الحديث الرابع والخمسون: [في تفسير آية النور]
ما رويناه بالأسانيد المتقدّمة عن ثقة الإسلام في (الكافي) بإسناده عن الصادق والكاظم (عليهما السلام) في قول اللَّه (عزّ وجلّ): ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ــ «فاطمة عليها السلام» ــ فِيهَا مِصْبَاحٌ ــ «الحسن عليه السلام» ــ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ــ «الحسين عليه السلام» ــ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ــ «فاطمة كوكب درّيّ بين نساء أهل الدنيا» ــ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ــ «إبراهيم عليه السلام» ــ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ــ «لا يهوديّة ولا نصرانيّة» ــ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ــ «يكاد العلم ينفجر منها» ــ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ ــ «إمام منها بعد إمام» يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ــ «يهدي اللَّه للأئمّة من يشاء» ــ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: 35]
قلت: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ ــ قال: «الأوّل وصاحبه» ــ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ــ «الثالث» ــ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ــ «الثاني» ــ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ــ «معاوية وفتن بني أميّة» ــ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ ــ «المؤمن في ظلمة فتنتهم» ــ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا ــ «إماماً من ولد فاطمة عليها السلام» ــ فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ــ «إمام يوم القيامة» ــ﴾ [النور: 40]
وقال في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: 12]: «أئمّة المؤمنين يوم القيامة يسعى نورهم بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم حتّى ينزلوهم منازل أهل الجنّة» (1).
توضيح:
«اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» أي منوّرهما، أو هادٍ لأهل السماوات والأرض.
«مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ»: فاطمة (عليها السلام) أي صفة نوره كصفة مشكاة، وهي الكوّة التي ليست بنافذة. وقيل: هي أنبوبة في وسط القنديل يوضع فيها المصباح، وهو السراج والفتيلة المشتعلة، والمراد بها هنا فاطمة (عليها السلام)؛ لأنّها محلّ لنور الأئمّة وسراج الأمّة. وشبّه الأئمّة بالنور والسراج؛ لأنّ المتّبعين آثارهم يستضيئون بنور هدايتهم وضياء علومهم إلى طريق الرشاد كما يهتدي السالكون في الظلمة بالنور والسراج.
«فِيها مِصْباحٌ» أي سراج، وهو الحسن (عليه السلام).
«الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ» الحسين (عليه السلام).
يعني أنّ مصباحاً الأوّل المنكّر كناية عن الحسن (عليه السلام)، والثاني المعرّف كناية عن الحسين (عليه السلام)، فلا يلزم اتّحاد المصباحين.
على أنّ للاتحاد وجهاً؛ لأنّ الحسنين من نور واحد بحسب الحقيقة وإن كانا في الظاهر نورين.
ومعنى «الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ» أي في قنديل مثل الزجاجة في الصفاء والشفّافيّة.
فقد شبّه فاطمة (عليها السلام) تارة بالمشكاة، وتارة بالزجاجة، وبالاعتبار الثاني جعلها ظرفاً لنور الحسين (عليه السلام) لزيادة ظهور نوره على الحسن (عليه السلام) لكون سائر الأئمّة من صلبه.
قوله: «الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» أي منسوب إلى الدرّ باعتبار المشابهة به في الضياء والصفاء والتلألؤ، هذا إذا كان بتشديد الراء والياء كما هو الظاهر، وإن كان بتشديد الياء فقط فهو من الدرء بمعنى الرفع، قلبت همزته ياءً وأدغمت الياء في الياء، فإنّه يدفع الظلام بضوئه ولمعانه.
ووجه تشبيه فاطمة (عليها السلام) به أنّها - صلوات اللَّه عليها وعلى أمّها وأبيها وبعلها وبنيها - كوكب درّيّ يضيء لامع نورانيّ فيما بين نساء أهل الدنيا.
«يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» توقد بالتاء أو الياء على صيغة المجهول من الاتّقاد، و«من» ابتدائيّة، أي توقد تلك الزجاجة أو ذلك المصباح من شجرة مباركة كثيرة النفع، وهي إبراهيم (عليه السلام)، ونفعه كثير؛ لوجود الأنبياء والأوصياء من نسله.
وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثمّ إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها، وعبّر عنها بالزيتونة؛ للتنبيه على كثرة نفعها، واتّصافها بالعلم الذي هو كالزيت في كونه مادّة لضيائها ومبدءا لنورانيّتها.
وقوله: (لا يهوديّة ولا نصرانيّة) قيل: لعلّ هذا باعتبار أنّه كان مسكن اليهود من طرف المشرق، ومسكن النصارى من طرف المغرب.
وقوله: «يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ» ضمير التأنيث يعود إلى فاطمة (عليها السلام)، والمراد بالزيت العلم على سبيل الاستعارة والتشبيه، يعني يكاد علمها يتفجّر من قلبها الظاهر إلى قلوب المؤمنين والمؤمنات بنفسه قبل أن يُسئل؛ لكثرته وغزارته وفرط ضيائه ولمعانه.
(يهدي اللَّه للأئمّة) أي لأجلهم وتوسّطهم أو إليهم.
«وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» تشبيه للمعقول بالمحسوس؛ لزيادة البيان والإيضاح.
«أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ» الآية: شبّه أعمال الذين كفروا أوّلًا بسراب في أنّها لاغية لا منفعة لها، وثانياً بظلمات في أنّها خالية عن النور والضياء.
واللجّيّ: العميق، منسوب إلى اللجّ وهو معظم الماء.
وضمير «يغشاه» راجع إلى البحر.
ولمّا كان كلّ ما في الأوَّلَيْنِ من الظلام والفتن موجود في الثالث مع زيادة ما أحدثه نسب إليه الغشاء والموج الذي هو عبارة عن الاضطراب.
وضمير «فوقه» في الموضعين راجع إلى «موج» القريب منه، والظلمات الثانية المتراكم بعضها فوق بعض.
ومعنى الحديث: أنّ الظلمات الأولى كناية عن الأوّل، والموج الأوّل عن الثاني، والموج الثاني عن الثالث، والظلمات الثانية التي بعضها فوق بعض كناية عن معاوية وفتن بني أميّة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي، ج 1، ص 195، باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) نور اللَّه (عزّ وجلّ)، ح 5؛ تفسير القمّي، ج 2، ص 102 و103؛ بحار الأنوار، ج 4، ص 18 و19، ح 6؛ وج 23، ص 304، ح 1.