في هذه المرحلة من قصتنا، تشابكَت العلاقات بين مصر وجنوب بلاد الشام مرةً أخرى، ولكنْ هذه المرة كان ذلك لأنَّ مصر كانت تستعيد عافيتها أخيرًا، بفضل شيشنق الأول. اعتلى شيشنق الأول عرش مصر في منتصف القرن العاشر، حوالي 945 قبل الميلاد، بعد بسوسنس الثاني، الذي حكم مصر بعد وفاة سي آمون. كان سي آمون وبسوسنس الثاني آخِر ملكَين من الأسرة الحادية والعشرين؛ وكما ذكرتُ آنفًا، فقَدْ دُفِنا في الغرفة الأمامية لمقبرة بسوسنس الأول. وكان شيشنق أولَ ملك لسلالةٍ جديدة، هي الأسرة الثانية والعشرين (1).
كان شيشنق من أصلٍ ليبي، على الرغم من أن عائلته عاشت في مصر لأجيال، وكان عمُّه، أوسركون الأكبر، ملكًا لمصر بالفعل قبل سي آمون مباشرةً. أبقى شيشنق العاصمة في تانيس ولكنَّه فرَضَ سيطرةً أوثقَ على طِيبة بتعيين ابنه أوبوت رئيسًا لكهنة آمون. وقد حلَّ هذا محلَّ الخط الوراثي السابق وأعاد إلى مصر قدْرًا من الوحدة لعدَّة عقود. وهو أيضًا أول ملكٍ يترك سجلَّات للعمليات العسكرية في بلاد الشام منذ انهيار أواخر العصر البرونزي (2).
وهنا قد يتدخل الكتاب المُقدَّس العبري لِلَعب دوره مرةً أخرى أيضًا؛ لأنه من المُفاجئ أن يُخبرنا أنَّ فرعونًا مصريًّا يُدعى شيشق حاصَرَ القدس وحمل معه كميةً لا تُحصى من الذهب والكنوز الأخرى من المدينة والقصر والمعبد بعد بضع سنواتٍ من وفاة الملك سليمان، أي في الفترة ما بين 930 و925 قبل الميلاد. «وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِلْمَلِكِ رَحُبْعَامَ، صَعِدَ شِيشَقُ مَلِكُ مِصْرَ إِلَى أُورَشْلِيمَ؛ وَأَخَذَ خَزَائِنَ بَيْتِ الرَّبِّ وَخَزَائِنَ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ. وَأَخَذَ جَمِيعَ أَتْرَاسِ الذَّهَبِ الَّتِي عَمِلَهَا سُلَيْمَانُ» (سِفر الملوك الأول، الإصحاح 14: الآيتان 25-26) (3).
على الرغم من أن البعض يجادل في ذلك، فإن معظم المؤرِّخين التوراتيِّين وعلماء المصريات يرَون أنَّ الفرعون شيشق المذكور في الكتاب المقدَّس لا يمكن أن يكون أيَّ أحدٍ سوى شيشنق الأول. ويستند هذا جزئيًّا إلى نقشٍ أمَرَ شيشنق بنقشِه على ما يُعرَف ببوابة بوباستيت في معبد الكرنك في مصر، والتي شكَّلَت جزءًا من أول توسعةٍ رئيسية للمجمع منذ الأسرة العشرين. وعلى الرغم من أنَّ هذا النقش أيضًا محلُّ جدالٍ كبير؛ فإنه مُدرَجٌ فيه أسماء عددٍ من المدن التي هاجمها شيشنق في أراضي ما كان يُعرَف بمملكة إسرائيل الموحَّدة في عهد داود وسليمان. ومن بين هذه المدن مَجِدُّو، إلى جانب مدنٍ أخرى في وادي يزرعيل، منها تعنَك وشُونَم (4).
وقد أثارت قائمة شيشنق للمدن المحتَلَّة قدْرًا كبيرًا من الاهتمام وبعضَ الشكوك على مرِّ السنين، ولكنْ ربما جاء تأكيدُ دقَّتها قبل قرنٍ من الزمان تقريبًا، في أواخر عام 1925، عندما استخرج علماء الآثار بجامعة شيكاغو، الذين عملوا خلال موسمهم الأول في مَجِدُّو، قطعةً حجريةً منقوشًا عليها خرطوشة شيشنق الأول. كان المُنَقِّب السابق للموقع، جوتليب شوماخر، قد استخرجها عندما كان يحفر هناك من عام 1903 إلى عام 1905، ولكنْ لم يُدرِك أحدٌ أهميتها، ولذلك أُلقِيَت على كومةٍ من التراب بجوار خندق تنقيب، حيث وجدَها فريقُ شيكاغو بعد عشرين عامًا.
كان جيمس هنري برستد قادرًا على ترجمة الكتابة الهيروغليفية الموجودة على القطعة المُستخرَجة عندما زار فريقه في مارس 1926، وسرعان ما انتشر الخبر في جميع أنحاء العالم عن الاكتشاف الذي توصَّلوا إليه؛ ممَّا أحدَثَ ضجةً كبيرة مثل الضجة التي أعقبَت ذلك بعامَين، مع اكتشاف «إسطبلات سليمان». ويبدو أن هذه القطعة تؤكِّد ادعاء شيشنق، حيث يُعتقَد أنها جاءت من نصب تذكاري منقوش، يبلغ ارتفاعه في الأصل ربما عشر أقدام، وكان من المُفترَض إنشاؤه في مدينة مَجِدُّو بعد استيلاء القوات المصرية عليها (5). ومع ذلك، فإننا لا نعرف في أيِّ المستويات في مَجِدُّو عُثِر عليها؛ حيث إن رجال شوماخر لم يُسجِّلوا موقع القطعة.
رغم ذلك، اعتقد بعض العلماء في مرحلةٍ ما أنهم تمكنوا من تحديد المدينة التي عند مَجِدُّو والتي استولى عليها شيشنق، وهي الطبقة المعروفة لدى المُنقبين باسم مَجِدُّو 6إيه. وقد احترق كليًّا هذا المستوى، الذي وُصِف تارةً بأنه آخِر مدينةٍ كنعانية وتارةً أخرى بأنه أول مدينة إسرائيلية بُنيَت في الموقع، في وقتٍ ما خلال القرن العاشر قبل الميلاد. وقد عثَرَ مُنقِّبُو شيكاغو على هياكلَ عظميةٍ غير مدفونة، لا تزال ملقاةً في المنازل المدمَّرة وعلى بقايا أعمدةٍ خشبية وأشجار لا تزال في الموقع. واقترح آخرون بدلًا من ذلك أن الدَّمار قد يُعزى إلى قوات الملك داود أو حتى إلى الفلستيين. ومع ذلك، فإن الأدلة — التي تشمل الجدران المُتشقِّقة والمائلة، إضافةً إلى الهياكل العظمية والأشجار والأعمدة المحروقة — تشير بقوةٍ، بدلًا من ذلك، إلى زلزال، ربما يكون قد دمَّر أيضًا مجتمعاتٍ محلية قريبة (6).
الأمر المُثير للاهتمام بشكلٍ خاص، بشأن هجوم شيشنق على مَجِدُّو، هو أن المدينة ربما كانت موجودةً بالفعل داخل مملكة إسرائيل الشمالية بحلول ذلك الوقت. وقد أسَّس يربعام هذه المملكة الشمالية في الوقت نفسه الذي أسَّس فيه رحبعام مملكةَ يهوذا الجنوبية، بعد انقسام المملكة الموحَّدة إلى المملكتَين المُنفصلتَين بعد وفاة سليمان. كانت هناك علاقة بالفعل بين يربعام وشيشق في ذلك الوقت، حيث تنصُّ الرواية التوراتية على أنه قبل وفاة سليمان هرب يربعام إلى مصر وكان يعيش هناك، مُختبئًا تحت حماية شيشنق/شيشق: «وَطَلَبَ سُلَيْمَانُ قَتْلَ يَرُبْعَامَ، فَقَامَ يَرُبْعَامُ وَهَرَبَ إِلَى مِصْرَ إِلَى شِيشَقَ مَلِكِ مِصْرَ. وَكَانَ فِي مِصْرَ إِلَى وَفَاةِ سُلَيْمَانَ» (سِفر الملوك الأول، الإصحاح 11: الآية 40) (7).
وهذا يعني أنه إذا كان شيشنق قد شَنَّ بالفعل حملةً عسكريةً على مَجِدُّو والمدن الأخرى في وادي يزرعيل، كما يشير نقشه في الأقصر وشظية النصب التذكاري في مَجِدُّو؛ فإما أنه كان يقاتل قوات يربعام، الرجل الذي كان يحميه حتى وقتٍ قريب، أو — كما اقترح ناداف نعمان من جامعة تل أبيب — ربما كانت حملة شيشنق إلى الشمال تهدف جزئيًّا، وفي المقام الأول، إلى وضْعِ يربعام على عرش مملكة إسرائيل الشمالية. ولكنَّ مثل هذا العمل لم يرِدْ ذِكره في الرواية التوراتية، وإن كان من المُمكن أن يكون قد حُفِظ ذات يوم في «سِفر أخبار الأيَّام لملوك إسرائيل» المفقود الآن (انظر، على سبيل المثال، سِفر الملوك الأول، الإصحاح 14: الآية 19) (8).
ومن النقاط المُثيرة للاهتمام أنَّ القائمة التي نجَت ووصلَتنا — للمدن التي هاجمها شيشنق الأول — «لا» تشمل أورشليم، وأنَّ «مسار الرحلة» لا يتَّفق مع إدراجها في الحملة المُسجلة على بوابة بوباستيت. ومع ذلك، هناك مساحاتٌ شاسعة من الجدران التي أضافها شيشنق إلى الساحة الأمامية في الكرنك؛ ومن المُرجَّح أنَّ شيشنق لو ظلَّ على قيد الحياة، لكانت أُضيفَت لوحاتٌ ونقوشٌ إضافية، تشتمل على حملةٍ واحدة أو أكثر من الحملات الأخرى، التي ربما كانت تشمل الهجوم على أورشليم (9).
.....................................
(1) Kitchen 1973: 283; Grimal 1988: 319; Clayton 1994: 181, 184-85; Chapman 2009, 2015; Sagrillo 2015; Mushett Cole 2016: 70, 72–74; Dodson 2019: 77–81, 87–89, 95, 101-2, fig. 79; Höflmayer and Gundacker 2021.
(2) Kitchen 1973: 286-87; Grimal 1988: 319–22; Clayton 1994: 183-84; Kuhrt 1995: 626–28; Snape 2012: 431; Mushett Cole 2016: 75-76; Dodson 2019: 92-93.
(3) See also 2 Chronicles 12: 2–9; discussion includes, e.g., Kitchen 1973: 295-96; Clayton 1994: 184-85; Cline 2004: 38–41; Mushett Cole 2016: 76-77, among many others.
(4) See, e.g., Kitchen 1973: 296–300; Clayton 1994: 184-85; Ehrlich 1996: 63–65; Finkelstein 2002, 2013: 41–44, 76-77; Mushett Cole 2016: 76-77; Dodson 2019: 93, 95, figs. 66, 68, 70; Schipper 2019: 30-31, 36-37. See now also the numerous conference papers in James and van der Veen 2015.
(5) See now the full discussion of the discovery in Cline 2020 and of the inscription itself previously in Cline 2000: 75–82, with earlier references found in both.
(6) See Cline 2011 and now the relevant pages in Cline 2020.
(7) See, e.g., Kitchen 1973: 294-95; Grimal 1988: 322-23.
(8) Na’aman 2021: 24–26.
(9) See now Dodson 2023: 297–307.