1. أسرار الوقوف في عرفات: لا يجب الوقوف في عرفات الا في مناسك الحج وهو من مشتركات حج التمتع والقران والإفراد وقد ورد في الروايات الاسرار للوقوف في عرفات نشير الى بعض منها: أ. التطهير والاستعداد للدخول الى بيت الله وقد سئل أمير المؤمنين الامام علي عليه السلام عن سر الوقوف في عرفات فأجاب قائلا: (لأن الكعبة بيته والحرم بابه فلما قصدوه وافدين وقفهم بالباب يتضرعون... فلما قضوا تفثهم وتطهروا بها من الذنوب التي كانت حجابا بينهم وبينه أذن لهم بالزيارة على الطهارة[1]).
ولهذا نجد أن أفضل الاعمال في يوم عرفة هو الدعاء والتضرع ومن هذا المنطلق أيضا ورغم استحباب صيام يوم عرفة نجد أن الامام الباقر عليه السلام أدعية يوم عرفة[2].
تنبيهان: الاول: أن مثل هذا النوع من الاسرار إنما هو بمثابة الحكمة لا العلة ولهذا لا يمكن نقض موضوع حج التمتع بعمرته ومع ذلك هناك أيضا حل بالنسبة الى عمرة التمتع كالإحرام في خارج الحرم (الادعية والأذكار)، وتكرار التلبية في الصعود والهبوط و... التي يمكن بها احراز صلاحية الدخول الى بيت الله.
الثاني: يجب أن تكون حالة الحجاج الواقفين في عرفات كحالة الضيف المنتظر وأن يشعروا عند الافاضة من تلك المنطقة كما يشعر من حصل توا على اذن الدخول في ساحة الحرم وإلا فمع عدم الحصول على سمة الدخول الى حدود الحرم كيف يمكن للحاج أن يحصل على اذن الدخول في المسجد الحرام وبعده اذن القرب من الكعبة واستلام الحجر الاسود والصلاة في حجر اسماعيل؟
ب. اكتساب المعارف والعلوم الدينية وأسرار الخلق.
يقول الإمام السجاد عليه السلام في (حديث الشبلي[3]) حول سر الوقوف في عرفات ان هذا الوقوف هو لمعرفة الانسان أمر المعارف والعلوم الدينية والإطلاع على أسرار نظام الخلق وكي يعلم أن الله مطلع على كل حوائجه وقادر على تأمينها فيسلم قياده اليه ولا يطيع غيره.
ولما كانت اطاعة الله أفضل الثروات: (وطاعته غنى[4])، نرى الامام السجاد عليه يقول لسائل رآه يستعطي يوم عرفة ويحك أغير الله تسأل في هذا اليوم؟ إنه ليرجى لما في بطون الحبالى في هذا اليوم أن يكون سعيدا[5].
ج. معرفة الانسان أن الله عالم بسريرته وظاهره.
جاء في تتمة (حديث الشبلي) أن الامام السجاد عليه السلام قال بأن على الحاج أن يعرف أن الله يعلم بسره وعلانيته وأنه مطلع على صحيفة قلبه وما فيها من الأسرار، بمعنى أن أرض عرفات هي محل الإدراك والشهود الذي تشير إليه الآية الكريمة: (إِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى[6]). ومن هنا كان على الحاج ألا يقتصر على الامتناع عن تلويث نفسه بمعاصي الجوارح، بل عليه أن يحذر من معاصي الجوانح أيضاً ويصون قلبه من التلوث بالهواجس الفاسدة.
تنبيه: إن الستر في تمييز المطلبين الثاني والثالث عن المطلب الأول يكمن في ملاحظة خصوصيات كلّ واحدٍ منها، وإلا فالجميع يشترك في عامل مشترك، أي مبدأ المعرفة.
تنبيه: ما ذكرناه يمكن أن يكون وجهاً لتسمية تلك الأرض المعهودة (عرفات). وإن كانوا نقلوا احتمالات أُخرى لذلك، مثل معرفة آدم وحواء، معرفة إبراهيم برؤياه الصادقة، ومعرفته مناسكه، وغير ذلك.
2. عرفات موطن الدعاء: يستحب الدعاء في كافة أطوار الحياة ومراحل العمر؛ إلا أن فترة الحج الغنية والحضور في مواقفها يمنحان الدعاء قدسيّة مضاعفة ويزيدان في تأثير التضرع في ساحة مبدع الكون. ولما كان الدعاء النابع من الضمير الطاهر مقبولاً، وكان الإحرام وتلبية كعبة الحرّيّة والطهارة لهما الأثر البالغ في تطهير الضمير؛ صار لمناجاة الحج والدعاء في مواقفه أفضل الآثار. ومن هنا ما نلاحظه من وجود الوصايا الخاصة حول الدعاء في كل مرحلة من مراحل مناسك الحج، ومن أهمها دعاء عرفة في صحراء عرفات جنباً إلى جنب مع حشود الناس المجتمعة من مختلف أنحاء العالم وعشاق المشعر والوالهين إلى منى.
وهناك العديد من الروايات[7] تولّت بيان واجب الحجاج في منطقة عرفات، وتركز القسم الأعظم منها حول الدعاء وكيفيته، خصوصاً دعاء عرفة للإمام الحسين، ودعاء الإمام السجاد عليهما السلام. كما اختص قسم آخر منها ببيان أهمية الدعاء وترغيب الأفراد وتشجيعهم على الدعاء للآخرين، حتى ظهر منها أنّ الأئمة الأطهار عليهما السلام وبعض تلامذتهم كانوا يصرفون جل اهتمامهم في تلك المنطقة التي يستجاب فيها الدعاء للدعاء للآخرين.
ونقل علي بن إبراهيم عن أبيه أنه قال: رأيت عبد الله بن جندب في الموقف [عرفات] فلم أر موقفاً [للمناجاة] كان أحسن من موقفه، ما زال ماداً يديه إلى السماء [مدة طويلة] ودموعه تسيل على خديه حتى تبلغ الأرض. فلما صدر الناس [نحو المشعر] قلت له: يا أبا محمد، ما رأيت موقفاً قط أحسن من موقفك [وأنت تتضرع]. قال: والله ما دعوت إلا لإخواني، وذلك أن أبا الحسن موسى عليه السلام أخبرني أن من دعا لأخيه [في الإيمان] بظهر الغيب نودي من العرش: ولك مائة ألف ضعف [ما طلبت له]. فكرهت أن أدع مائة ألف مضمونة لواحدة لا أدري أتستجاب أم لا[8].
كما نُقِلَ ما يشبه هذا الحديث عن الأئمّة عليهم السلام وباقي الصحابة أيضاً[9].
وأهم ما يج ما يجب الالتفات إليه في هذه الروايات هو دعوتها أن يتذكر الحاج غيره عند تجمعه في عرفات. وما يناله الداعي من الفائدة عند دعائه للآخرين لا يحصل عليه عند دعائه لنفسه؛ إذ إنّ دعاء الإنسان لنفسه ربما لا يلقى الاستجابة، أما الدعاء للآخرين ففائدته أنّ الملائكة تدعو الله أن ينعم على الداعي أضعاف ما طلبه لغيره، ولما كان هؤلاء الملائكة لا يتكلمون إلا بإذن من الله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ[10])، فيكون دعاؤهم مستجاباً لا محالة. وتوضيح ذلك أن كل فعل أو قول وفكر علمي يمر بالروح يكون مقترناً بالإذن الإلهي تكويناً؛ إذ لا يمكن وجود موجود إمكاني دون أن يكون مستنداً إلى الواجب تعالى في نظام العلّة والمعلول. ولا شك في أن مبادئ الفعل سواء كانت طبيعة أم غريزة أم ميلاً وإرادة تبقى محفوظة في هذا الاستناد.
إن الأمور التي يطلبها الإنسان المجرم أو المتقي من الله والتي تندم المصلحة في تلبيتها ليست مسبوقة بالمطلوبية الإلهية ولا تتعلق بها إرادته، وكما يكون عصيان الكافر كإطاعة المؤمن بإذن الله التكويني، إلا أن الطاعة هي مطلوبة الله والعصيان مكروهه والتفاوت التكويني بين هذين - سوى التفاوت التشريعي بينهما لا يخفى على أهل النظر، في حين أن كل ما تريده الملائكة هو مطلوب إلهي، بل مأمور به، ومن هنا تنشأ حتمية حصوله.
تنبيه: لم ير البعض بأساً في تجمع الناس في المساجد بعنوان التشبه بأهل عرفات في التاسع من ذي الحجّة، بل صنع البعض ذلك أيضاً[11].
ويجب الالتفات إلى توفّر الأدلة العامة أو المطلقة التي ترغب في الدعاء بصورة عامة، وهي تشير إلى كون المسجد مكاناً مناسباً للدعاء الفردي والجماعي، فلا حاجة إلى قصد التشبه وما شابه ذلك.
[2] علل الشرائع ج1-2 ص87 بحار الانوار ج94 ص123-124
[3] مستدرك الوسائل ج10ص166
[4] اقبال الاعمال ص224 مفاتيح الجنان دعاء كميل
[5] وسائل الشيعة ج13 ص555
[7] وسائل الشيعة، ج 13، ص 528 - 561 .
[10] سورة الأنبياء، الآية 27.
[11] الجامع لأحكام القرآن، مج1، ج 2، ص 387.