ملكاً للدولة، وعندما احتل الإنكليز مصر عام (1882)م وما بعدها ولظروف اقتصادية وسياسية اضطرت الحكومة المصرية بيع الأراضي للأقطاعين وكبار الملاك بسبب إفلاس خزنتها ،وبهذا ظهر الإقطاع في مصر (5) فلما صدر القانون المدني المصري القديم عام (1883)، تأكدت الملكية الخاصة للأرض لتأثر واضعوا المجموعة المدنية بمجموعة نابليون التي اعتنقنت المذهب الحر الفردي، وعند صدور القانون المدني الجديد عام (1948) تبنى المشرع المفهوم الاجتماعي للملكية، بان قيد الملكية الفردية للعقارات بعدة قيود بتغليب الصالح العام على الصالح الخاص، وتغليب المصلحة الخاصة الأولى بالرعاية على مصلحة مالك الأرض (6).
ثانيا - الوضع في العراق
بعد انهيار الدولة العثمانية نتيجة الحرب العالمية الأولى، احتلت بريطانيا العراق بدخولها بغداد سنة (1917) م، وثبتت وجودها فيه بواسطة الاتفاقيات والمؤتمرات التي عقدت عشية الاحتلال، وأخضعت العراق لحزمة من القوانين والأنظمة الهندية (7)، ونتيجة لذلك نصبت بريطانيا ملكا على العراق في 23 /اب / 1921(8) ، وبهذا بدأت هذه المرحلة، وقد اشتمل هذا العهد على حقبتين متميزتين: أولها مرحلة ما قبل صدور قانون التسوية وهي مدة الأعداد والتحضير، والثانية مدة ما بعد صدور القانون المذكور وكما يأتي:
مرحلة قبل إصدار قانون التسوية رقم (50) لسنة 1932- وفي هذه المدة استمر العمل بالبيانات الصادرة عن الاحتلال البريطاني، و استمر العمل بقانون الأراضي العثماني ونظام الطابو وتعليماته وغيرها من القوانين والقرارات الصادرة في العهد العثماني (9)، وكان ذلك استناداً إلى أحكام المادتين (113) و ( 114) من الدستور العراقي ( القانون الأساسي) لسنة 1925(6)، وصدرت في هذه المدة عدة قوانين نذكر منها : قانون البيوع غير المسجلة في لواء كركوك لسنة 1921، وقانون تسجيل البيوع غير المسجلة المتعلقة بالأراضي الأميرية لسنة 1921 ، وقانون البيوع والافراغات غير المسجلة لسنة 1922 ، و من ثم صدر قانون تمليك وتحديد الأراضي الأميرية في القرى والقصبات والمدن رقم (84) لسنة 1926 ، وكذلك صدر قانون تحديد اجل تسجيل البيوع والافراغات غير المسجلة رقم (35) لسنة 1928 . أن القوانين الصادرة بهذه الحقبة لم تدرس بحقيقتها جوهر أحكام الأراضي، ولم تستحدث أسساً أو مبادئ جديدة، وإنما كان تعديلاً أو تشذيباً لما كان سائداً في العهد العثماني أو الاحتلال (11).
ثانياً - مرحلة ما بعد إصدار قانون التسوية رقم (50) لسنة 1932- اتجه الاستعمار البريطاني إلى مسألة الأرض؛ ليضع لها نظاماً جديداً يكفل تكوين طبقة إقطاعية تخدم مصالحه، فكلف المستر (أرنست داوسن) لدارسة كيفية التصرف بالأراضي بالعراق والمسائل المتعلقة بها، والذي قدم تقريراً عن ذلك، وتحت وطئة هذا التقرير اصدر الحكم الملكي قانون تسوية حقوق الأراضي رقم (50) لسنة 1932 (الملغى)، وحل محله قانون تسوية آخر بالرقم (29) لسنة 1938(12)، ليكون الأساس القانوني للتصرف بالأراضي، إذ تناول تعين صنوف الأراضي، وعائدتيها، وتثبيت الحقوق المتعلقة بها، كحق العقر وحق المرور وحق المسيل والمجرى، وكذلك العلاقات الخاصة بالتصرف واللزمة والمغارسة، وتعين مساحتها وتثبيت أماكن الحقوق (13) ، ومهد الطريق لمسح الأراضي مسحاً نظاماً جديداً وإنشاء جديد لتسجيل حقوق الأراضي (14) ، واقر هذا القانون مبدأ التفويض الذي أقره القانون القانون العثماني، لكن التفويض هنا يختلف عن التفويض في القانون العثماني، إذ أن المراد منه إحلال الملكية الفردية محل الملكية العامة، وأن تسجل الأراضي جميعها، وأن يكون وجوبياً عند توافر شروط معينة، مما أدى الانطلاق من هذا المبدأ في نهاية المطاف إلى تجميع المساحات الواسعة بأيدي نفر قليل عن طريق التفويض (15).
وقد صدرت أيضاً في هذه المرحلة قوانين أهمها : قانون منح اللزمة رقم (51) لسنة 1932، والذي أعطى صفة قانونية لتصرفات الاحتلال بالأرض الزراعية، مما فسح المجال لتملك أكثر من نصف الأراضي (الموضوعة اليد ) من دون مقابل من بعض شيوخ العشائر ومالكي الأراضي في المدن(16) تحت عنوان حق اللزمة الذي كان شائعاً مرتكزاً على العرف والعادة(17)، وصدر كذلك قانون (حق العقر ) (18) رقم (55) لسنة ،1932 ، وقانون ( تحديد حقوق وواجبات الزراع) رقم (28) لسنة 1932. والحدث البارز في هذه المرحلة هو صدور القانون المدني رقم (40) لسنة 1951 والذي احتوى على مواد عديدة تنظم إدارة الأراضي الزراعية، وتضمن أحكاماً بشأن الأراضي الأميرية في المواد (1169- 1248)، فأجاز للمتصرف بالأراضي الأميرية الانتفاع بها وإقامة الأبنية الخاصة بالزراعة والتصرف وان يفرغها أو يؤجرها أو يرهنها (19) ، ونظم إيجار الأراضي الزراعية والتزام البساتين والمزارعة والمغارسة (20).
____________
1- ينظر د. عبد الواحد كرم، في الاصلاح الزراعي ، دراسة مقارنة لقوانين الاصلاح الزراعي في العراق وسوريا ومصر مطبعة الاداب في النجف الاشرف 1972 ، ص 35.
2- ينظر د. احمد عبد التواب محمد بهجت، شرح القانون الزراعي ، ج 1، 3 ، دار النهضة العربية، 2005 ، ص 46 وما بعدها.
3 - ينظر د. عبد الواحد كرم، المصدر نفسه، ص 35
4- ينظر د. احمد عبد التواب محمد بهجت، شرح القانون الزراعي ، ج 1، 3 ، دار النهضة العربية، 2005 ، ص 46 وما بعدها.
5- ينظر د. عبد الواحد كرم المصدر السابق، ص 36-37.
6- ينظر د. احمد عبد التواب محمد بهجت المصدر السابق ص 46 وما بعدها.
7- ينظر . د. عدنان عاجل عبيد القانون الدستوري، النظرية العامة والنظام الدستوري في العراق، ط 2 ،دار الوثائق والكتب في المكتبة الوطنية، بغداد، 2010، ص 181 و 182.
8- ينظر د. عدنان عاجل عبيد المصدر نفسه، ص 184.
9- ينظر خليل إبراهيم الخالد و مهدي محمد الأزري، تاريخ أحكام الأراضي، منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقية، دار الحرية للطباعة ، 1980 ، ص103.
10- نصت المادة (113) الدستور العراقي لسنة 1925 على أنه " القوانين العثمانية التي كانت قد نشرت قبل تشرين الثاني سنة 1914 ، والقوانين التي نشرت في ذلك التاريخ أو بعده والتي بقيت مرعية في العراق إلى حين نشر هذا القانون تبقى نافذة ...." ، أما المادة (114) من الدستور فقد نصت على انه " جميــع البيئات والنظامات والقوانين التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية في العراق والحاكم الملكي والمندوب السامي ... تعتبر صحيحة من تاريخ تنفيذها ..........
11- ينظر د. فؤاد شجاع سلطان و کریم شجاع ،سلطان قوانين الملكية العقارية، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي هيئة المعاهد الفنية العراق 1992 ، ص 95.
12- قسم هذا القانون الأراضي إلى أربعة أقسام : وهي المملوكة، والمتروكة، والأميرية ، والموقوفة، ويلاحظ أنها ذات الأقسام التي تبناها قانون الأراضي العثماني سالف الذكر باستثناء ان قانون التسوية آنفا قد الغـي ما يعرف بالأراضي الموات، ينظر د. ساجر الجبوري، وراثة حق التصرف في الأراضي الأميرية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي مجلة كلية العلوم الإسلامية، جامعة تكريت، العدد (21)، 2009، ص 967.
13 ينظر خليل إبراهيم الخالد و مهدي محمد الأزري، تاريخ أحكام الأراضي، منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقية، دار الحرية للطباعة ، 1980، ص 120 و 125.
14- ينظر د. فؤاد شجاع سلطان و كريم شجاع ،سلطان المصدر نفسه، ص97.
15- ينظر خليل إبراهيم الخالد و مهدي محمد الأزري، المصدر السابق، ص 125 و 126.
16- ينظر د. عبد الحسين وادي العطية: الإصلاح الزراعي في العراق والتنمية الاقتصادية، مطبعة المعارف، بغداد، 1965، 48.
17- ينظر د. فؤاد شجاع سلطان و كريم شجاع سلطان، المصدر السابق، ص98.
18- يقصد بحق العقر الحق الذي يبقى لصاحب الأرض الأصلي اذا نزعت الحكومة الأرض منه لإهماله استثمارها بنفسه أو بالواسطة أو لسبب آخر، وسلمتها إلى غيره ليتصرف بها بشرط ان يبقى لصاحبها الأصلي جزء من الغلة، ينظر د. فؤاد شجاع سلطان و کریم شجاع ،سلطان قوانين الملكية العقارية، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي هيئة المعاهد الفنية العراق 1992 ، ص98.
19- نصت المادة (1169) من القانون المدني العراقي على انه: 1- للمتصرف في الأراضي الأميرية ان ينتفع بها هي وزوائدها وان يزرعها ويقيم فيها الأبنية الخاصة بالزراعة 200000 وله ان يفرغها وان يؤجرها وان يعيرها وان يرهن حقه في التصرف فيها .....3- وله بوجه عام ان ينتفع بالأرض وان يستغلها وان يتصرف في حقه عليها بحدود القانون وتبقى في كل الأحوال رقبة الأرض مملوكة للدولة ..
20- وقد وردت هذه المواد ضمن الفرع الثاني من (الفصل الأول من الباب الثاني) من القانون المدني بعنوان أحكام خاصة من الإيجار، والتي جميعها تمس الأرض الزراعية باستثناء فقرة واحدة تتحدث عن إجارة وسائط النقل، فنظم إيجار الأراضي الزراعية في المواد (795-80) ، و المزارعة بالمواد (805- 815)، والمساقاة في المواد (816-823) ، والمغارسة والتزام البساتين بالمواد ( 824-840).
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة