وكان أنطونيوس قد عزم على الحرب في أوائل السنة 33، فنهض إلى مادي والتقى صاحبها، وجدد السلم والصداقة، ثم عاد إلى أفسس، ودعا كليوبترة إليها، وبدأ بالحشد، وكان مجموع القوى الرومانية في الشرق لا يتجاوز التسع عشرة فرقة، فأبقى أربعًا منها في قيرونة، وسبعًا في مصر وسورية، وقدمت كليوبترة مائتي سفينة حربية، وعشرين ألف وزنة، وكان لا بد من إنشاء سفن جديدة، فأطلق أنطونيوس يد كليوبترة في بيروت لبناء السفن في أحواضها من خشب لبنان، وكان لا بد من الإسراع في العمل، فأمر بقطع أشجار الغابة المقدسة في جزيرة كوس، وتجمع لديه قبل البدء بالأعمال الحربية حوالي ثمانمائة سفينة.
وازداد أنطونيوس قوة بوصول القنصلين إلى معسكره، ووصول الشيوخ الثلاثمائة معهم، واعتبر أن حكومة رومة الشرعية أصبحت في أفسس لا في رومة، وجعل الشيوخ ينقضون القرار الذي اتُّخذ في رومة بنزع سلطة الحكم الثلاثي عنه وبتجريده من رتبة القنصلية، وكان لا يزال محبوبًا مؤيدًا في بعض الأوساط في إيطالية، فلو استغل وجود الشيوخ والقنصلين معه أكثر مما تقدم شرحه، ولو ارتفع في مخاصمة أوكتافيانوس إلى هذا المستوى القانوني الدستوري لتمكن من إزعاج مناظره وإضعاف معنوياته، ولكن أنطونيوس وقف عند هذا الحد.
ثم إن عددًا من الشيوخ استنكر وجود كليوبترة في أفسس في ذلك الظرف الروماني الداخلي، وطلب إلى أنطونيوس إخراجها وإبعادها، وكان أشد هؤلاء انفعالًا القنصل دوميتيوس أهينوبربوس، فإنه كان قد لمس امتعاض الرومانيين من علاقات أنطونيوس مع كليوبترة، وأدرك درجة الخطر السياسي الداخلي من بقائها في المعسكر، فامتنع عن مخاطبتها كملكة، واكتفى بذكر اسمها الشخصي، وألحَّ على أنطونيوس بوجوب إبعادها. وكان أنطونيوس يحترم دوميتيوس، فطلب إلى كليوبترة أن تعود إلى مصر، فلم تلجأ إلى الاستهواء كسابق عادتها، بل رشت «كنيديوس Canidius» أحد كبار الضباط المقربين، وجعلته يدافع عنها بما أوتي من حكمة، فأكد كنيديوس إلى أنطونيوس أنه لا يجوز إغضاب المصريين بعد أن أمسوا أكثر رجال الأسطول عددًا، كما أنه لا يجوز إغضاب من موَّل الجيش وقدَّم معظم العتاد، فعاد أنطونيوس عن قراره، وبقيت كليوبترة في المعسكر العام.
وفي ربيع السنة 32، في إبان أعمال الحشد والتجييش، بينما كانت الحراب تُشحذ، والسيوف تُرهف، والتروس تُدق، رأى الزوجان الإلهان أنطونيوس وكليوبترة أن ينتقلا إلى جزيرة ساموس؛ ليشتركا في احتفال ديونيسوسي راقص كبير، احتفاء بديونيسوس الجديد وأفروديتة مصر! وظلَّت الرجال تتوافد على أفسس، فوصل «تركونديموتوس Tarcondimotus» قيليقية، الذي اتخذ لقب «صديق أنطونيوس» على ما سكَّه من نقود، و«أرخيلاوس Archealus» قبذوقية و«ديوتاروس Deiotaros» بفلغونية، و«ليكوميذس Licomedes» البونط، و«أمينتاس Amintas» غلاطية، وميتراداتس كوموجينة، وأمير حمص العربي يمبليخوس، وبوغود أمير موريتانية اللاجئ، وقدَّم ملكو النبطي العربي جنودًا ومؤنًا، وكذلك «أرتفسدس Artavasdes» المادي، ولم ترغب كليوبترة في اشتراك هيرودوس اليهودي بشخصه، لما كان لكلامه من تأثير في نفس أنطونيوس، ولكثرة عدد الساخطين عليها في المعسكر العام، فجعلت أنطونيوس يشغله بحرب محلية ضد جيرانه العرب. ولما بدأ يتغلب على هؤلاء أوعزت إلى والي البقاع، الذي حكم باسمها أن يعي أخصام هيرودوس؛ لتشغله وتضعفه في آن واحد، ثم ألحت على أنطونيوس بوجوب إلحاق مدينة غزة بممتلكاتها على حساب هيوردوس، وكان لغزة آنئذٍ أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية التجارية.
وفي آيار السنة 32، جعل أنطونيوس أثينة مقرًّا له، فتبعته كليوبترة إليها، فذكرت لياليه فيها مع زوجته أوكتافية، ولقيت من بعض الأوساط الأثينية شيئًا من السخط والسخرية على دور التفرقة، الذي كانت قد لعبته بين الزوج وزوجته الشرعية، فأوجبت التخلص من أوكتافية، فصدع أنطونيوس، وكتب إلى أوكتافية كتابًا رسميًّا بالطلاق، فقابلت أوكتافية الطلاق بالدموع، وعادت إلى خدن أخيها حاملة بنتها من أنطونيوس وابنه الأصغر من زوجته الأولى. وشاع ذلك في الأوساط الرومانية، فقوبل بامتعاض وسخط شديدين، وتمكن أوكتافيانوس من إقناع الجماهير بانقياد أنطونيوس لامرأة داهية خداعة، وخسر أنطونيوس بخروج أوكتافية من بيته في رومة حلقة وصل متينة كانت تربط بين مريديه، فإن أوكتافية ظلَّت حتى الساعة الأخيرة أمينة له، على الرغم من عدائه لأخيها، وصدَّق الجمهور ما كان يُروى عن مطامع كليوبترة بقول نُسب إليها، أنها ستعدل بين الناس من الكبيتول الروماني، وتسرَّب اليأس إلى قلوب الموالين لأنطونيوس، فاستنكروا ونفروا، وانحازوا الواحد تلو الآخر إلى جانب أوكتافيانوس.
وكان في طليعة المستنكرين النافرين «موناتيوس بلانكوس Munatius Plancus» ونسيبه «تيتيوس Titius»، فإنهما أعلنا فور وقوع الطلاق انضمامهما إلى معسكر أوكتافيانوس، ونقلا إليه محتويات الوصية، التي كتبها أنطونيوس، وأودعها عذارى ويستة لتفض بعد وفاته. فهب أوكتافيانوس لساعته يحاول الحصول على هذه الوصية؛ ليثبت بها ما كان قد شاع عن أنطونيوس من تبذير وإسراف، ورفضت العذارى تسليم الوصية، وقلن لأوكتافيانوس: إذا كان لا بد من الاطلاع عليها فخذها أنت بنفسك، فاخترق أوكتافيانوس حرمة المعبد، وتناول الوصية بيده وفضَّها، فإذا بأنطونيوس يعترف بقيصريون ابنًا شرعيًّا لقيصر، وإذا به يوزع الأراضي الرومانية في الشرق على كليوبترة وأولادها، وإذا به يوصي أنه في حالة وفاته في رومة يجب نقل جثمانه إلى الإسكندرية. وتُليت الوصية تلاوة علنية في مجلس الشيوخ، فانتصب أحدهم «كلويسيوس Calvisius»، وأدلى بتفاصيل أخرى أظهرت أنطونيوس في مظهر الانقياد والخنوع لأوامر سيدة مصر. ومما ادعى به أن أنطونيوس كان يهرع في بعض الأحيان لدلك أقدام كليوبترة، وأنه كان إذا جلس للقضاء أو تدبير شئون الدولة ووردت عليه رسائل كليوبترة، يوقف الأعمال؛ ليفض هذه الرسائل ويقرأها، وأنه إذا كان جالسًا في باحة من الباحات ومرَّت كليوبترة أمامه، يؤجل ما كان ينظر فيه إلى وقت آخر ويلتحق فورًا بها. ومما نقله أوكتافيانوس نفسه عن إنفاق كليوبترة في سبيل استرضاء أنطونيوس أنها أهدته أنواعًا منوعة من الأواني الذهبية، بينها وعاء للغائط من ذهب، صُنع خصيصًا لأنطونيوس.
وكان أوكتافيانوس قد دوَّخ بعض القبائل في البرية بين السنة 35 والسنة 33، وأنشأ عددًا من الثكنات المحصنة فيها، فاحتاط بذلك لهجوم بري على إيطالية قد يفاجئه به أنطونيوس، وكان أيضًا قد فرض شيئًا من هيبة رومة على القبائل الداقية الضاربة في حوض الدانوب الأسفل، وعاد إلى إيطالية ففرض الضرائب لجمع المال اللازم للحرب، فلقي بعض المقاومة، ولكنه سرعان ما أحبطها، وجاءت سياسة أنطونيوس في الشرق ضعيفة سخيفة، ففنَّدها أوكتافيانوس وقبَّحها، فالتفَّ الناس حوله وأيدوه، وانحاز إليه عدد متزايد من أنصار أنطونيوس.
وطلَّق أنطونيوس زوجته أوكتافية في أيار السنة 32، فأنكر الرومان عليه فعله، ولم يروا له فيه عذرًا، ثم وُفِّق أوكتافيانوس إلى وصية أنطونيوس، وتلاها في السناتوس، فاضطربت بها الألسن، ورأى الناس في شطرها الأخير، الذي قضى بدفن أنطونيوس في الإسكندرية إلى جانب كليوبترة، وبتخصيص أولادها منه بأموال طائلة، دليلًا على عزم أنطونيوس أن يجعل الإسكندرية عاصمة الدولة بدلًا من رومة، فقالوا: إنه لم يعد رومانيًّا، وإنما أمسى أداةً بيد امرأة أجنبية (1). واستغل أوكتافيانوس هذا كله فأجمع الناس في خريف السنة 32 على تأييده ﺑ «القسم conjuratio»، واعتباره قائدًا عامًّا في جهاد مقدَّس لدرء الخطر من الشرق، وشمل هذا القسم الغرب كله، فنزع أوكتافيانوس سلطة الحكم الثلاثي من يد أنطونيوس، واعتبره غير لائق لأن يكون قنصلًا في العام 31، ثم توجه إلى هيكل «بلونة Bellona» إلهة الحرب بصفته رئيس كهنة «الفيتيالس Fetiales»، وغمس سهمًا في الدم وسدده نحو الشرق بلاد العدو، وأعلنها حربًا مقدسة على كليوبترة لا على أنطونيوس(2).
وأطلَّت السنة 31ق.م.، فإذا هو قنصل للمرة الثالثة، يعاونه في هذه الوظيفة «فاليريوس ميسلَّة كوروينوس Valerius Messalla Corvinus» بدلًا من أنطونيوس، وتمت الاستعدادات للحرب، فأقيم «مكيناس Maccenas» حاكمًا على إيطالية والعاصمة، وأنفذ «كورنيليوس غالوس Cornelius Gallus» إلى أفريقية؛ ليصد كل هجوم يأتي من الشرق،29 وأقلعت قوة بحرية إلى الغرب لتحمي شواطئه، وفي أوائل الربيع بعد أن أصبح البحر صالحًا للملاحة والمناورة، عَبَر أوكتافيانوس بحر الأدرياتيك، يحيط به عدد كبير من الشيوخ.
........................................
(1) DIO CASS., 50:3–5; SUETONIUS, Aug., 17; PLUTARCH, Ant., 55.
(2) HOMO, L., Haut-Empire, 16; TARN and CHARLESWORTH, op. cit., X, 97–99.