بعد أقلَّ من عامٍ من تولِّي يَاهُو عرشَ إسرائيل، التي حكمها من 841 إلى 814 قبل الميلاد، كان عليه أيضًا مواجهة شلمنصر الثالث، تمامًا كما فعَلَ حَزَائِيل، واستسلم على الفور. على نُصُبٍ حجريٍ يبلُغ ارتفاعه ستة أقدام يُعرَف باسم المسلَّة السوداء، وجَدَه لايارد في نمرود/كالح وهو الآن في المتحف البريطاني، يظهر يَاهُو راكعًا في خضوع أمام شلمنصر. في التعليق المرفق، وُصِفَ يَاهُو بأنه «من بت عُمري» (أي «بيت عُمري») وتمَّ إدراجه على أنه يقدِّم الجزية، والتي تضمنَت «فضةً وذهبًا وصَحفةً ذهبية ووعاءً ذهبيًّا وأوانيَ ذهبية ودِلاءً ذهبية وصفيحًا وصولجانات الملك (و) رِماحًا.» ومن المُدهِش، كما أشارت تامي شنايدر من جامعة كليرمونت للدراسات العُليا في كاليفورنيا وآخرين غيرها، أن هذه الواقعة المُتمثلة في ركوع يَاهُو أمام شلمنصر وتقديم الجزية لم يرِدْ ذِكرها في أيِّ مكانٍ في الكتاب المقدس العبري (1).

شكل 1: المسلة السوداء لشلمنصر الثالث، وخُضُوع يَاهُو. المتحف البريطاني رقم 118885. الصورة بإذنٍ من المتحف البريطاني.
بعد بضعة عقود، تولَّى أداد-نيراري الثالث عرش آشور، وحكم من 810 إلى 783 قبل الميلاد. ويَزعُم أنه حقَّق انتصاراتٍ مهمة خلال حُكمه، ومن بين ذلك عدد من الانتصارات التي جرَت فيما يعرف حاليًّا بسوريا وإسرائيل. وفي أحد النصوص، المعروف باسم لوح تل الرماح، يصف أداد-نيراري إخضاع «أراضي أمورو (و) خاتي بتمامها»؛ أي معظم سوريا. ويقول على وجه التحديد إنه تلقى جزيةً ضخمةً من ملِك دمشق، والتي تضمنَت ألفي تلنت (وحدة قياس قديمة للوزن) من الفضة، وألف تلنت من النحاس، وألفَي تلنت من الحديد، و«3 آلاف ثوب من الكتان مزخرَفة بألوانٍ متعددة». وفي الجملة التالية المنقوشة على اللوح، يتفاخر قائلًا: «تلقيتُ جزية يُوآش، السامري» (أي، يُوآش/يَهُوآش، ملك إسرائيل، الذي حكم من حوالي 804 إلى 789 قبل الميلاد)، والتي لم تُذكر أيضًا في أي موضع في الكتاب المقدس، وكذلك من «شعب صور (و) صيدا»؛ لذلك يبدو، من الواضح، أن حملته امتدَّت بعيدًا إلى الجنوب (2).
وفي نصٍّ ثانٍ، يُعرَف باسم نقش كالح، عُثِر عليه في نمرود، يزعم أداد-نيراري أنه تلقَّى مبالغَ أكبر من الجزية، من ملك دمشق: «2300 تلنت من الفضة، و20 تلنتًا من الذهب، و3 آلاف تلنت من البرونز، و5 آلاف تلنت من العاج، وثيابًا كتانية مُزخرفة بألوان مُتعددة، وسريرًا من العاج، (و) سريرًا مُطعَّمًا بالعاج.» كما يقول على وجه التحديد إن جميع الملوك في بلاد بابل قد أصبحوا تابعين له وأنه غزا (أو أخضع) الساحل السوري كله، وجنوب الشام كله، ومنه «صور وصيدا وحُمري [السامرة/إسرائيل] وأدوم وفلسطيا، حتى البحر الكبير في الغرب (أي البحر الأبيض المتوسط).» وحسبما نعلم، يبدو أن هذا هو أول إشارة في نقش آشوري إلى «فلسطيا»، أي، فلستيا والفلستيين أنفسهم. يُمكننا أن نلاحظ أيضًا أنه يذكر أدوم على وجه التحديد، إضافة إلى مملكة إسرائيل الشمالية، وكذلك صور وصيدا (3).
•••
كانت هذه مجرد بداية للتوسُّع الإمبراطوري الآشوري، والذي نعرفه بتفصيلٍ كبير. فبعد بضعة عقود فقط من حُكم أداد-نيراري، هاجَمَ ملوك آشوريون، من بينهم تِغلث-فلاسر الثالث وشلمنصر الخامس وسرجون الثاني، مملكةَ إسرائيل الشمالية ثم دمَّروها في النهاية بحلول عام 720 قبل الميلاد. بعد ذلك بوقتٍ قصير، هاجم سنحاريب مملكة يهوذا الجنوبية في عام 701 قبل الميلاد، وخلال ذلك الوقت، دُمرت مدينة لخيش وحوصرت القدس. هذه الأحداث موصوفة في كلٍّ من الكتاب المقدس العبري والنقوش الآشورية، لكنها خارج حدود مناقشاتي هنا، لذا سيتعين عليَّ ترك قِصتها لوقتٍ آخَر.
وسَّع ملوكُ الآشوريين الجدد اللاحقون حُكم الإمبراطورية إلى مصر وشِبه الجزيرة العربية وإيران وتركيا، إذا أردنا أن نصوغ الأمر بمُصطلحاتٍ جغرافية وسياسية حديثة، ولكنهم في نهاية المطاف سقطوا في أيدي الإمبراطورية البابلية الجديدة التي عادت إلى الظهور في نهاية القرن السابع قبل الميلاد، مثلما سيسقط البابليون الجُدد في نهاية المطاف في أيدي الفُرس في وقتٍ لاحق من القرن السادس قبل الميلاد. وتقع تلك الأحداث أيضًا خارج نطاق القصة التي أرويها هنا، ولكننا نستطيع أن نرى بالفعل أن الممالك والإمبراطوريات العديدة في أواخر العصر البرونزي نجحَت في التغلُّب عليها، في نهاية المطاف في الألفية الأولى، إمبراطورياتٌ أكبر — آشور، ثم بابل، وفارس، واليونان، ثم روما — امتدَّت أراضيها عبر الشرق الأدنى القديم واحدة تلوَ الأخرى.
..............................................
(1) Schneider 2014: 101. Re the Black Obelisk, see Grayson 1996: 62–71 (A.0.102.14); for the depiction and inscription regarding Jehu in particular, see Grayson 1996: 149 (A.0.102.88); Postgate 1992: 253, fig. 3, and 255; originally Layard 1849: pl. 53. See also Kuhrt 1995: 488; Grayson 2005; Miller and Hayes 2006: 236, 247, 307 (text no. 5); Fagan 2007: 122-23; Younger 2016: 613–18; Cline 2017: 57-58, with further references; Frahm 2017: 171, 2023: 110; Schipper 2019: 41-42.
(2) See Grayson 1996: 209–12 (A.0.104.7), esp. 211; Miller and Hayes 2006: 238, 247; Bryce 2012: 50–52, 245; Schneider 2014: 101; Fales 2017: 228-29; Frahm 2017: 174-75; Elayi 2018: 136-37; Bunnens 2019b: 67; Sader 2019b: 66. On the dates of Joash/Jehoash, king of Israel (not to be confused with the slightly earlier king of Judah who had the same name), see Miller and Hayes 2006: 222.
(3) Ehrlich 1996: 81–85, 168–71; Grayson 1996: 212-13 (A.0.104.8), esp. 213; Bryce 2012: 50-51; Ben-Shlomo 2014: 717; Schneider 2014: 101; Fales 2017: 228–30; Bunnens 2019b: 67; Na’aman 2021: 19-20.