المدلول التشريعي للأراضي الزراعية
المؤلف:
احمد عبد الأمير عبد الرب
المصدر:
الرقابة الإدارية على التصرفات في الأراضي الزراعية
الجزء والصفحة:
ص5-10
2026-08-02
23
لم يرد تعريفاً للأراضي الزراعية في قانون الإصلاح الزراعي المصري رقم (178) لسنة 1952 النافذ، ولم يرد كذلك في قانون الزراعة رقم (53) لسنة 1966 النافذ ، على الرغم من انهما العماد القانوني المنظم لأحكام الأرض الزراعية وحمايتها، إلا أنه قد ورد مصطلح الأراضي الزراعية في نصوص قانونية متفرقة من دون تحديد مدلولها (1) ، وهذا ما أكدته اللجنة العليا للإصلاح الزراعي في مصر، إذ أشارت في احدى قراراتها (2) إلى أن القانون لم يحدد معياراً محدداً قائماً بذاته سواء كان هذا المعيار واقعياً أم قانونياً يميز الأرض الزراعية عن غيرها، إنما ترك كل حالة يكشف عنها موقفها وتفصح عنها حقيقة ظروفها، وما يكتنفها من معالم تجعل لها مظهر أراضي زراعية أم أراضي بناء.
إلا أن القرار الوزاري رقم (1836) لسنة 2011 أورد تعريفاً بمقتضى المادة (الأولى) منه التي نصت على انه: " يقصد بالأراضي الزراعية في تطبيق أحكام هذا القرار الأراضي المنزرعة بالفعل وما عليها من منافع (كالأجران والمخازن والحظائر وغيرها) سواء كانت داخل الزمام أو خارجه وأيا كانت طريقة ريها أو صرفها أو الضريبة المفروضة عليها سواء كانت مدرجة في بطاقة حيازة زراعية أو غير مدرجة، ويعتبر في حكم الأراضي الزراعية الأراضي البور القابلة للزراعة".
وكذلك الحال في العراق بالنسبة لقانوني الإصلاح الزراعي رقم (30) لسنة 1958 (الملغى)، والقانون رقم (117) لسنة 1970 (النافذ)، فهي الأخرى لم تورد تعريفاً لمصطلح الأراضي الزراعية، ومع ذلك لم تخلو التشريعات الزراعية العراقية النافذة والملغاة من الإشارة إلى مدلول الأراضي الزراعية في نصوص متفرقة وبتعاريف متباينة نوعاً ما، إذ ورد ذلك في القوانين أو القرارات أو التعليمات الصادرة من جهات مختلفة كوزارة الزراعة أو وزارة العدل فقد تطرقت التعليمات رقم (112) لسنة 1975 (الملغاة) (3) الصادرة بشأن استبدال الأرض الزراعية الموقوفة بمقتضى المادة (الأولى) منها إلى مفهوم الأرض الزراعية بقولها : ".. الأراضي الزراعية : أية أراضي زراعية موقوفة وقفاً صحيحاً تستغل أو تصلح عند الاستبدال لاستغلالها للأغراض الزراعية أو يمكن ان تصبح قابلة للاستغلال الزراعي بعد استصلاحها بصرف النظر عما هو مدون في سجلها العقاري"، ويسري هذا التعريف على الأراضي الموقوفة وقفا ذرياً أو خيرياً أو مشتركاً، سواء كانت من الأوقاف المضبوطة أم الملحقة، ومن ثم عبر عن مفهوم الأرض الزراعية بكونها قابلة للاستغلال الزراعي مع استصلاحها، ويعني الاستصلاح جعل الأرض غير الصالحة للزراعة زراعية سواء كان استصلاحاً كلياً أم جزئياً أم كون الاستصلاح جرى بجهود صاحب الأرض أو بجهود الدولة، واستعملت المادة حرف الاختيار (أو) ليكون التعريف واسعاً في وصف الأرض (4) ، ويلاحظ أيضا أن المادة لا تعتد بسند الأرض رغم أهميته في تحديد جنس الأرض. وعرفت المادة (الأولى) من قانون الحد الاقتصادي رقم (137) لسنة 1976 (الملغى)، الأرض الزراعية بقولها: " يقصد بالأرض الزراعية لأغراض هذا القانون كل ارض تستغل بالفعل أو تصلح في واقع حالها لإنتاج المحاصيل الحقلية أو العلفية أو الأشجار غير التمرية أو لتنمية الثورة الحيوانية ".
وفي موضع آخر تطرقت المادة (الثانية) من قانون توحيد أصناف أراضي الدولة رقم (53) لسنة 1976 النافذ إلى مفهوم الأرض الزراعية بقولها : " تعتبر أرضاً زراعية لأغراض هذا القانون الأرض التي تصلح بوضعها المادي عند الإطفاء للاستغلال الزراعي، بغض النظر عن موقعها أو ما مثبت في سجلاتها العقارية (5) ، ويقصد بالاستغلال الزراعي لأغراض هذا القانون استغلال الأرض لأغراض الإنتاج النباتي والحيواني، والمعنى المنتزع من النص المذكور أن الأرض تعد زراعية اذا كانت تصلح بوضعها المادي للاستغلال الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، والمقصود بالوضع المادي هو مدى صلاحية تربتها للاستغلال والإنتاج النباتي، ويعني الإنتاج النباتي أجزاء النبتة جميعها سواء كانت بذوراً أم جذوراً أم سيقاناً أم أوراقاً أم أزهاراً أم ثماراً في أية حالة كانت عليها، وسواء كانت تلك النباتات صالحة للاستعمال الإنساني أم الحيواني (6)، والملاحظ أن هذا التعريف لا ينطبق على الأراضي المملوكة ملكاً صرفاً أو الموقوفة وقفاً صحيحاً كون المشرع حصره بأغراض القانون، وهذه الأغراض هي توحيد أصناف أراضي الدولة التي أصبحت مملوكة للدولة بعد أن كانت متعددة الأصناف (7) ، ومن جانب اخر فعبارة (عند الإطفاء) الواردة في التعريف تدل على عدم إمكانية الإفادة من التعريف في غير حالات الإطفاء.
كان لوزارة العدل رأياً يتبنى مفهوم الأرض الزراعية وهو ما ورد في المادة (الأولى) من تعليمات وزير العدل رقم (1) لسنة 1977(9) ، إذ ورد فيها بأن الأرض الزراعية: " كل ارض تستغل بالفعل أو تصلح في واقع حالها لإنتاج المحاصيل الحقلية أو العلفية أو الأشجار غير الثمرية أو لتنمية الثروة الحيوانية ولا تقل مساحتها عن الحد الأدنى المقرر في القانون رقم 137 لسنة 1976"، ويلاحظ أن هذا التعريف لا يختلف عما سبقه، باستثناء انه قد أضاف شرطاً جديداً إلى المعايير السابقة عندما اشترط الحد الأدنى اللازم لوصف الأرض بانها زراعية.
في قانون الاستملاك رقم (12) لسنة 1981 عرفت الأراضي الزراعية بموجب المادة (31) منه على النحو الآتي:" تعتبر الأرض زراعية لأغراض هذا القانون اذا كانت تستغل لأغراض الزراعة عادة أو اذا كانت قابلة للاستغلال بطبيعتها أو بواقع حالها وقت طلب الاستملاك بصرف النظر عن مساحتها وموقعها وجنسها المثبت في التسجيل العقاري ويطبق هذا الحكم على الأراضي المغروسة والتي لا تتوفر فيها شروط البستنة المنصوص عليها في قانون الإصلاح الزراعي (8)، ومن الواضح ان أغراض هذا القانون هو الاستملاك، ولذلك يشمل أيضاً الأراضي المملوكة ملكاً صرفاً من دون غيرها كون الاستملاك غالبا ما يقع على هذا الصنف، كما ان المادة آنفا أهدرت قيمة سند الأرض (صورة القيد) الذي تعول عليه الإدارة كثيراً في ممارسة مهامها الرقابية على الأرض الزراعية . و نص البند (2) من الفقرة (الأولى) من قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (817) لسنة 1986 حول تعديل القرار رقم (222) لسنة 1977 على ما يأتي: " تعد الأرض زراعية لأغراض هذا القرار، اذا كانت تستغل بالزراعة أو كانت قابلة للاستغلال الزراعي بطبيعتها أو بواقع حالها وقت طلب التمليك بصرف النظر عن جنسها المسجل في السجل العقاري، وتعد بستاناً كل ارض مغروسة بالأشجار أو النخيل وتتوفر فيها الشروط المنصوص عليها في الفقرة (ج) من المادة الثانية من قانون الإصلاح الزراعي". والى جانب التعليمات الصادرة عن وزارتي الزراعة والعدل نصت المادة (الأولى) من تعليمات وزير المالية رقم (7) لسنة 1995(9) على أنه : " يقصد بالأرض الزراعية لأغراض هذه التعليمات هي :
الأرض الزراعية المملوكة للدولة وأراضي الإصلاح الزراعي المعرفة بالمادة الأولى (10) من قانون الإصلاح الزراعي رقم 117 لسنة 1970 المعدل "، ويلاحظ بأن هذا التعريف قاصراً على الأراضي المملوكة للدولة من دون غيرها، إذ ان المادة (الأولى) من قانون الإصلاح المشار إليها تشير إلى هذا الصنف من دون سواه.
ومن التشريعات الحديثة نسبياً نجد ان قانون القرى العصرية رقم (59) لسنة 2012 قد أشار إلى الأرض الزراعية فعرفها بانها " هي الأرض المخصصة من وزارة الزراعة للأغراض الزراعية التي تؤجر إلى المستفيدين منها (11) ، وإن كان هذا التعريف يختلف عن كل التعاريف السابقة ،إلا أنه لا يشير إلى الخصائص المتعلقة بطبيعة الأرض فهل يعني ان الأرض غير زراعية طالما لم تخصص من وزارة الزراعة ؟.
يتضح مما تتقدم عدم وجود تعريف مانع جامع للأرض الزراعية في التشريعات العراقية، إذ تباينت التعريفات وتعددت واختلفت بتعدد التشريعات وهذا التعدد والتباين يخلق العديد من المشكلات وحالات التعارض في مجال التطبيق العملي، فقد تخضع قطعة معينة لأكثر من تشريع من التشريعات المذكورة (12) ، ويرى بعضهم أن هذا التباين لا يستند إلى أساس عملي أو واقعي لان الأرض الزراعية تستمد هذه الصفة من طبيعتها ومن طبيعة عملية الإنتاج الزراعي وفق مواصفات معينة، ولذا فلا يصح أن تختلف هذه المواصفات باختلاف التشريعات وتعددها، وعليه يرى هذا الجانب من الضروري إعادة النظر في هذه التعاريف والخروج منها في تعريف واحد يسري على هذه الحالات جميعها، ويعمل به في التشريعات كافة، ويحوي على المواصفات الأساسية للأرض الزراعية (13)، ويؤيد الباحث هذا الرأي.
________
1- ينظر د. فارس محمد عمران مدى قانونية امر نائب الحاكم العسكري العام بحظر إقامة مبان أو منشآت على أراضي زراعية ، المركز القومي للإصدارات القانونية ،ط1، 2006 . ص28.
2- ينظر المادة (الثالثة) من قرار اللجنة رقم (4) لسنة 1953 ، نقلاً عن د. فارس محمد عمران مدى قانونية امر نائب الحاكم العسكري العام بحظر إقامة مبان أو منشآت على أراضي زراعية ، المركز القومي للإصدارات القانونية ،ط1، 2006 ، ص31.
3- صدرت هذه التعليمات استناداً إلى قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (199) لسنة 1975 (الملغى) المنشور بجريدة الوقائع العراقية بالعدد (2445) في 1975/2/24 ، والغي بالقرار (394) لسنة 1983.
4- ينظر ضياء علي عبد العبيدي، المرشد الوافي لأحكام الإصلاح الزراعي، دار الكتب والوثائق، بغداد، 2017، ص 49.
5- عرفت المادة (الأولى) من قانون التسجيل العقاري رقم (43) لسنة 1971 المعدل السجل العقاري بقولها: "السجل الذي تثبت فيه التسجيلات العقارية وفق نصوص القانون ويستند إليه في إصدار السند".
6- ينظر ضياء علي عبد العبيدي، مصدر سابق،ص48.
7- نصت المادة (الأولى) من القانون على انه " تعتبر جميع الأراضي الأميرية الصرفة والمفوضة بالطابو والممنوحة باللزمة والموقوفة وقفا غير صحيح والأراضي المتروكة من صنف الأراضي المملوكة للدولة...... صدرت هذه التعليمات لتنفيذ قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (222) لسنة 1977 بشأن فرز الأراضي المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (2475) في 1977/3/7.
8- وقد ورد تعريف مشابه في المادة (التاسعة) من تعليمات وزير العدل 1981/1 حول قانون الاستملاك أعلاه، ألا ان الفرق ان القانون استعمل حرف الاختيار (أو) بين ماضي الأرض وحاضرها من حيث الاستغلال، في حين ان التعليمات استعملت حرف الجمع (و) بين كون الأرض قابلة للاستغلال الزراعي ومازالت مستمرة بواقع حالها، وقد نصت المادة آنفا على انه " تعد الأرض زراعية اذا كانت تستغل بالزراعة عادة أو كانت قابلة للاستغلال الزراعي بطبيعتها وبواقع حالها وقت طلب الاستملاك بصرف النظر عن جنسها المسجل في السجل العقاري". ينظر ضياء علي عبد العبيدي، المصدر السابق، ص 49
9- الصادرة لتنفيذ قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (17) لسنة 1995 حول طلب تمليك الأراضي المثقلة بحقوق التصرف أو المشمولة المنشور بجريدة الوقائع العراقية بالعدد (3553 ) في 6/3/1995
10 - تنص المادة (الأولى) من قانون الإصلاح الزراعي رقم (117) لسنة 1970 المعدل بشأن تعريف المصطلحات على ان أراضي الإصلاح الزراعي هي: الأراضي الزراعية المستولى عليها والمملوكة للدولة والأميرية الصرفة والمحلولة والأراضي التي آلت إليه من المصرف الزراعي أو من أي طريق قانوني آخر.
11 - وقد ورد تعريف الأراضي الزراعية في بعض القوانين الملغاة ومنها ما ورد في المادة (الأولى) من قانون الحد الاقتصادي الملغى رقم (137) لسنة 1976 الملغى اذ نصت على أنه: " يقصد بالأرض الزراعية لأغراض هذا القانون كل أرض تستغل بالفعل أو تصلح في واقع حالها لإنتاج المحاصيل الحقلية أو العلفية أو الأشجار غير الثمرية أو لتنمية الثروة الحيوانية ".
12- ينظر عواد حسين ياسين الوجيز في شرح إيجار الأراضي الزراعية والمزارعة في القانون المدني والتشريعات الزراعية، دار السنهوري، بيروت، 2015. ص 47.
13- ينظر عواد حسين ياسين المصدر السابق، ص 47.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة