نحن نعرف أن القرآن الكريم في كثير من مواضعه الشريفة لا يقتصر بمراده على معنى واحد فقط؛ بل ربما الآية الواحدة الظاهرة في معنی ما، تريد ذلك الظاهر في جانب معين وتريد معنى آخر في جانب آخر! بل ربما يحمل الخطاب القرآني معاني مختلفة وعديدة.. لكل معنى ظرفه الخاص به وجانبه المعين له! وهذا من روعة الكتاب الحق الذي هو معجزة النبي (صلى الله عليه وآله) ومن مرونته اللطيفة وانسيابيته العجيبة الصالحة والملائمة لأكثر من موقف وموضوع وحال!
وبعد ذلك أقول بعد التوكل عليه سبحانه: إن الآيات الكريمات التي تحضنا على صلة الرحم هي من جانب الظهور تريدنا أن نصل أرحامنا.. لكنها من جانب آخر تحضنا على حفظ صلة آل البيت وموالاتهم والمودة لهم.. ولا تنافر في ذلك ولا تعارض، بل لا أبالغ إذا قلت أن جوهر الصلة وغايتها التي أمرنا بها الحق سبحانه في دستوره العظيم ما هي في الحقيقة إلا صلة رحم بيت النبوة الأطهار! لأن من يلتزم بصلة هؤلاء النجباء يقينا سيلتزم بصلة أقارب النسب فتكون بذلك صلة بيت النبوة (عليهم السلام) هي أهم وأفضل ضمانة للحفاظ على صلة رحم الأقارب بشكلها العام.. فقد ورد في الكافي، بإسناده عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل): {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21]، قال: (قرابتك) (1).
وفي الكافي أيضا بإسناد آخر عن الراوي نفسه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21]، قال: (نزلت في رحم آل محمد وقد يكون في قرابتك، ثم قال: ولا تكونن ممن يقول في الشيء أنه في شيء واحد) (2).
وفي تفسير العياشي، عن عمر بن مريم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21]، قال: (من ذلك صلة الرحم وغاية تأويلها صلتك إيانا) (3).
وفي المصدر نفسه، عن محمد بن الفضيل قال: سمعت العبد الصالح يقول: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21] قال: (هي رحم آل محمد معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني، وهي تجري في كل رحم) (4).
فهذه الروايات التي قيلت عن صلة بيت النبوة الأطهار صلوات الله عليهم تدل وبوضوح لا يشوبه أي غموض أن لا صلة لرحمك تجزى عليها وتُؤجر وتُثاب عند الحق سبحانه من دون أن تصل رحم محمد وآل محمد صلوات الله عليهم جميعا.. بل لا عمل يقبل عند الله تعالى إلا بولايتهم ومودتهم سلام الله عليهم.. فلا تؤتى البيوت إلا من أبوابها! اللهم صِلنا بنبيك الحبيب وأرحامه أهل التقى والطيب.. وأمتنا على ولايتهم وأكرمنا شفاعتهم ولك الحمد أولا وآخرا وصلواتك على محمد وآله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ الكافي، للكليني، ج 2، ص 224.
2ـ المصدر السابق.
3ـ تفسير العياشي، ج 2، ص 218.
4ـ المصدر السابق.