كانت معركة قَرقُور، التي وقعَت في السنة السادسة من حكم شلمنصر الثالث (853 قبل الميلاد) هي أشهر معاركه؛ أو على الأقل المعركة التي يذكرها المؤرخون كثيرًا — وقد سُجِّلَت هذه المعركة بأدقِّ التفاصيل على نقشِ النصب الخاص به، حيث يذكر أنه حارب تحالفًا من اثني عشر ملكًا.
وقد أطلق جريسون، عالم الآشوريات في جامعة تورنتو، على هذا التحالف اسم «تحالف دمشق»، حيث كان من بين أعضائه هَدَد-عزر (أداد-إدري)، ملك آرام-دمشق، الذي جلب 1200 عربة حربية و1200 فارس و20 ألفَ جندي إلى ساحة المعركة. وكان هناك أيضًا إيرهوليني، ملك حماة، الذي جلب 700 عربة حربية و700 فارس و10 آلاف جندي؛ وأخاب، ملك إسرائيل، الذي أحضر ألفَي عربة حربية و10 آلاف جندي (لاحظ أنَّ هذا هو أول تأكيد خارج الرواية التوراتية على وجود أخاب، الذي الْتقَينا به أعلاه في الفصل السابق). وكان هناك أيضًا ألف جندي من مصر، يُحتمَل كما ذكرنا أن يكون أوسركون الثاني هو مَن أرسلهم، والمزيد ممَّن جاءُوا من المدن الفينيقية، جبيل وأرواد وتل عرقة (عِرقاتا). وإجمالًا، تمكَّن أعضاء التحالُف من أن يضعوا في الميدان ما يقرُب من 4 آلاف عربةٍ حربية وألفَي فارس وأكثر من 40 ألفًا من المشاة وألف جمل (1).
ومع ذلك، هزم شلمنصر تحالُف القوات التي تجرَّأت على مواجهته. يقول في أحد النقوش: «أسقطتُ بالسيف 14 ألف جندي، من رجالهم المُقاتِلين، وأمطرتُهُم بالدمار كما يفعل الإله أداد. ملأتُ السهل بجُثثهم المنتشِرة وأسقطتُ قواتهم الكثيرة بالسيف. كان السهل صغيرًا جدًّا بحيث لم يكن يمكن وضع (العدد الهائل) من جُثثهم على الأرض؛ لم تكن المنطقة الواسعة كافيةً لتستوعِب دفنهم جميعًا. سددتُ نهر العاصي بأجسادهم مثل الجسر» (2).
كما ذُكِرَت هذه الواقعة في خمسة نقوشٍ أخرى على الأقل. ويُزعَم في هذه النقوش أنَّ عدد القوات المعادية التي قُتِلَت كان أكثر من ذلك بكثير؛ ففي مجموعة من الألواح الطينية من العاصمة آشور، والتي شكَّلَت نسخةً من حولياته، وفي تمثالَي ثورَين هائلَين وجدَهما لايارد في نمرود/كالح، ضاعَفَ شلمنصر الثالث العدد تقريبًا، مُدعيًا ما يلي: «قتلتُ بحدِّ السيف 25 ألفًا من رجالهم المُقاتِلين (و) استوليتُ منهم على عرباتهم الحربية وفرسانهم (و) معداتهم العسكرية.» كما أضاف نهايةً جديدة، مدعيًا: «لإنقاذ حياتهم، هربوا وركبوا القوارب، (و) خرجوا وركبوا البحر» (3).
كما صُوِّرَت المعركة على الشريط التاسع من بوابات بَلاوات. وهنا نرى الاستيلاء على عدة مدنٍ في منطقة حماة، بما في ذلك مدينة قرقور نفسها، التي تحترق. وشلمنصر جالس في خيمة، حين يُعرَض أمامه السجناء الذين أُسِروا والأشياء المنهوبة من المدينة (4).
وبعد بضع سنوات، قال شلمنصر إنه تلقَّى مرةً أخرى الجزية من مدينتَي صيدا وصور الفينيقيَّتَين، خلال عامه الثامن عشر على العرش. وهناك نُسَخ مختلفة لهذا النقش؛ ففي إحدى النسخ ينصُّ على وجه التحديد على أنَّ الجزية كانت من «بعل-معزر ملك صور»، الذي ورَدَ ذِكره مباشرةً قبل «يَاهُو من بيت عُمري». وربما يكون هذا الملك هو بعل-معزر [بعل-آزور] الثاني (855–830 قبل الميلاد) من صور، كما أطلق عليه يوسيفوس، المؤرخ الروماني اللاحق (5).
كما تلقَّى شلمنصر الجزية «من أرض مُصري»، أي مِصر، والتي لا تزال تُعرَف باسم «مِصرايم» في العبرية الحديثة. وقد تضمنَت الجزية من مصر «جِمالًا ذات سنامين، وجاموسة مائية، ووحيد قرن، وظبيًا، وإناث فيلة، (و) قرودًا.» وكان يُظَن في الأصل أن الفرعون في ذلك الوقت كان تاكيلوت الثاني، ولكنْ نظرًا لأنَّ حُكم أوسركون الثاني امتدَّ الآن إلى عام 831 قبل الميلاد، فالأرجح أنه هو الذي قدَّم هذه الجزية. وينصُّ نقش آخر لشلمنصر على أنه تلقَّى مرةً أخرى جزيةً من صور وصيدا وجبيل بعد ثلاث سنوات، في عام 838 قبل الميلاد (6).
وفي الوقت نفسه تقريبًا، من حوالي عام 839 قبل الميلاد فصاعدًا، وجَّه شلمنصر انتباهه أيضًا نحو جنوب شرق الأناضول، إلى منطقةٍ ومملكةٍ تُعرَف باسم تابال، والتي كانت قد تأسَّسَت في أعقاب الانهيار الحيثي في المنطقة. سرعان ما هَزمَ شلمنصر الملوك السور-حيثيين هناك، وكذلك أولئك الذين حكموا منطقة قِيلِيقِيَة القريبة المعروفة في ذلك الوقت باسم أدَناوا (أو كيو في النقوش الآشورية، وهياوا أو أضنة في نقوشٍ لوفية مختلفة). ومن الجدير بالذكر، كما أشار تريفور برايس، أن اسم «هياوا» يأتي من «أهياوا»؛ الاسم الذي أشار به الحيثيون إلى الميسينيين، مما قد يُشير إلى أنه كانت هناك هجرة من البر الرئيسي لليونان إلى هذه المنطقة مباشرة بعد انهيار العصر البرونزي (7).
.......................................
(1) See Kuhrt 1995: 487-88; Grayson 1996: 11–24 (A.0.102.2), esp. 23-24, 2005; J. Miller and Hayes 2006: 247, 292, 294 (text no. 3); Bryce 2012: 175–77, 226–30; Schneider 2014: 100-101; Frahm 2017: 171, 2023: 109-10; Elayi 2018: 134-35; Schipper 2019: 40-41.
(2) See Grayson 1996: 11–24 (A.0.102.2), esp. 23-24, 2005; quoted by Bryce 2012: 226–30, 2014: 124-25; also Frahm 2023: 110. See also Fales 2017: 226–28; Monroe 2018: 259; Bunnens 2019b: 66; Sader 2019b: 82; Garnand 2020: 146. On the gifts from the Egyptian pharaoh Osorkon II to Byblos and Samaria, as well as the Egyptian participation at Qarqar, see, e.g., Kitchen 1973: 324-25, with references; also, Muhs 2022: 196-97, 199.
(3) See, e.g., Grayson 1996: 32–41 (A.0.102.6), esp. 36, and 42–48 (A.0.102.8), esp. 45; also, a large stone tablet in the wall at Aššur, recorded by Grayson 1996: 50–56 (A.0.102.10), esp. 52; and other instances listed by Grayson (passim). However, on the Black Obelisk, he says that the number killed were “20,500” and elsewhere the figure is given as “29,000”; see, e.g., Grayson 1996: 65 (A.0.102.14) and 75 (A.0.102.16). See also full discussion in S. Yamada 2000; Grayson 2005.
(4) King 1915: 29-30, pls. 48–53; Grayson 1996: 144-45 (A.0.102.76).
(5) Grayson 1996: 48, 54, 60 (compare A.0.102.8 and A.0.102.12 with A.0.102.10); Lipiński 2006: 180.
(6) On all of this, see variously Kitchen 1973: 327; Grayson 1996: 151 (A.0.102.89); Aubet 2001: 55; Miller and Hayes 2006: 307 (text no. 5); Fales 2017: 228; Dodson 2019: 109, 192; Sader 2019b: 129.
(7) Bryce 2012: 39, 153-54, 239–41, 2016b: 67–69, 74; J. F. Osborne 2021: 65-66.