1. الحكم الفقهي بلزوم العودة من عرفات الى المشعر الحرام لا سلوك طريق اخر.
2. الحكم الخلقي بذكر الله في المشعر الحرام لم يدع الله سبحانه بهذا التأكيد الى ذكره في أي مورد آخر سوى في مورد الحج لان المضيف في الحج هو الله فهو يدعو ضيوفه في كل لحظة وحيثما كانوا الى ذكره كي يمتاروا من مائدة أسمائه الحسنى.
إن الاية التي هي مورد الحبث وما بعدها من الايات تكرر فيها الحديث عن ذكر الحق أكثر من خمس مرات: فمرة أمرت الحجيج بذكر الله في المشعر الحرام بعد الافاضة من عرفات: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ).
وحينا عللت ذلك لهم بأن الله هو الذي هداكم والهداية نعمة الهية وشكر المنعم واجب فعليكم أن تذكروه: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ).
وفي موضع آخر دعت الضيوف الى الاستغفار وهو ذكر لله أيضا: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[1]).
وفي بعض الموارد أمرت بذكر الله بعد انتهاء المناسك كذكر الآباء والاجداد بل أشد من ذكرهم: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ...[2]).
بل ربما دعتهم عمليا الى الدعاء وهو أيضا ذكر للخالق: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[3]).
وأخيرا وفي آخر الحج أمرت بذكر الله في أيام منى القصيرة المعدودة: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ[4]).
وزبدة الكلام أن الدعوة الى ذكر الله تملأ ثنايا آيات الحج بحيث يتكرر ذلك بعبارات مختلفة اضافة الى تعيين مكان الذكر: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، وزمانه المناسب أيضا: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ[5])، (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ)، أي اذكروا الله بعد الانتهاء من أداء المناسك وفي أيام التشريق.
والمراد من ذكر الله في هذه الايات هو مطلق الذكر بما فيه التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والدعاء والصلاة وباقي الاذكار الواجبة أو المستحبة وهكذا تكون صلاتا المغرب والعشاء اللتان أقامهما الرسول الاكرم ﷺ بأذان واحد مصداقا من مصاديق ذكر الله[6].
وذكر الله - كما بينا سابقا - يدعو المتذكر الى مأدبة المضيف الممدودة كي يتنعم بها حتى تصير ملكة له.
[1] سورة البقرة الاية 199
[2] سورة البقرة الاية 200
[3] سورة البقرة الاية 201
[4] سورة البقرة الاية 203
[5] سورة البقرة الاية 200
[6] راجع الجامع لأحكام القرآن مج1 ج2 ص391-392 التفسير الكبير مج3 ج5 ص178.