"ليس الموت أكبر خسارتنا، بل أكبرها على الإطلاق، أن يموت ما بداخلنا ونحن أحياء" نورمان کوزینز
اليوم، على غير العادة تصدر الصحف خبر طغى على العناوين الاقتصادية والسياسية، نظرًا لأهميته الشديدة. وقد وردت صياغته كالتالي: "خلال أربعين عاما، ستتضاعف معدلات الإصابة بمرض الزهايمر ثلاث مرات".
لا أريد إثارة مخاوفك، بل على النقيض، أود أن يحمل هذا الكتاب رسالة إيجابية، وأن يقدم خلاصة لمجموعة من العادات الحسنة التي تجعلك أكثر سعادة لفترة أطول؛ لذا سأكتفي في هذا الفصل فقط بتوضيح الحقيقة بشكل كامل. فنحن كعلماء النفس نعلم أن أحد محركات التحفيز هو معرفة وضعك الراهن بكل تبعاته ومخاطره حتى تتمكن من تقييم الفوائد المحتملة بمسئولية.
يستعرض عنوان هذا الفصل نتائج دراسة نشرت في مجلة علم الأعصاب، واحدة من أكثر المجلات المرموقة في نشر أبحاث الدماغ. على مر الأعوام، دق العديد من الباحثين ناقوس الخطر بشأن أهمية التصدي للمشكلة المتعلقة بأمراض الدماغ المرتبطة بالشيخوخة. الواقع أن عدد الذين يبلغون سن الشيخوخة في تزايد مستمر. ففي بلد مثل إسبانيا يوجد الآن قرابة 8 ملايين شخص فوق سن الستين، وسيزداد في غضون 35 عاما فقط ليصبح 16 مليونًا أي ما يعادل الضعف. وبناءً على هذه المعلومة، بإمكان أي شخص إدراك أن حالات الزهايمر ستتضاعف، والأمراض الأخرى المرتبطة بالتقدم في العمر أيضًا.
كذلك، فقد زاد متوسط العمر المتوقع بواقع ثلاث سنوات في السنوات الأخيرة فقط. ومقارنة بالجيلين السابقين، فقد زاد متوسط عمرك بمقدار 15 عاما. بمعنى إذا كان جدك قد عاش 75 عاما، فمن المرجح بشدة أن تعيش أنت 90 عامًا. ومع كل عام يزداد فيه متوسط عمرك، يزداد كذلك خطر تعرض دماغك إلى أحد الأمراض. فهناك العديد من الاضطرابات التي من الممكن أن تصيب دماغك قد لا تعرفها كلها، لكنك بالتأكيد قد سمعت عن بعضها، أو ربما عايشت أحدها عن قرب مثل داء الزهايمر، الباركنسون، أورام الدماغ، والسكتات الدماغية، وهي الأكثر شيوعا، وهناك أنواع أخرى من الخرف يمكن أن تفاجئك.
لكن المؤكد أن أكثر ما يقلقك هو مرض الزهايمر، ولا غرابة في هذا، فهو حاضرٌ بشكل كبير في وسائل الإعلام، وربما أيضًا في عائلتك، أو في عائلة أحد أصدقائك، أو زملائك المقربين في العمل، إنه تحذير اجتماعي واقتصادي حقيقي، حيث يُصاب به العديد من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الكثير من المساعدة على مدار ما يقرب من عشر سنوات تستغرقها مدة المرض. تفوق أعداد النساء المصابات بالزهايمر أعداد الرجال إلى (الضعف تقريبا) بسبب قابليتهن الوراثية للمرض، وخاصة لأنهن يعشن لفترة أطول. ورغم ذلك، إذا كنت تتوقع الوصول إلى سن الثمانين (وصدقني، هناك فرصة كبيرة لتجاوز الثمانين وحتى التسعين). فالأمر يصبح غير مهم سواء أكنت رجلا أم امرأة. بشكل عام، يُصاب قرابة 20% من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن الثمانين عاما بخرف الزهايمر. بمعنى، عندما تكبر، فهناك احتمالية بنسبة 20% بأن تُصاب بنوع من الخرف مثل مرض الزهايمر. ورغم ذلك، إذا استمر متوسط العمر في الارتفاع، مع التقدم الطبي، فقد تصل فرص إصابتك بمرض الزهايمر إلى قرابة 25% لأنك ببساطة ستعيش لفترة أطول. وعليه لا بد وأن نضيف إلى هذه الحقيقة اكتشافنا بأن العديد من عادات نمط الحياة الحالية ليست مفيدة لدماغك؛ لهذا إذا لم تبدأ في العناية بدماغك قريبا، فربما عندما تبلغ نفس عمر جدك، تزيد قابلية إصابتك بمرض الزهايمر أكثر منه.
ربما تعتقد إذا لم تكن قد بلغت الستين عاما، أن هاوية فقدان الذاكرة الأكثر تدميرا لا تزال بعيدة، هذا حقيقي لديك بالفعل حياة كاملة في انتظارك، لكن كل تلك السنوات التي تفصلك عن المرض، لا تجعل مستقبلك أقل واقعية. فبناء على المعلومات المتوفرة لدينا اليوم، فإن احتمالات إصابتك بمرض الزهايمر تشبه في تزايدها بشكل منتظم احتمالات أن ينتهي تاريخ ميلادك، أو رقم بطاقة هويتك الشخصية، أو رقم هاتفك بالرقم 3، 6، أو 9. هل تعرضت لهذا؟ هل حدث ذلك لشخص قريب منك؟
إذا كنت ممن قاده حظه العثر لرؤية مريض بالزهايمر وجها لوجه، فلا بد وأنك قد رأيت مشهدًا مرعبا. ربما قابلت جدك المصاب بالزهايمر عندما كنت صغيرًا جدًا، لكن قد لا تتذكره بالحيوية التي كان يتمتع بها في شبابه، ولم يترك ذلك انطباعًا كبيرًا عليك، لكن إذا كنت قد رأيت والدتك أو والدك أو عرفت شخصًا قد أصيب بالمرض لاحقا، فستفهم ما أعنيه. يعد مرض الزهايمر من أقسى الأمراض على المريض وعلى عائلته؛ حيث يتلاشى الدماغ يوما بعد يوم، حاملا معه الذكريات، الأعمال، وأخيرا، هوية الشخص.
دعنا نجري تمريناً بسيطا، اكتب في ورقة عشرة أشياء تميزك كشخص، أو تجعلك تشعر بالارتياح. بإمكانك تضمين كونك أما أو أبا، مهنتك، هواياتك، أصدقائك، مطعم تفضل الذهاب إليه، المكان الذي ترغب في العودة إليه إذا أتيحت لك الفرصة، أو حتى مغني تحب الاستماع إليه، وتخيل أن يتم سلب كل هذا منك، ثم نقلك إلى شقة مشتركة غريبة وغير مريحة، ولا تعرف أحدا هناك على الإطلاق. قد ترعاك زوجتك أو أبناؤك في منزلك، لكن إذا أصبت يوما ما بمرض الزهايمر، فستشعر بالتأكيد بما وصفته لك للتو، بفقدان نفسك.
بالرغم من أن الزهايمر هو المرض الأكثر إثارة للخوف بالنسبة للجميع، لكن هناك تهديدًا آخر ربما أكبر لدماغك، وهو المسبب الأول للوفاة عند النساء. متفوقا على السرطان، والسبب الثاني للوفاة عند الرجال، ويعد السبب الأول لحدوث إعاقة بالنسبة لكليهما. وعلى الرغم من انتشاره الهائل، إلا أنه غير معروف إلى حد كبير. لا شك أن "الجهل" الاجتماعي فيما يتعلق بهذا التهديد لدماغك، مرجعه جزئيًا إلى حقيقة أن له العديد من الأسماء؛ حيث يمكن تعريفه بالسكتة الدماغية أو الجلطة الدماغية، أو النزيف الدماغي، أو تمدد الأوعية الدموية، أو الحادث الدماغي، أو الحادث الوعائي الدماغي. بالرغم من أن كل مصطلح من هذه المصطلحات له سبب من الناحية الطبية، إلا أنها جميعًا تشير إلى انقطاع مفاجئ لتدفق الدم إلى منطقة من الدماغ، تنتهي بموت هذه المنطقة، وإذا لم يتم اتخاذ إجراء في الوقت المناسب فمن المحتمل جدا أن يموت الشخص أيضًا. ويعني عدم التصدي لذلك، إن واحدًا من كل ثلاثة من القراء سيصاب بسكتة دماغية خلال حياته. وعلى العكس من مرض الزهايمر، فإن احتمال الإصابة بسكتة دماغية أثناء شبابك (قبل سن الخامسة والخمسين) مرتفع. يتوفى العديد من الأشخاص كل عام بسبب السكتة الدماغية، ويتعرض الكثيرون لعواقب دائمة. أرى في عملي يوميا، شبابا تتراوح أعمارهم بين السادسة عشر والخمسين، أصيبوا بسكتات دماغية، وفقدوا القدرة على النطق، الكتابة، القراءة، التحكم والسيطرة، أو تحريك ذراع أو القدرة على المشي. ورغم ما نبذله من جهد كبير مع هؤلاء المرضى، إلا أن معظمهم لا يعود إلى العمل، أو القيادة، والكثير منهم يحتاج إلى رعاية مدى الحياة.
من المهم معرفة أن غالبية الأشخاص الذين يعانون السكتة الدماغية، يعانون نفس الأعراض في البداية؛ حيث يشعرون بالضعف والشلل في أحد جانبي الجسم (في الساق وبشكل رئيسي في الذراع والوجه) ويواجهون صعوبات في التحدث (فقدان النطق أو التلفظ بأشياء غير مفهومة) عند ظهور تلك الأعراض، من الحتمي أن تقوم أنت أو أحد أفراد الأسرة بالاتصال بالإسعاف قائلا: "أعتقد أنني على وشك الإصابة بسكتة دماغية". لا تتناول أي شيء لا أسبرين، ولا مياه غازية. أهم شيء أن تجري الاتصال، فاستجابتهم في الساعة الأولى، يمكن أن تقلل من العواقب بنسبة كبيرة، عن انتظارك لبضع ساعات لمتابعة تطور الأمر. لقد عرفت العديد من الأشخاص ممن فقدوا عزيزا لديهم بسبب جهلهم بتلك المعلومة، حاول نقل هذه المعلومة لكل من تعرفهم. إذا ساعد هذا الكتاب في تنبيه شخص واحد وتعريفه بتلك الأعراض والإبلاغ عنها، فأنا على ثقة من أنني وناشري سنكون سعداء.
مرضى السكتة الدماغية من جميع الطبقات الاجتماعية، المهن، والأعمار. معظمهم من المدخنين وممن يعانون مستويات عالية من التوتر، زيادة الوزن، الكوليسترول أو السكر في الواقع، إذا كان لديك عرضان من تلك العوامل الخطرة قبل سن الأربعين، فاحتمال إصابتك بالسكتة الدماغية قبل سن الثمانين تبلغ 50%. وإذا كان لديك أكثر من اثنين، فإن احتمالية إصابتك تزداد كلما اقتربت من العمر الذي يمكن أن تُصاب فيه سريعا. يشعر الكثيرون بالعجز أمام هذه البيانات، كما لو أن مصيرهم قد تحدد، في حين أنها عوامل تنذر بخطر يمكن السيطرة عليها بل إن هناك الكثير مما يمكنك فعله حتى تقي نفسك من الإصابة بالسكتة الدماغية.
لقد أثرت ذعرك بما يكفي، لهذا فلن أتعمق في مجال الأمراض العصبية، لكن لا بد من معرفة أن هناك حالات متزايدة من مرض باركنسون، وأنواعًا أخرى من أمراض الدماغ التنكسية، وهذا حتمي، فمع تقدمنا في العمر، تدخل الدماغ في مواجهة مباشرة، لكنني لا أرغب في إنهاء هذا الفصل، دون أن أحدثك عن التهديدات الأساسية الأخرى التي يتعرض لها دماغك.
يفصل الطب بين اضطرابات الدماغ التي يعالجها أطباء الأعصاب والأخرى التي يعالجها الأطباء النفسيون من الصعب جدا بالنسبة لي أن أقدم لك تفسيرا واضحًا عن الخط الفاصل بين العصبي والنفسي؛ لأنه ببساطة غير موجود، لكن بشكل عام، يركز الأطباء النفسيون أكثر على اضطرابات المزاج، وهذا من ضمن تلك الأمراض، والاضطرابات التي أرغب في تنبيهك إليها.
شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في ظهور الاضطرابات المزاجية؛ حيث نجد في الوقت الحالي، خضوع العديد من الأطفال إلى العلاج النفسي أكثر من أي وقت مضى، لوجود حالات نقص الانتباه، اكتئاب مرحلة الطفولة أو المراهقة، فقدان الشهية أو الشره المرضي، وجميعها أمور مثيرة للقلق وغير مقبولة بالنسبة لمجتمع يهتم بأبنائه. في الوقت نفسه، يعد الاكتئاب، التوتر والقلق من الأمور الشائعة عند البالغين. والمؤسف، أن المجتمع يتعاطى مع هذا الأمر باستسلام بل وبتراخي. حتى أصبح تناول شريك حياتنا دواءً لعلاج الاكتئاب أمرًا طبيعيا، كما هو الحال بالنسبة لنا عند العودة في العاشرة مساءً بعد يوم مُضنِ من العمل، ولا نجد ساعة واحدة للاهتمام بما فعله شريكنا في يومه. استمعت منذ 15 عاما إلى محاضرة رائعة ألقاها عالم النفس الشهير وربما الأكثر تأثيرًا في علم النفس الحديث (مارتن سليجمان) مؤسس علم النفس الإيجابي، عرض خلالها بیانات علما ذكرته للتو، وكان يشعر بصدمة شديدة، ليس فقط من الانتشار المتزايد للاضطرابات المزاجية، ولكن لتهاون المجتمع معها أيضًا. ووفقا للفرضيات، التي يتم التحقق من صحتها شيئًا فشيئًا، فإن الحياة المعاصرة مليئة بالرفاهية وحتى الكماليات مما يجعل أدمغتنا أقل مقاومة للإحباط، وأقل امتنانا لما نملكه، وعلى النقيض أكثر توترًا وحدة من أي وقت مضى في تاريخ البشرية. باختصار، لدينا أجهزة IPAD, I CLOUD, IPHONE لكن فهمنا لما هو مهم بالفعل أصبح أقل، وعليه فقد أصبحنا أقل سعادة عما كنا عليه منذ سنوات.
إن الطريق إلى صحة الدماغ هو أيضًا الطريق إلى حياة أطول لدماغك، لكنه أيضا الطريق إلى راحة نفسية أكبر. فالعناية بدماغك لا تعني حماية خلاياك العصبية فقط، بل وتحسين حياتك أيضًا.