يذكر شيشنق أيضًا موقع رحوف في قائمته الطوبوغرافية في الكرنك. كانت رحوف مدينةً كنعانية كبرى تقع في وادي بيت شان (بيسان)، وقد نجحَت بطريقةٍ ما في الانتقال إلى العصر الحديدي دون أن يلحق بها أذًى تقريبًا. وهي واحدةٌ من أكبر التِّلال الأثرية في جنوب بلاد الشام، وتتكوَّن من تلةٍ منخفضة يُهيمن عليها تل علوي في الطرف الجنوبي، وتُغطِّي ما بين عشرة إلى أحد عشر هكتارًا (حوالي خمسة وعشرين فدَّانًا). وقد عُرفَت منذ عام 1939، عندما عثر عالِمَا آثارٍ معروفان، هما روث عميران، المُتخصِّصة في الفخَّار، وأبراهام بيران، الذي نَقَّب في تلِّ دان، على السطح على قطعة فخار منقوشة بنقشٍ بالكنعانية البدائية، وكانت المنطقة محورًا لعمليات تنقيبٍ أثريةٍ مكثفة وواسعة النطاق، أشرَفَ عليها عميحاي مزار من الجامعة العبرية من عام 1997 حتى عام 2012 (1).
ويبدو أن المدينة نجَت من الدمار الذي لحق بها على يد شيشنق أيضًا، إلا أنها دُمِّرت بفعل زلزال أدَّى إلى تدمير الطبقة السادسة فيها خلال الثلث الأخير من القرن العاشر قبل الميلاد (ربما الزلزال نفسه الذي دمَّر الطبقة التي تحمل اسمًا مشابهًا وهو 6إيه في مَجِدُّو والمذكور أعلاه). تصدَّرَت رحوف عناوينَ الأخبار قبل بضع سنواتٍ عندما اكتُشِف مَنْحل، أو منشأة لتربية النحل، في المرحلة التالية، الطبقة الخامسة، والتي دامت خلال السنوات المُتبقِّية من القرن العاشر قبل الميلاد وحتى الربع الأول من القرن التاسع قبل الميلاد. يبدو أن الروابط الأجنبية لم تكن غريبةً على مدينة هذا المستوى، حيث عُثِر على فخَّارٍ فينيقي وقبرصي وحتى يوناني في الموقع، وكذلك تمائم من الفخار المصري وعِظام سمكِ الفرخ النيلي (2).
بُنِي المنحل في قلب منطقةٍ حضرية كثيفة داخل المدينة، وليس على مشارفها كما قد يظنُّ المرء (3). وعثَرَ المُنقِّبون على 30 خليةَ نحلٍ؛ وقد قدَّرُوا أن عدد خلايا النحل ربما بلغ في الأصل 180 خلية، أُقيمَت في ثلاثةِ صفوفٍ متوازية. وكانت كلُّ خليةِ نحلٍ تتكوَّن من أسطوانةٍ مجوَّفة مصنوعة من الطين غير المحروق المخلوط بالقشِّ، وكان طولها أقلَّ بقليلٍ من متر (ثلاث أقدام)، وكان حجمها يزيد قليلًا عن خمسين لترًا. وكان أحد طرفَي الأسطوانة مغلقًا باستثناء «فتحة طيران» صغيرة تسمح للنحل بالدخول والخروج كما يحلو له. وكان الطرف الآخَر مزوَّدًا بغطاءٍ طيني قابلٍ للإزالة، كان يسمح لأصحاب خلية النحل بفتح الخلية والوصول إلى العسل.
وداخل الخلايا عُثِر على بقايا أقراص العسل، إضافةً إلى بقايا نحلٍ حقيقي — عيون وعضلات وأرجُل وأجنحة — وهي أول بقايا نحلٍ عُثِر عليها في الشرق الأدنى القديم. ومن المثير للاهتمام أن بدا هذا النحل نحلَ عسلِ الأناضول، وليس نوعًا أكثرَ محلية، مما يعني أنه من المُحتمَل أنهم اسْتَجلَبوه عمدًا لمسافة حوالي خمسمائة كيلومتر. وقد اقترح المُنقِّبون، في الواقع، أنَّ أسراب النحل هذه «اسْتُجْلِبَت إلى وادي بيت شان، بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، من إحدى الدول الحيثية الجديدة/اللوفية في جنوب تركيا» (4).
ويُقدَّر أنَّ كلَّ خليةِ نحلٍ كان يمكن أن تُنتج ما يصل إلى خمسة كيلوجرامات من العسل سنويًّا، إضافةً إلى نصف كيلوجرام أو أكثر من شمع العسل؛ مما يعني أن الخلايا المائة والثمانين كان يمكن أن تُنتِج ما يقرب من ألف كيلوجرام من العسل وما يقرب من مائة كيلوجرام من شمع العسل سنويًّا، وربما يكون هذا جزءًا من السبب وراء ذِكر إسرائيل القديمة عدَّة مرَّاتٍ في الكتاب المقدَّس العبري باعتبارها «أرضًا تفيض لَبَنًا وعَسَلًا» (على سبيل المثال، سفر الخروج، الإصحاح 3: الآية 8؛ وسفر العدد، الإصحاح 14: الآية 8؛ وسفر التثنية، الإصحاح 31: الآية 20). إنَّ كلَّ ذلك العسل وشمع العسل أكثرُ بكثير ممَّا كان يمكن استهلاكه محليًّا؛ لذا اقترح علماء الآثار أنَّ السكَّان ربما كانوا يُتاجرون أو يَبيعون كلًّا من العسل وشمع العسل؛ وكان شمع العسل مطلوبًا بشدة لمجموعةٍ متنوعة من الاستخدامات، منها الاستخدامات الطبية (5).
عُثِر على جرَّة بالقُرب من المنحل، مكتوبٍ عليها «مِلك نِمْشِي»، ولذلك اقترح المُنقِّبون أن المنحل ربما كان مملوكًا لعائلة نِمْشِي، والتي كانت تَعُد في النهاية يَاهُو — ملك إسرائيل في أواخر القرن التاسع قبل الميلاد — من بين أحفادها. ومع ذلك، دُمِّر المنحل لاحقًا في حدثٍ عنيف، ربما زلزال آخر، ممَّا أدَّى إلى دفن خلايا النحل تحت ما يقرُب من مترٍ من الطوب اللَّبِن المتساقِط والعوارض الخشبية المُحترِقة. كما أدى هذا الحدث المُدمِّر إلى إنهاء الطبقة الخامسة في أواخر القرن العاشر أو أوائل القرن التاسع قبل الميلاد، ولكننا سنلتقي بالموقع مرةً أخرى، وكذلك يَاهُو، في الصفحات التالية (6).
...............................................
(1) The results of the excavation have recently been published in a five-volume set (Mazar and Panitz-Cohen 2020) , but briefer accessible articles have recently been published in Near Eastern Archaeology magazine in 2022; these will be cited below. On the mention by Sheshonq I, see Mazar 2022b: 122-23.
(2) Mazar 2022b: 110-11, 114-15, 122.
(3) All of the following information is based on the extremely useful article by Mazar, Panitz-Cohen, and Bloch 2022: 126–28, with references to the more comprehensive discussions published by those authors elsewhere.
(4) See Mazar, Panitz-Cohen, and Bloch 2022: 128-29.
(5) See again Mazar, Panitz-Cohen, and Bloch 2022: 126-27.
(6) Mazar 2022b: 116; Mazar, Panitz-Cohen, and Bloch 2022: 127.